عبقرية الثورة المصرية   
الاثنين 1433/2/21 هـ - الموافق 16/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 9:43 (مكة المكرمة)، 6:43 (غرينتش)
عرض/ عبد الرحمن سعد
 
كثيرة هي التحليلات التي تناولت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 من وجهة نظر سياسية واقتصادية، ونادرة التحليلات التي تتناولها من أبعادها النفسية والاجتماعية، وهذا ما يميز هذا الكتاب الذي يأتي صدوره متواكبا مع مرور عام على الثورة في 25 يناير الجاري.
 
-الكتاب: عبقرية الثورة المصرية
- المؤلف: د.محمد المهدي
- عدد الصفحات: 474
- الناشر: دار الشروق، القاهرة
- الطبعة الأولى/ ديسمبر2011
وبرغم أن هذه المناسبة تفرض على المحللين تقويم أداء الثورة خلال عام مضى، واستشراف آفاقها خلال الأعوام المقبلة، إلا أن أهمية الكتاب تكمن في معرفة ماذا حدث، ووضعه في المختبر النفسي، كى تضاعف مكتسباتها، وتتلافى عثراتها.
 
ولأن الثورة كانت حدثا شديد التكثيف مترامي الأطراف، فقد حاول الكتاب أن يتناول التركيبات النفسية التي صنعت أحداثها، والمعنى النفسي الكامن وراءها، فلم يكن التوثيق الحي هو الهدف الأساسي له بقدر ما كان رصد العوامل النفسية التي حركت الأحداث، وصنعت التفاصيل.
 
والمؤلف خبير نفسي هو الدكتور محمد المهدي، وهو من مواليد مدينة المنصورة 1956، ورئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر بدمياط، وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للطب النفسي، وعضو مجلس إدارة الجمعية العالمية الإسلامية للطب النفسي، وله نحو عشرين كتابا في تخصصه.
 
وكتب المؤلف فصول كتابه في أثناء الثورة حين كانت الأحداث ساخنة، وبعضها كتبه في ميدان التحرير وأثناء المظاهرات نفسها، لكي تعبر عن رؤى حية للحظة في صورة عناوين ورؤوس موضوعات وأفكار، وحين كان الحدث يكتمل كان يقوم بملء الفراغات بمزيد من التفاصيل.
 
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب: الأول يرصد ويحلل أوضاع المصريين قبل الثورة، ويركز على العوامل التي أسهمت في قيامها، والثاني يحلل مشاهدها التي عايشها المؤلف، وشارك فيها، بميادين مصر وشوارعها المختلفة، معرجا على ما اعتبره "عودة الروح والوعي للشعب".
 
أما الباب الثالث فيتناول فترة ما بعد سقوط النظام، واصفا المشهد الحضاري للثورة من حيث سلميتها، وتحضرها، راصدا تغير صورة الذات لدى المصريين، وتنامي الشعور بالانتماء، وهو الذي كان وصل إلى الحضيض قبل الثورة.
 
فساد بمواطن العفة  
كان الفساد قد وصل إلى مواطن العفة قبل الثورة، والمقصود بها أجهزة القضاء والشرطة والتعليم والطب والمؤسسة الدينية، باعتبارها -جميعا- صمام أمان لأي مجتمع، وحصنا أخيرا يحرص أي مجتمع على بقائه خارج منظومة الفساد، ولكن لاقتراب الفساد من هذه المواطن استحق أن يصبح زلزالا هز أركان المجتمع المصري قبل الثورة.
 
وفاقم من حجم الأزمة أن مصر ظلت ترزح قبل الثورة تحت قانون الطوارئ عقودا عدة، وفي ظله وصل عدد كبير من ذوي السمات الانتهازية والسيكوباتية في الحزب الحاكم إلى مواقع تنفيذية مهمة، ثم انتشروا بعد ذلك في كل مكان، مما مكن للفساد، في ظل سيطرة المؤسسة الأمنية التي لم تكن تسمح بالصعود للمراكز القيادية إلا لمن تأمنه طبقا لمعاييرها الأمنية، وليس بالضرورة الوطنية أو الأخلاقية، وهو ما أعفى الحكومة من سماع أنين وصراخ الشعب، فلم تعد تشغل بالها بإرضائه.
 
وفي المقابل، مثلت أزمة الضمير أو شيخوخته ملمحا آخر لمصر قبل الثورة، وبرغم إدراك المصريين الحجم المريع لانتشار المحسوبية وزيادتها إلا أنهم كانوا يقبلونها في الممارسة الفعلية طالما حققت بعض النفع الشخصي لهم، مما أدى إلى انهيار منظومة القيم في المجتمع، فزادت حالات الانتحار، وضعف الانتماء، وتوحش التفاوت الطبقي، وتفاقمت معدلات البطالة والعشوائية، وانتقل المصريون من الحراك إلى العراك، بل أصبحوا يَقتلون بوحشية، بحسب الكاتب.
 
مشاعر أسرة بلاستيكية 
الرئيس قبل الثورة كان لغزا آخر، فهو يميل للكتمان والتحفظ، ويعمل بمبدأ السرية في المهمة حتى تكتمل، منذ أن كان قائدا للكلية الجوية، فكان لا يميل إلى التغيير برغم احتفاظه بحرية القرار والفعل، ولم يطلق رصاصة واحدة على الأعداء طوال حكمه، حفاظا على الاستقرار والتنمية كما يتخيلهما. 
"
مبارك قبل الثورة كان لغزا, فهو يميل للكتمان والتحفظ، وكانت زوجة الرئيس مثل زوجها في الانفصال عن الشعب، أما جمال، فكان نسخة بلاستيكية أخرى من جفاف مشاعر والديه
"
وكانت زوجة الرئيس مثل زوجها في الانفصال عن الشعب، حتى إنه كان يتم تفريغ أي مدينة تزورها من أهلها، كما حدث عند زيارتها الأخيرة للمنصورة، إذ تحولت إلى مدينة أشباح، فأُخليت الشوارع من السيارات والمارة إلا فيما ندر، وأغلقت المحال، مع أنها اكتفت في زيارتها بالتوجه إلى مبنى المحافظة للاجتماع بأعضاء حزبها الوطني (المنحل).
 
أما ابن الرئيس (جمال)، فكان نسخة بلاستيكية أخرى من جفاف مشاعر والديه، وهو ما بدا عليه في حواراته، إذ كانت ندرة حركاته خلالها تدل على ضعف التلقائية لديه، وحرصه على إخفاء ما يقصد، حتى إنه قال إنه لا ينوي ولا يرغب في أن يكون رئيسا لمصر، وهو ما نفاه لاحقا لدى التحقيق معه، إذ اعترف بأنه كان ينتوي الترشح للرئاسة.
 
مشاهدات الثورة
مثّل ما سبق مقدمات للثورة، وأسبابا لها، وهنا يستعرض الكاتب مشاهداته في ميدان التحرير لبداياتها وأيامها الأولى، وكيف تم كسر الجدار الأمني في جمهورية الخوف، وكيف قام المصريون بتكوين لجان شعبية بسرعة مذهلة، عقب انهيار الجهاز الأمني وانسحابه يوم 28 يناير، وتلك كانت إحدى عبقريات الثورة، وهو أنها كونت جهازا أمنيا بديلا، صمد خلال حرب الترويع والتجويع، والحرب النفسية، ولا سيما في موقعة الجمل.
 
ملامح العبقرية  
لكن ما ملامح عبقرية الثورة المصرية، كما يراها الكاتب؟ 
بعيدا عن أقوال الساسة الغربيين في امتداحها، يرى الكاتب أن الثورة جسدت نموذجا لأكبر حشد بشري في أي ثورة على مدار التاريخ الإنساني (عشرة ملايين نزلوا في القاهرة والمحافظات إلى الشوارع لأيام عدة)، واتسم هذا الحشد المليوني بالتحضر والتعقل، انطلاقا مما يمتلك العقل الجمعي المصري من سمات حضارية، على الرغم من عدم وجود قيادة موحدة للثورة.
 
هذه الثورة حضارية أيضا -كما يقول الكاتب- لأن من قادوها ينتمون إلى طبقة متحضرة صبغوا الثورة بصبغتهم، فجاءت أهدافها حضارية (عيش.. حرية.. كرامة إنسانية)، وكذلك لأن القوات المسلحة اتخذت موقفا حضاريا معها.
 
ويشير الكاتب إلى أن عملية الحشد للثورة تمت باستخدام أحدث وسائل التكنولوجيا في الاتصال على مواقع الإنترنت، بواسطة شباب حصل على تعليم متميز، وثقافة راقية، وحين يطلق لفظ ثورة ينصرف الذهن إلى معاني الخشونة أو العنف، إلا أن الثورة المصرية لم تتورط في مواجهة عنف الشرطة ورصاصها بعنف مقابل، بل تحملت ذلك في صبر جميل، وألم مسؤول، وواصلت ضغطها الأخلاقي على النظام اللا أخلاقي حتى تضعضعت قوته البوليسية.
 
وكان لهذا التوجه السلمي أثر هائل في نجاح الثورة، إذ لو كانت تورطت في العنف لانفض عنها كثير من أنصارها المتحضرين، ولأعطى هذا للنظام البوليسي فرصة ذهبية كي يمارس أقصى درجات عنفه الدموي، وكانت المعركة ستجري حينئذ على أرضه التي يعرفها جيدا.
 

"
تلاشت في ميدان التحرير القيم التي شهدها الشعب قبل الثورة من الفهلوة والانتهازية والأنانية والعنف والخضوع، ونشأ ما يُسمى بأخلاق الميدان أو الثورة
"

ولم يكن للثورة قائد محدد، ومع هذا كانت تتحرك بشكل متصاعد ومنتظم، وتلك كانت ميزة كبيرة، إذ لو قادها شخص واحد لاختلف الناس بشأنه، فأيده بعضهم وعارضه بعضهم، وربما لجأ النظام الفاسد حينها لتصفيته أو احتوائه أو تشويهه، لذلك كانت القيادة جماعية خفية عفوية يمثلها العقل الجمعي المصري الذي اتفق على التغيير، والحركة المؤكدة نحو هدف محدد.
 
وهكذا حدث تجاوز رائع للتفاصيل الصغيرة والخلافات، لأن العقل الجمعي المصري أيقن أن الأمر وصل إلى تهديد البقاء الحضاري، وبقاء الإنسان المصري ذاته أيا كانت انتماءاته الفكرية أو الدينية أو السياسية فخلق هذا حالة من التوحد توارت معها كل النزعات الطائفية والخلافات الأيديولوجية.
 
وتلاشت في ميدان التحرير القيم التي شهدها الشعب قبل الثورة من الفهلوة والانتهازية والأنانية والعنف والخضوع، ونشأ ما يُسمى بأخلاق الميدان أو الثورة، حيث الجدية والشجاعة والتكافل والتواصل والحوار الإيجابي والإيثار والتعفف والإصرار على تحقيق الهدف.
 
إبداعات الميدان 
كانت الثورة -إذن- حالة تفتح إبداعي على مستويات عدة أنشأت حالة من الجمال الإنساني الحضاري الذي يندر أن تراه في ثورات أخرى، كما يقول الكاتب، إذ "بدا المشهد الحضاري في ميدان التحرير واضحا في تنوع أنشطة المقيمين فيه، فهم يتظاهرون، ويتحاورون، ويُصلون ويرسمون ويغنون، ويشكلون لجانا للإعاشة والنظام والحماية، ويؤلفون الشعارات القوية، ويطلقون النكات، فيما عُرف بكوميديا الثورة.
 
وكانت أول مرة في تاريخ الثورات أن يقوم الثوار بتنظيف مكان ثورتهم، إذ انبهر العالم وهو يرى الثوار صبيحة اليوم التالي لرحيل مبارك يقومون ليس فقط بجمع القمامة من ميدان التحرير، وإنما غسله أيضا بالماء ليصبح نظيفا تماما.
 
وبعد نجاح الثورة في إسقاط رأس النظام لم تقم بعمليات تصفية انتقامية أو قتل أو ترويع للمناوئين لها، كما يحدث في أكثر الثورات، ولكن ضغطت الثورة لإحالة الرموز الفاسدة إلى الجهات القانونية، من أجل محاسبتها.
 
كيف تستمر العبقرية؟  
يأتي السؤال المهم: كيف تستمر الثورة المصرية حضارية وعبقرية؟ يجيب الكاتب بأن ذلك يتحقق حين يتعمق وعي قادة الثورة والشعب ككل بمكانة مصر الثقافية والحضارية، "وحين نعي أن الثورة وعي وسعي دائم ومستمر لا يتوقف عند تاريخ قيامها، أو سقوط النظام الفاسد، أو حتى تحقيق الأهداف الإجرائية المعلنة، لأن الثورة حركة نمو وتطور حضاري مثمر ومستمر".
 
وحين لا نختزل الثورة في أنها ثورة شباب، ولا نختزلها في المطالب السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، بل نراها ثورة شعبية شاملة، مطلبها إعادة البعث الحضاري لمصر سعيا لإثراء الحضارة الإنسانية بقيم راقية.
 
وحين تتحول الروح الثورية والوعي والزخم الثوريان إلى منظومات ومؤسسات حضارية تضع الشعب على الطريق الصحيح، وحين نتخلص من كل آثار الدولة البوليسية، ونرتب أحوالنا السياسية بشكل يحول دون تكون منظومات فرعونية جديدة، أو نشأة فرعون جديد.
 
"
تستمر الثورة المصرية حضارية حين يتعمق وعي قادة الثورة والشعب ككل بمكانة مصر الثقافية والحضارية، "وحين نعي أن الثورة وعي وسعي دائم ومستمر لا يتوقف عند تاريخ قيامها
"
وحين يكون نظامنا السياسي قائما على التعددية وتبادل السلطة واحتواء جميع طوائف الشعب دون إقصاء، أو استبعاد، وحين يصبح صندوق الانتخابات هو وسيلة التجديد والتغيير، وحين تكون للثورة قوة راشدة تحميها، وتُحيي مبادءها.
 
وحين تكون هناك خريطة قيمية إيجابية وضمير عام يقظ  يحرس مبادئ الثورة وحضاريتها من أي يد تعبث بها، وحين نواصل سعينا للتخلص من القيم السلبية وأخلاق العبيد التي أرساها ورسخها النظام السابق، وحين نستعيد صفات الأحرار من الإيجابية والشجاعة والتفكير النقدي الحر.
 
غاب عن الكتاب 
كان يمكن اختصار الكتاب في نصف مساحته دون إخلال بالمضمون، لأنه جاء مليئا بالحشو. كما غاب عنه الترابط المنهجي بين وحداته أحيانا بحكم أنه تجميع لمقالات الكاتب قبل وأثناء وبعد الثورة.
 
ولم يعمد الكاتب إلى نقل صور ذاتية كثيرة للشاب والمرأة والأسرة في ميدان التحرير على سبيل المثال، مع وضعها على جهاز التحليل النفسي، ومر مرورا سريعا على مظاهر عبقرية الثورة دون تعميق أو تأصيل.
 
وبينما استعرض سيناريوهات المستقبل المصري قبل الثورة دون أن يتطرق إلى سيناريو الثورة الشعبية الشاملة، غفل عن ذكر بعض التطورات التي جرحت عبقرية الثورة، وأنها أمام خيارين الآن هما: أن تتحول إلى هشيم تذروه الرياح، أو تصبح بنيانا يستعصي على الاندثار.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة