عنف المستوطنين وأثره على الفلسطينيين   
الخميس 1436/2/26 هـ - الموافق 18/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)

عرض/ محمود الفطافطة
يتتبع كتاب "عنف المستوطنين وأثره على الفلسطينيين" انتهاكات المستوطنين بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، وما يمثله ذلك من تعد وانتهاك لحقوقهم، وإرباك لحياتهم على المستويات الفردية والجماعية.

كما يرصد أشكال هذا العنف ومواقع توزعه وتأثيراته على حياة ومعيشة وحقوق الفلسطينيين كالحرية في التنقل والتملك وفي البناء والتوسع، والحق في مستوى معيشة لائقة، فضلا عن التسبب في إعاقة وحرمانهم من الخدمات الصحية والتعليم وتوفير فرص العمل والتواصل الثقافي والاجتماعي، وما إلى ذلك من سلبيات على واقع الأطفال ومستقبلهم.

ويتكون الكتاب من عدة محاور يتطرق أولها إلى النشاط الاستعماري في الأراضي المحتلة عام 1967 والذي مر بثلاث مراحل: الأولى (1967-1977) نُفذت فيها "خطة ألون"، وتتلخص في ضم القدس وبناء شبكة مستعمرات على امتداد وادي الأردن. وبانتهاء هذه المرحلة كان هناك نحو ستة آلاف مستعمر في الضفة -فضلا عن القدس الشرقية- يعيشون في 28 مستعمرة زراعية.


-العنوان: عنف المستوطنين وأثره على الفلسطينيين
-المؤلف: نبيل الصالح
-عدد الصفحات: 58 صفحة
-الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"
-الطبعة: الأولى 2014

المرحلة الثانية استمرت حتى العام 1993، وهي الفترة التي شهدت صعود حزب الليكود إلى الحكم مع حكومة بيغن. وقد ترك شارون بصمته فيها، حيث تم التحول من الاستيطان الزراعي إلى الاستيطان المدني، وفيها زاد عدد المستوطنين إلى 112 ألفا يسكنون في 122 مستعمرة.

أما المرحلة الثالثة فهي مستمرة حتى اليوم، وأكثر ما يُميزها التمدد الداخلي عبر التوسع داخل المستوطنات، وهذا ما ضاعف عدد المستعمرين ومساحة الأراضي المصادرة.

ويبين المؤلف أن عدد المستوطنين يصل الآن إلى قرابة 650 ألفا، مؤكدا أنه رغم أن المساحة المبنية للمستعمرات لا تزيد عن 1% من المساحة الكلية، فإن مساحة الأراضي التابعة لمخططات تنظيم المستعمرات تتجاوز 42% من مساحة الضفة.

ويوضح أن ضرر المستوطنين يلحق بالدرجة الأولى بأصحاب الأراضي والمزارعين ويحرمهم من كسب قوتهم. كما أن إغلاق الطرق ومنع الوصول يمس بخيارات التطوير العمراني للفلسطينيين، ويقلل من إمكانيات الاستجمام والنقاهة في الطبيعة والاستفادة من موارد الأرض.

ويُعدد المؤلف أشكال العنف التي يقوم بها المستوطنون، ومن أبرزها: طرد المزارعين بالقوة من الأرض، وإطلاق النار، والتهديد بإطلاق النار والقتل، والضرب باللكمات وبأعقاب البنادق والمقابض والعصي، ورشق الحجارة، وإطلاق الكلاب، ومحاولات الدهس، وإتلاف المعدات الزراعية والمحاصيل، وسرقة المحاصيل، وقتل الحيوانات الأليفة وسرقة البهائم، وطلب بطاقات الهوية بدون صلاحية، وسرقة الوثائق.

ويذكر أن المستوطنين -وبمعاونة الجيش- يحرمون المزارعين من دخول أراضيهم في بعض المناطق، وأن كل من يرغب في الوصول إليها يضطر للتعامل مع منظومة بيرقراطية، واستيفاء مجموعة من الشروط كأن يثبت ملكيته لأرضه، والحصول من الإدارة المدنية المرة تلو الأخرى على مواعيد لدخولها. هذه السياسة أدت بكثير من المزارعين إلى عدم الرغبة في بلوغ أراضيهم وفلاحتها.

عدد المستوطنين يصل الآن إلى نحو 650 ألفا، ورغم أن المساحة المبنية للمستعمرات لا تزيد عن 1% من المساحة الكلية، فإن مساحة الأراضي التابعة لمخططات تنظيم المستعمرات تتجاوز 42% من مساحة الضفة

ومن الآليات المتبعة في تقييد حركة الفلسطينيين، إغلاق الشوارع والحرمان من استخدامها، مقابل إتاحتها للمستوطنين. ويُعد نظام الإغلاق هذا سببا رئيسيا للكارثة الإنسانية في الضفة لما يمثله من حيلولة دون الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وتبادل الزيارات بين الفلسطينيين، والتوجه إلى أماكن عملهم وعبادتهم وتسويق منتجاتهم.

يستعرض المؤلف العديد من الأشكال التي تعيق حركة وحرية الفلسطينيين مثل: نقاط التفتيش الدائمة والمتجولة، وحواجز الطرق التي تتكون من صفوف إسمنتية طولها متر، وبوابات حديدية، وسلسلة من حواجز ترابية، وخنادق، وحواجز ونظام محكم للتصاريح. هذا الأمر أدى إلى أن يضطر سكان أكثر من ستين تجمعا فلسطينيا يزيد تعدادهم عن 190 ألف نسمة، إلى سلوك طرق التفافية يتراوح مداها بين ضعفي أو خمسة أضعاف طول الطرق المباشرة المؤدية إلى أقرب المدن إليها.

ويوضح أن سياسة "الشوارع الممنوعة" ليست مقننة في التشريع العسكري الإسرائيلي ولا في أي وثيقة رسمية أخرى، باستثناء حظر السفر في شارع 433 الذي يربط منطقة الساحل مع شمالي القدس.

وينتقل المؤلف إلى الحديث عن سلب المستوطنين للمياه والاستيلاء على مياه الينابيع، مبينا أن مسحا أجري عام 2011 أظهر أن من بين 56 ينبوعا تقع في منطقة (ج) توجد 30 منها تحت السيطرة الكاملة للمستوطنين، ويؤدي هذا إلى تقليص دخل المزارعين، أو التوقف عن زراعة الأرض، أو الانخفاض في الإنتاج، وزيادة في النفقات بسبب الحاجة إلى شراء مياه أغلى سعرا.

كما يتطرق إلى إهمال وانعدام المصارف الصحية في المستوطنات وأثرها على البيئة وجودة المياه. وفي هذا الشأن يقول إنه على مدى أكثر من أربعين عاما من الاحتلال، لم تعمل إسرائيل على إقامة منشآت متطورة لتقنية المجاري في الأراضي المحتلة. ويضيف "تُنتج المستوطنات حوالي 18 مليون متر مربع من المجاري في السنة، وتفتقر معظمها إلى منشآت لتقنية المجاري، وفي بعضها لا تتم معالجتها مطلقا، ويتم التخلص منها في الوديان والجداول الفلسطينية".

ويشير إلى أن إسرائيل تستغل المجاري الفلسطينية التي تقطع مناطق فلسطين الداخل عبر معالجتها في أربع منشآت للتقنية، وبالتالي استعمال مياهها لري المساحات الزراعية وتأهيل الوديان داخل إسرائيل. ورغم هذا، فإن إسرائيل تجبي من السلطة الفلسطينية تكلفة إقامة المنشآت ومعالجة المجاري.

إلى ذلك، يناقش المؤلف عنف المستوطنين تجاه المواطنين الفلسطينيين، ليبين أن سنوات الثمانينيات وبداية التسعينيات شهدت مقتل 119 فلسطينيا -بينهم 23 طفلا- بأيدي المستوطنين، وأن الهدف من هذه الأعمال تخويف الفلسطينيين وإبعادهم عن أراضيهم للاستيلاء عليها.

ويرى أن الانتفاضة الثانية شكلت ذريعة إضافية لزيادة عنف المستوطنين، بحيث أعلن قادتهم منذ بدايتها أنهم سيأخذون زمام المبادرة ويستعملون القوة إذا لم ترق لهم طريقة الجيش في معالجة الأمور. وتبعا لذلك فقد شهد العام 2001 الكثير من العنف ضد الفلسطينيين كإطلاق النار، ورشق السيارات بالحجارة، وإلحاق الضرر بالممتلكات، وقطع الأشجار، وإحراق المساجد، والاعتداء على الطواقم الطبية والإعلامية وغير ذلك.

ويسرد الكتاب عمليات ما تُسمى "جباية الثمن" التي قام بها المستوطنون مطلع العام 2008، ويقول إنه في العام 2011 بلغت حوادث العنف 601 عملية، ويمثل هذا العدد زيادة بنسبة 39% على عدد الأعمال المشابهة عام 2010. كما يذكر أن عدد الذين يشتركون في اعتداءات "جباية الثمن" يتراوح ما بين عدة مئات وثلاثة آلاف مستوطن.

وبخصوص مواقع العنف، يوضح المؤلف أنه في الماضي كثرت الاعتداءات في جنوب الضفة وتحديدا في الخليل، بينما انتقلت في الآونة الأخيرة إلى الوسط لاسيما في رام الله، والشمال خصوصا في محافظة سلفيت.

ويرجع هذا التحول إلى أمرين: أولهما أن الاعتداءات تحدث عموما في موسم قطف الزيتون، حيث تتواجد 68% من الأراضي المزروعة في الشمال. والثاني أن للمستوطنين حرية واسعة في الاعتداء على قرى فلسطينية معزولة.

الانتفاضة الثانية شكلت ذريعة إضافية لزيادة عنف المستوطنين، إذ أعلن قادتهم منذ بدايتها أنهم سيأخذون زمام المبادرة ويستعملون القوة، إذا لم ترق لهم طريقة الجيش في معالجة الأمور

كما أن عنف المستوطنين امتد ليطال الأطفال عبر الاعتداء على المدارس والمنازل، وعمليات إطلاق النار والرشق بالحجارة والدهس والفرار. ومعظم هذه الاعتداءات تتم أثناء رعي الأطفال للماشية أو العمل في أرض العائلة، أو أثناء موسم قطف الزيتون.

وفي السياق ذاته يخصص المؤلف محورا مستقلا للحديث عن عنف المستوطنين في مدينة الخليل، حيث يقول إن هذا العنف أدى إلى تشريد ما يزيد عن 40% من قاطني البيوت في منطقة (إتش1) والمقدرة بيوتها بأكثر من ألف منزل. ويبين أن هذه المنطقة يقطنها نحو 40 ألف فلسطيني يعيشون بجوار 500 مستوطن يقطنون في أربع مستوطنات ويحميهم أكثر من 1500 جندي، فضلا عن أن الجيش يقيم ما يزيد عن 120 عائقا ماديا تفصل المنطقة عن بقية المدينة.

وفيما يتعلق بتدخل إسرائيل (الحكومة، الجيش، والقضاء) في الحد من عنف المستوطنين، يؤكد المؤلف أن السلطات المسؤولة عن تطبيق القانون لا تفعل ما يلزم من أجل القضاء على ظاهرة عنف المستوطنين وتطبيق القانون على المخالفين، بل تنضم إلى المستوطنين وتغلق الطرق، فضلا عن طرد الجنود بصورة دائمة للمزارعين من أرضهم وبوجود المستوطنين.

وللتدليل على ذلك يوضح أنه بين عامي 2005 و2014 تابعت مؤسسة حقوقية إسرائيلية 1045 شكوى تقدم بها فلسطينيون، منها 92% من الملفات أغلقت دون العثور على المعتدي.

ويتحدث المؤلف عن وجود سياسة ممنهجة تتبعها الحكومة الإسرائيلية في حماية المستوطنين، ويبرز هذا في رفض نتنياهو توصية تقدم بها وزيرا الأمن الداخلي والعدل، وتنص على اعتبار مجموعة "شبيبة التلال" المنفذة لعمليات "جباية الثمن" مجموعة إرهابية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة