باسم الأب   
الاثنين 1427/1/28 هـ - الموافق 27/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:54 (مكة المكرمة)، 21:54 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
صدر هذا الكتاب باللغة العبرية على خلاف عادة زيسر الذي ينشر بالإنجليزية، وهو موجه ابتداء لصانع القرار الإسرائيلي والرأي العام الإسرائيلي.

ويؤكد على أن حكم بشار الأسد في سنواته الأولى يواصل سياسات أبيه، وأنه ما زال محاطا بالحرس القديم، ولم يبلور لنفسه أهدافاً ورؤى وجدول أعمال خاصة به، ولذلك لن يكون هناك تغيير حقيقي في طريقة إدارته، أو في الخطوط العامة للسياسة السورية في جميع المجالات.

- الكتاب: باسم الأب: بشار الأسد في السنوات الأولى للحكم
- المؤلف: أيال زيسر
- عدد الصفحات: 416
- الناشر: مركز دايان بجامعة تل أبيب، مكتبة مدبولي بالقاهرة
- الطبعة: الأولى/2005

سوريا بقيادة بشار الأسد
تحول الرئيس حافظ الأسد في العقد الأخير من حياته إلى "القائد المحتجب" أو "القائد الحاضر الغائب"، إذ كان يحكم سوريا بواسطة جماعة صغيرة من المقربين الموالين (الجماعة)، بالإضافة إلى عشيرته.

وشكلت هذه الجماعة حاجزا بين الرئيس وأمور الدولة العادية خاصة الهموم اليومية للمواطنين السوريين.

وجاءت وفاة الأسد قبل الأوان بالنسبة لابنه الشاب، ولكن بالنسبة إلى سوريا جاءت وفاته متأخرة كثيرا، إذ اتضح أن سوريا ضعفت اقتصاديا في الشرق الأوسط، وتعاني من عزلة سياسية، ولم تحقق أهدافها القومية وعلى رأسها استعادة هضبة الجولان، وأن الإنجاز الوحيد في فترة حكم الأسد كان سيطرة سوريا على لبنان.

ولكن من المؤكد أن سوريا بقيادة حافظ الأسد حققت استقرارا سياسيا زاد من مكانتها في العالم، وزاد من قوتها أيضا.

يعتبر الكثيرون أن صعود الأسد إلى السلطة عام 1970 كان نقطة انعطاف في تاريخ سوريا أدى إلى إنهاء الصراع عليها، صراع السيطرة على الدولة وعلى سياستها وهويتها.

وعمل خلال صعوده على تمثيل غالبية فئات الجمهور السوري في النظام لضمان تأييد مختلف القطاعات ولمنح الإحساس بالاستقرار للدولة، واتبع سياسة خارجية متشددة في حدود المعقول اعتمدت على القراءة الواقعية للواقع، فتميزت بالبراغماتية والاعتدال النسبي، إلا أن نظامه بدأ في التسعينيات يفقد بريقه.

ولم يعمل على تجديد أي شيء أو استيعاب ما يحدث في العالم، وكذلك الأمر بالنسبة للنخبة الحاكمة التي بقيت في غالبيتها دون تغيير منذ أواسط الثمانينيات، وأصبحت وجهات نظر النظام السوري خارجة عن سياق العالم، ولم يعد يمثل في مواقفه وسياسته المجتمع السوري.

والسياسة الخارجية أبقت سوريا في حالة عزلة واضحة في العالم مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وقد حاولت إدخال بعض التغييرات، ولكنها آثرت تطوير علاقتها بإيران على تطويرها مع الغرب.

وبذلت سوريا في التسعينيات جهودا سياسية واقتصادية لرفع مستوى حياة المواطن، إلا أن هذه الجهود لم تكن كافية للتغلب على التخلف المتراكم وعلى نقص التكنولوجيا والحاجة إلى القوة البشرية المدربة والمهنية.

والتقدم الذي تم تحقيقه لم يستطع مجاراة الطلب على الخدمات النابع من الازدياد السريع للسكان.

"
تم التركيز على جهود بشار لإدخال التحديث والانفتاح إلى سوريا، وتطوير المعرفة لاستخدام الكمبيوتر، وقدم على أنه نظيف اليد يصغي إلى تطلعات الجمهور المطالبة بخوض نضال دون هوادة ضد الفساد كي يتم تقبله
"
بشار الأسد
ولد بشار الأسد في 11 سبتمبر/ أيلول 1965 وهو الابن الثالث لحافظ وأنيسة الأسد، وقد سبقته أخته البكر بشرى من مواليد 1960، وباسل من مواليد 1962، وتربى في بيت سياسي بدولة سوريا.

وهو صاحب هوية وطنية سورية واضحة تفسر بأنه ورثها عن أمه التي تعتبر عائلتها "مخلوف" من المؤيدين لأنطوان سعادة مؤسس وزعيم الحزب السوري.

تعلم بشار في مدرسة الحرية مثل بقية إخوته، وهي مدرسة مشهورة ومحترمة وفي متناول الجميع، وعرف كطفل هادئ وخجول، بعكس أخيه باسل الذي عرف من بداية طريقه كزعيم منذ الولادة، وظهر إلى جانبه ماهر الذي وهب نشاطا وحيوية.

أنهى بشار دراسة طب العيون في جامعة دمشق عام 1988 بدرجة جيد جدا، واختص في طب العيون في المستشفى العسكري، وربما يكون توجهه إلى دراسة الطب بسبب ميل والده إلى هذه المهنة بالإضافة إلى حس النقد العالي لديه، وميله إلى تبني الأسلوب التحليلي العقلاني والعلمي المنظم في أي أمر يعمل به.

وصل بشار إلى لندن في نهاية العام 1992 حيث عمل في مستشفى بلندن، وكان الانطباع الذي تركه بأنه شاب مثقف، سريع الاستيعاب، مهذب ولطيف، مترو ومنغلق، بالإضافة إلى أنه كان متواضعا.

وخلال عمله في لندن كان تصرفه مضبوطا ومتوازنا، وقد أعطى للمرضى الإحساس بأنهم هم الشيء الوحيد الذي يهمه، ولم تكن حوله أي مظاهر من الرسميات، وقد عرفه المرضى مجرد شاب عادي صغير باسم بشار.

أما زوجته أسماء ابنة فواز الأخرس الطبيب في أمراض القلب من الطائفة السنية، فقد قابلها بشار حينما كان يدرس في لندن، وهي من مواليد 1975 في لندن.

لم تكن قضية الوراثة تشغل حافظ الأسد في السنوات الأول من حكمه، ولكن في العام 1983 في أعقاب النوبة القلبية التي ألمت به والصراع الذي وقع بين الأخوين حافظ ورفعت، اتجه حافظ الأسد إلى تنصيب ابنه باسل من بعده، ولكنه توفي في حادثة طريق عام 1994، فتوجه لنقل الخلافة إلى ابنه بشار.

كان الطريق أمام بشار طويلا كي يصبح وريثا مقبولا ومتفقا عليه، إذ تنقصه المعرفة والخبرة السياسية، وحتى شخصية الزعيم، ومن أجل ضمان ترشيحه كان على حافظ الأسد أن يبعد عن الساحة مرشحين محتملين آخرين، مثل شقيق الرئيس وقادة الجيش وكبار رؤساء الأجهزة الأمنية ورئيس الأركان حكمت الشهابي وعدد من الزعماء السياسيين وفي مقدمتهم نائب الرئيس عبد الحليم خدام.

وقد فرض على البعض التقاعد من خلال الاعتماد على قانون الخدمة العسكرية وقانون العاملين في الدولة، وخضع بشار للمسيرة العسكرية، وانخرط في إدارة الجيش والأجهزة الأمنية، كما تقدم سريعا في سلم الرتب، وعمل على إزالة الحواجز الممكنة من طريق بشار إلى القمة، وعمل الرئيس على تسويقه في وسائل الإعلام السورية.

وتم التركيز على جهوده لإدخال التحديث والانفتاح إلى سوريا، وتطوير المعرفة لاستخدام الكمبيوتر، وقدم على أنه نظيف اليد، يصغي إلى تطلعات الجمهور المطالبة بخوض نضال دون هوادة ضد الفساد، وتوجه إلى مجال العلاقات الخارجية، وفي العام 1998 أخذ بشار على عاتقه "الملف اللبناني".

"
بشار الأسد لم يقدم تصورا شاملا للطريق الذي يريد وضع سوريا عليه، وإنما أراد تطبيق سلسلة من الإجراءات التقنية في جوهرها، هدفها تطوير ما هو قائم
"
الاستيلاء على السلطة
أعلنت وفاة الأسد في 10 يونيو/ حزيران 2000، و من خلال تتبع عملية نقل السلطة إلى ابنه بشار، يبدو أن وفاته كانت متوقعة، وأن الاستعدادات لنقل الخلافة إلى بشار كانت قد رتبت من قبل، فأقر مجلس تعديل الدستور حيث صار على الرئيس أن يكون قد أتم الـ34 من عمره على الأقل، ليناسب عمر بشار، بدلا من 40 سنة كما كان من قبل.

ثم عين بشار قائدا للجيش وللقوات المسلحة، وفي 26 يونيو/ حزيران 2000 عقد مجلس الشعب اجتماعا له صادق فيه على ترشيح بشار للرئاسة، ثم عرض الترشيح للمصادقة عليه في استفتاء شعبي وحصل على تأييد 97.29% من أصوات المقترعين.

في 17 يوليو/ تموز أدى اليمين أمام مجلس الشعب، وقدم سياسته في خطاب أمام المجلس اختصر بشعار "التغيير في ظل الاستمرار والاستقرار".

لقد استلم بشار نظاما سلطويا كان يعتمد على شخصية الأسد الأب التي شكلت محور النظام وقوته، وقد كثر التساؤل حول الطريق الجديد الذي يريد بشار وضع سوريا عليه، واتضح أنه لا يتطلع إلى إحداث تغيير شامل، لكنه حاول أن يدخل بعض التغييرات والإصلاحات، وإن لم تنجح، ويبدو أنه يواجه معارضة من مراكز القوى القديمة.

وخلال الشهور الأولى من حكمه دفع بشار أفكاره بمساعدة الإصلاحات مع محاولة الالتفاف على الصدام بين المعسكرين، وامتنع عن الوقوف بشكل واضح إلى جانب أحدهما.

ولم يقدم تصورا شاملا للطريق الذي يريد وضع سوريا عليه، وأراد تطبيق سلسلة من الإجراءات التقنية في جوهرها، هدفها تطوير ما هو قائم.

بدأ بشار بعملية واسعة من التغييرات الشخصية في مختلف أجهزة النظام الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، ثم تغييرات واسعة في أوساط محرري الصحف ومديري أجهزة الإعلام في سوريا.

وأطلق سراح السجناء السياسيين، إلا أن السجون ما تزال تضم 800 سجين غالبيتهم من "الإخوان المسلمين".

وبدأ بتشجيع إصدار الصحف المستقلة، وكان من أوائلها "الدومري" ورئيس تحريرها رسام الكاريكاتير علي فرزات.

وأراد النظام توجيه قسم كبير من الغليان الذي شعر به في أوساط القطاعات المختلفة باتجاه الأطر السياسية المسموح لها بالعمل في الدولة، وهي أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، إذ شجعها على زيادة نشاطها وفتح لها فروعا في كافة أرجاء الدولة، وحتى إصدار الصحف.

وبدأ معسكر الإصلاح يشق طريقه، وبدأت عشرات المنتديات السياسية والثقافية تمارس نشاطها وكذلك المفكرون، وبدأ تقديم العرائض المطالبة بالإصلاحات السياسية، فأراد بشار أن يستفيد من الانفتاح السياسي إلا أنه فقد السيطرة على مجرياته فشكل النظام هجوما مضادا، حين أصبح عهد حافظ جزءا من التاريخ.

وكانت جماعات المنادين بالإصلاح منقسمة ومتشعبة، وواجهت صعوبة في التوصل إلى تطابق حول جدول الأعمال الذي طالبت به، وجاء أعضاؤها من خلفيات مختلفة مثل رياض سيف ومأمون الحمصي.

بعضهم كان من رجال الأعمال المعنيين بتطبيق الديمقراطية الغربية ونظام الاقتصاد الحر الذي كان سيخدم طبقتهم اقتصاديا وسياسيا، والبعض ينتمون إلى معسكر اليسار وهم ذوو ماض ماركسي منقطعون عن الواقع السوري، لكن نهاية الطريق لن تكون تجسيدا لرؤية الإصلاحيين، أي تحويل سوريا إلى دولة ديمقراطية على النمط الغربي، بل ربما تتجسد نبوءة الأوساط الإسلامية المتوقع أن تزداد حدتها في المستقبل القريب.

المجتمع والاقتصاد في ظل العولمة
"
معظم العاملين في سوريا من الحاجب حتى المدير العام مصنفون ضمن طبقة الكادحين الذين يتقاضون راتبا يؤمن بالكاد خبزهم
"
تعاني سوريا من ضائقة اقتصادية شديدة، ويخضع اقتصادها لسيطرة الحكومة، ويدار حسب مبادئ اشتراكية، ويوجد فيه قطاع عام كبير غير مجد، ويعاني من غياب القطاع البنكي الحديث والمتطور، ومن انتشار الرشوة لأداء الخدمة العامة، ويعاني من مشاكل البيروقراطية.

وتبين أن معظم العاملين في سوريا من الحاجب حتى المدير العام مصنفون ضمن طبقة الكادحين الذين يتقاضون راتبا يؤمن بالكاد خبزهم.

في ظل هذا الواقع الصعب اتخذ بشار خطوات أولية لدفع التغييرات والإصلاحات قدما وإن كانت محدودة لتحسين الوضع الاقتصادي، فقام بتعديل القوانين القديمة، مثل قانون الاستثمار، كما سمح باستيراد السيارات وأفلام السينما، وتم رفع رواتب المتقاعدين، وسنت قوانين لتطوير القطاع البنكي، وأدخل الإنترنت والهاتف النقال والستالايت.

السياسة الخارجية في عهد بشار
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سلكت سوريا مسارين متوازنين، تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، وتطوير علاقاتها مع إيران، وفي 1997 بدأت بتعزيز علاقاتها مع العراق، إلا أن علاقتها مع كل دول العالم كانت بشكل عام غير جيدة.

وفي مثل هذه الظروف، لم تعط الجهود السورية لتحسين العلاقات مع أميركا ثمارها، وقد ظهرت عزلة وضعف الإستراتيجية السورية الناجمة عن الصعوبة في اتخاذ قرار حول وجهتها في نهاية العام 1998.

وعندما تدهورت علاقاتها مع تركيا إلى درجة المواجهة العسكرية، وأنهيت الأزمة بخضوع سوريا الكامل لمطالب تركيا.

"
كان لغياب رؤية شاملة لموقع سوريا ودورها على الصعيدين الإقليمي والدولي دور في استدراج سوريا إلى سياسة متطرفة ومتناقضة أضرت بشبكة علاقاتها الخارجية ولم تفدها في شيء
"
ومع صعود بشار إلى السلطة عين لأول مرة في سوريا سفيرا في بيروت، وأكثر من زياراته إلى الدول العربية والأجنبية، فقد زار كل الدول العربية، وزار العراق أكثر من مرة.

وحاول البدء بصفحة جديدة من العلاقات بين بلاده والعالم الواسع، إلا أن الواقع وتراكم الماضي كان أقوى منه.

وكان لغياب رؤية شاملة لموقع سوريا ودورها على الصعيدين الإقليمي والدولي دور في استدراج سوريا إلى سياسة متطرفة ومتناقضة أضرت بشبكة علاقاتها الخارجية ولم تفدها في شيء.

وخلال العام الأول من حكم بشار حدثت أزمتان، هما انتفاضة الأقصى عام 2000، والحرب على الإرهاب التي أعلنت عنها الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، فزاد النقد الأميركي لسوريا، لأنها تقوي علاقاتها مع إيران والعراق وحزب الله وكوريا الشمالية، وفي أعقاب احتلال العراق من قبل أميركا تحول النقد إلى ضغط شديد.

العلاقة مع مصر سارت في جو من عدم الثقة والريبة المتبادلة، ولوحظت مصاعب في العلاقات مع السعودية والكويت ودول الخليج، وكانت علاقاتها مع السلطة الفلسطينية بين مد وجزر، وتميزت بالعداء والريبة، واستمرت في تقديم الدعم لمنظمات المقاومة الفلسطينية.

أما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول فقد بدأ عصر جديد في العلاقات السورية الأميركية أدى إلى التصادم، بدأت المواجهة عندما تطورت العلاقة بين دمشق وبغداد، وبدأ العراقيون بتصدير النفط إلى سوريا، والسبب الثاني كان دعمها للمنظمات المقاومة الفلسطينية، وتشجيع ودعم حزب الله، مع أن سوريا وقفت ضد أحداث سبتمبر/أيلول، وقدمت المساعدة إلى أميركا.

واستمرت أميركا في خط متشدد ضد سوريا، وقد كثر الحديث عن احتمال الإقدام على خطوة عسكرية، وطرح للنقاش في الكونغرس قانون "محاسبة سوريا" الذي شمل توسيع العقوبات المفروضة على سوريا بسبب تأييدها للمنظمات الإرهابية -من وجهة نظر أميركا، واستمرار وجود قواتها في لبنان.

كما شمل القانون حظر إقامة علاقة أكاديمية مع مؤسسات تعليمية وثقافية سورية، وحد من دخول المواطنين السوريين إلى أميركا ولو لغرض الدراسة والبحث العلمي.

وفي العام 2003 تمت الموافقة على القانون بأغلبية ساحقة وفي نفس العام وقع عليه بوش.

وتبنت سوريا موقفا يرفض الخطوات الأميركية في هجومها على العراق، لكنها تحت الضغط أغلقت حدودها مع العراق وقامت بتسليم مسؤولين كبار في النظام العراقي هربوا إلى أراضيها للولايات المتحدة، لكنها لم تغلق مكاتب المنظمات الفلسطينية كما طلب منها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة