فرسان الإسلام وحروب المماليك   
الخميس 18/11/1433 هـ - الموافق 4/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر

يقدم هذا الكتاب رؤية مغايرة لما درجت عليه كتابات تاريخية عديدة، فيما يتعلق بالصورة النمطية السلبية للمماليك، ويقدم المؤلف دفاعًا موضوعيًّا عنهم، في سياق الحديث عن فترة ذهبية في تاريخ العرب والمسلمين، تميزت بانتصارات عسكرية مذهلة على العديد من الجبهات، وضد إمبراطوريات وقوى عظمى في مرحلة العصور الوسطى، وكان للمماليك فيها نصيب كبير.

لقد كانت تلك الانتصارات نتاج عمل جاد ودؤوب، لرجال عرفوا طريق الأسلوب العلمي للتخطيط والتنفيذ بالفطرة، وقاموا بتنمية قدراتهم ومهاراتهم بالتدريب الشاق والعمل المستمر.

ومؤلف الكتاب هو الباحث البريطاني جيمس واترسون، المتخصص في التاريخ والدراسات الشرقية والأفريقية، وتتميز كتاباته بالحياد والموضوعية واستخدام الأسلوب العلمي في البحث، وقدم في هذا الكتاب الأدلة والبراهين التي تثبت تميز المماليك، وقدراتهم القتالية العالية، وحبهم للجهاد في سبيل الله, واستخدامهم لأساليب علمية حديثة في التخطيط والتنفيذ، رغم نزعاتهم العنيفة ودسائسهم في كثير من الأحيان، التي يمكن تبريرها بما لاقوه في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية من أهوال وصعوبات ومؤامرات سياسية.

-الكتاب: فرسان الإسلام وحروب المماليك
-المؤلف: جيمس واترسون
-المترجم: يعقوب عبد الرحمن
-عدد الصفحات: 424
-الناشر: المركز القومي للترجمة, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

ظروف النشأة
وحول الظروف التي نشأ فيها المماليك يقول المؤلف إنه مع اتساع الدولة الإسلامية في القرن الثامن الميلادي شرقًا وغربًا، بدأت تدخل في نسيج الدولة شعوب أخرى غير العرب، مثل الشعوب الآسيوية (على تنوعها) والأفريقية أيضًا، واحتاج الخلفاء المسلمون إلى خبراء في الحرب والقتال لمواجهة بسط السيطرة على تلك المناطق المفتوحة، وبدأ يظهر لهؤلاء الخلفاء نوعية جديدة من الشباب، قادمة من سهول آسيا الوسطى وجنوب روسيا، ومن القبائل التركية التي سكنت هذه السهول, وهي مناطق قاحلة شديدة الفقر، كان أهلها يعانون من مشقة البحث عن لقمة العيش.

وأدى شظف العيش في تلك المناطق إلى تحلل العلاقات الاجتماعية، وظهور تجارة الرقيق وبيع الأبناء بحثًا عن الغذاء، وكان شباب تلك المناطق يتميزون بمهارات الفروسية والمصارعة وفنون القتال، فاستعان بهم الخلفاء والأمراء المسلمون، وكان الواحد من هؤلاء يسمى "مملوكا" أي عبدا ملك اليمين، والجماعة "مماليك" واستطاع الأمراء والسلاطين جلب أعداد كبيرة منهم للحماية والقتال والفتوحات، وحرص الأمراء على إبقاء هؤلاء المماليك في الإطار العسكري والتدريب على فنون القتال، بعد تعليمهم عقيدة وشعائر الإسلام الحنيف.

وكان معظم هؤلاء المماليك من أبناء القبائل التركية التي سكنت آسيا الوسطى, وعاشوا بعد ذلك في ثكنات خاصة بهم معزولة عن بقية المجتمع الإسلامي، وكانوا يتزوجون من جواري جلبت لهم خصيصا من بلادهم, لأن مصاهرة السكان المحليين كانت محظورة عليهم.

البداية الحقيقية
ويمكن القول إن معركة "ملاذ كرد" التي انتصر فيها جيش السلاطين السلاجقة الأتراك عام 1071م على البيزنطيين, وتم أسر الإمبراطور البيزنطي "رومانوس الرابع"، وشارك فيها المماليك بقيادة الأمير ألب أرسلان، هي البداية الحقيقية لظهور المماليك مقاتلين أشداء، وكانت هذه المعركة أيضًا هي السبب المباشر في الحملة الصليبية الأولى، ثم تتابعت الحملات الصليبية بعدها، وبالتالي قويت شوكة المماليك وآلة الحرب الخاصة بهم، التي أدت في النهاية إلى تطهير بلاد الشام من الصليبيين تمامًا.

تعتبر معركة "ملاذ كرد", هي البداية الحقيقية لظهور المماليك مقاتلين أشداء، وكانت هذه المعركة هي السبب المباشر أيضا في الحملة الصليبية الأولى

ويشير المؤلف إلى أن بدايات القرن الثالث عشر الميلادي هي أهم فترة حيوية لدراسة المماليك وقوة سلطانهم ونفوذهم, وبخاصة في عهد السلطان الصالح أيوب، الذي بدأ في جلب وتجنيد المماليك، وفي الثلث الأول من القرن الثالث عشر كانت سوق العبيد في القاهرة تعج بالمماليك, وكان الأطفال منهم يباعون تبعًا لذلك بأبخس الأسعار وفق العرض والطلب، وذلك بسبب اتساع وكثرة هجمات المغول في مناطق جنوب روسيا والقوقاز والأراضي الواقعة شرق نهر الفولجا، وشمال بحر قزوين منذ عام 1220م.

وبدأت تتشكل منذ عام 1240م الكثير من المعارف والتقاليد بخصوص المماليك في عهد السلطان الصالح أيوب، كما كانت تقام المراسم من أجل استعراض تطور الثقافة الخاصة بهم، وأطلق الصالح أيوب على مماليكه لقب "البحرية" لأنهم كانوا يعسكرون في جزيرة محصنة على "بحر النيل"، وهو الاسم الذي كانوا يطلقونه على نهر النيل، وكانت هذه القوة تتكون من نحو ألف رجل، وقد نجحت في إثبات جدارتها في موقعة "غزة" عام 1244م.

لويس التاسع
وظهرت بسالة المماليك بوضوح عندما اقتحم شقيق لويس التاسع القاهرة عام 1250م، ونجحت قوات المماليك بالقاهرة في التصدي لجنود الحملة الصليبية، وقتلوا منهم المئات بالإضافة إلى قائدهم, وتحركت قوات "المماليك البحرية" بقيادة الأمير الظاهر بيبرس، لمواجهة فلول الملك لويس التاسع خارج مدينة المنصورة، ونجحوا في اجتياح مواقع الصليبيين حتى انتصروا عليهم, وقتلوا منهم الآلاف وأسروا قائد الحملة لويس التاسع في دار ابن لقمان بالمنصورة عام 1250م.

ولم تكد تمر سنوات قلائل حتى بدأ المغول يزحفون نحو الممالك الإسلامية في العراق والشام, حتى نجحوا في الاستيلاء على بغداد عام 1258م وقتل خليفة المسلمين، بعد أن عاثوا فيها فسادًا وقتلوا كل من فيها من البشر، وبلغ عدد القتلى، بحسب اعتراف "هولاكو" قائد الحملة نفسه في خطاب لملك فرنسا 200 ألف نسمة، وتوغلوا بعد ذلك في الشام حتى سيطروا على مدينة حلب.

وبعد هذا الانتصار أرسل قائد المغول "هولاكو" مبعوثيه إلى السلطان المملوكي بالقاهرة سيف الدين قطز، يدعوه للاستسلام المهين وتسليم القاهرة دون قتال، لكن قطز رد بقتل هؤلاء الرسل، وعلق رؤوسهم على بوابات مدينة القاهرة إمعانًا في التحدي، ونجح في نفس الوقت في التحالف مع خصمه الأمير الظاهر بيبرس ضد هولاكو، واستعد المماليك لمواجهة كبرى مع جيوش المغول الرهيبة، التي تدمر كل شيء في طريقها.

لكن أمورًا أخرى حالت دون استمرار تقدم المغول صوب مصر، منها وفاة الخان الأعظم للمغول "منكو خان" عام 1259، وهو ما أدى إلى عودة نصف مقاتلي هولاكو إلى ديارهم للمشاركة في دفن الخان الأعظم، إضافة إلى معاناة الجيش من نقص الموارد الغذائية والمائية، وترك هولاكو أحد قواده في منطقة الشام ليراقب الوضع في مصر عن كثب.

كان نجم المماليك يعلو ويهبط في كل فترة, وتقوى شوكتهم حينًا ثم تضعف في أحيان أخرى، حتى بدأت شمس العثمانيين تشرق بقوة، وتوالت انتصاراتهم وفتوحاتهم

عين جالوت
لكن السلطان المملوكي سيف الدين قطز قرر أن يلاقي المغول في بلاد الشام بدلاً من انتظارهم في مصر، وخرج عام 1260م على رأس 20 ألف مقاتل، وبدأ في شحذ همم جنود الجيش، باستخدام الوازع الديني واستدعاء روح الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الإسلام، والتقى مع جيش المغول في الموقعة الشهيرة "عين جالوت" التي انتصر فيها جيش المسلمين بقيادة سيف الدين قطز، واستمر الجيش في مطاردة المغول حتى أجلوهم عن عدة مدن رئيسية في الشام، وأعادوها إلى سيطرة الأيوبيين مرة أخرى.

وتستمر الحياة, ويعلو ويهبط نجم المماليك في كل فترة, وتقوى شوكتهم حينًا ثم تضعف في أحيان أخرى، وتزداد بينهم الدسائس والمؤامرات للسيطرة على السلطة طوال أكثر من مائتي عام, حتى بدأت شمس العثمانيين تشرق بقوة، وتوالت انتصاراتهم وفتوحاتهم.

لكن الدولة الصفوية باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا لكل من العثمانيين في بلاد الأناضول، والمماليك في بلاد الشام، وبدأ السلطان العثماني سليم الأول يطارد قوات الشاه إسماعيل الصفوي، الذي لقي هزيمة منكرة عام 1514م, وعلى الرغم من بعض الصعوبات التي واجهها السلطان قنصوة الغوري سلطان المماليك، مع السلطان العثماني سليم الأول قبل هذه المعركة، فإن الغوري جاهد للمحافظة على حياد المماليك في الحرب، وفعل كل ما بوسعه من أجل تجنب المواجهة معه، لكن المواجهة اندلعت بينهما في "مرج دابق" شمالي حلب عام 1516م، وانهزم السلطان الغوري هزيمة ساحقة وسقط ميتًا في أرض المعركة، وفقد المماليك كل سلطانهم في بلاد الشام لصالح العثمانيين.

وفي عام 1517 وصل جنود السلطان العثماني سليم الأول إلى قلب القاهرة، والتقوا مع سلطان المماليك طومان باي في موقعة "الريدانية" (العباسية الآن)، ولقى طومان باي ورجاله هزيمة منكرة، نظرًا لتفوق العثمانيين في آلة الحرب, ودخل العثمانيون إلى القاهرة، وفر طومان باي وبعض رجاله إلى الصحراء، ولكن سرعان ما انتهى الأمر بالقبض عليه.

النهاية
وعندما قبض رجال السلطان العثماني على طومان باي شنقوه على باب زويله (أحد أبواب القاهرة الفاطمية)، وطويت صفحة السلطنة المملوكية بوفاة طومان باي، وأقسم سليم الأول على إبادتهم كليا، وكانت أعناق المماليك الذين يتم القبض عليهم تُضرب في منطقة الجيزة، ونشط العثمانيون في البحث عنهم في القاهرة، والقيام بشنقهم وشنق أي مواطن يقوم بإخفاء أي مملوك, وباختصار قطع رأس أي مملوك يتم القبض عليه, ثم وضع رأسه على سارية.

طويت صفحة السلطنة المملوكية بوفاة طومان باي، وأقسم سليم الأول على إبادتهم كليًّا، وكانت أعناق المماليك الذين يتم القبض عليهم تُضرب في منطقة الجيزة

وفي عام 1521م تمت إبادة آخر المماليك في بلاد الشام بواسطة الأمير سليمان ابن سليم الأول، بعد أن ثاروا على حكمه، كما تم طرد المماليك نهائيًّا من مصر عام 1811م، وقد وجهت الدعوة إلى أمرائهم للاحتفال مع محمد علي باشا والي مصر في تلك الفترة، وبمجرد دخولهم قلعة القاهرة تم إغلاق البوابات وإطلاق النيران عليهم من جنود متمركزين في الأبراج العالية.

كما كانت هناك مذابح إضافية للمماليك وأسرهم في شوارع القاهرة، وهرب القليل منهم جنوبا إلى السودان، حيث قاموا بتأسيس دولة صغيرة استمرت في استيراد العبيد كجنود، ولكن تم تدميرهم في النهاية عن طريق حملة عثمانية عام 1820م.

وكانت تلك هي نهاية قصة المماليك، لكن التاريخ لم يبتلعهم بصفة نهائية، فمصابيح المساجد المملوكية في القاهرة البالغة الجمال والرقة، التي تحمل الآيات القرآنية: "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور"، تعد برهانًا مناسبًا لرجال وصلوا إلى ذروة الكمال في الفنون العسكرية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة