الغضب الإسلامي.. تفكيك العنف   
الأحد 1428/9/5 هـ - الموافق 16/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)
عرض/ سامر رشواني
ساهمت الأدبيات المتكاثرة حول ظاهرة العنف -بسبب من السيولة اللفظية والنظرة الاختزالية والنزعة الأيدولوجية والخلط المفاهيمي- في تعميق الجهل بهذه الظاهرة، وفي جعلها مستعصية على الفهم والتفسير.
 
في هذا السياق تأتي دراسة معتز الخطيب "الغضب الإسلامي.. تفكيك العنف" لتقدم مراجعة نقدية لعدد من المفاهيم الإشكالية التي سادت هذا الحقل، فضلا عن الأنماط والنماذج التفسيرية التي تم بحثها.

والدراسة تقوم على منهج تحليلي يرى المفاهيم المستخدمة في هذا الحقل (العنف، الجهاد، الإرهاب) ذات بنية معقدة مركبة من أبعاد ثلاثة: تاريخي واجتماعي وفكري، وأنه يتعذر فهم ظاهرة العنف الإسلامي عبر تفسيرات أحادية الرؤية.
 

-الكتاب: الغضب الإسلامي.. تفكيك العنف
-المؤلف: معتز الخطيب
-الصفحات: 204
-الناشر: دار الفكر, دمشق
-الطبعة: الأولى 2007

"الجهاد".. التباسات المفهوم ومأزق التطبيق

في الشطر الأول من الكتاب حاول المؤلف أن يفكك ظاهرة العنف السياسي الإسلامي عبر إعادة النظر في مفهومين أساسيين: الجهاد والعنف، وتبيين حدود الوصل والفصل بينهما.
فالجهاد كما قرره النص الشرعي ذو دلالات ثلاث اهتم الفقهاء منها بدلالة واحدة هي "قتال العدو ومحاربته"، ولكن الجهاد لا يساوي "الحرب" بالمعنى المطلق، بل هو حرب ذات مواصفات خاصة من حيث الهدف والممارسة والنتائج.
 
فممارسة الجهاد محكومة بالمبادئ من حيث الأصل، أما الحرب فإنها محكومة بالمصالح. وبالنظر إلى أن الحرب فعل عنفي، فإن الجهاد يرتبط أيضا بمفهوم العنف، لكنه ليس ذلك العنف المجرد، بل المقيد بحدود ومبادئ وغايات مثالية معينة.

ولكن كثيرا ما يلتبس مفهوم الجهاد بالعنف، إذ عادة ما تلجأ حركات العنف إلى استعمال مصطلح "الجهاد" المشبع بالرمزية الدينية والمشروعية الأخلاقية.
 
والسبب في ذلك -كما يرى المؤلف- لا يرجع فقط إلى التوظيف أو الاستثمار الواعي من قِبَلها، وإنما إلى خلط على المستوى المفهومي سببه اعتبارات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الفقهية مع البيئة الاجتماعية والسياسية.
 
في هذا السياق يؤكد المؤلف أنه بقدر ما يعكس استخدام حركات العنف السياسي المنتسبة إلى الإسلام لمفهوم "الجهاد" انتقائيةً في استثمار التراث الفقهي، فإنه يعكس من جهة أخرى "مأزق الجهاد" في العالم المعاصر. ففي ظل التغيرات الكبيرة التي طرأت على مفهوم الدولة بزوال الخلافة وغياب الإمام، وتمزق "دار الإسلام" إلى دول قطرية تعتمد في غالبيتها العظمى النمطَ العلماني في الحكم وتتحرك كل منها وفق مصلحتها القطرية، فضلا عن ظهور القانون الدولي وقيوده.
 
في ظل هذه التطورات أين يجد "الجهاد" نسقه الذي يتحقق فيه؟ وكيف يتحقق حين تنفصل إرادة السياسي عن إرادة الفقيه؟ وكيف يمكن تجاوز مشكلة الحدود القطرية، والتسلح غير التقليدي الذي أصبح حكراً على الدول وحسب؟ ثم مَن له الحق في إعلان الجهاد أو إنهائه في غيبة الإمام؟

"
بقدر ما يعكس استخدام حركات العنف السياسي المنتسبة إلى الإسلام لمفهوم الجهاد انتقائية في استثمار التراث الفقهي، فإنه يعكس من جهة أخرى مأزق الجهاد في العالم المعاصر
"
لعل أبرز تجسيد لهذا المأزق الفقهي الذي يعاني منه مفهوم "الجهاد" هو فتاوى الجهاد في العراق، وقد لاحظ المؤلف -ببراعة- أن هذه الفتاوى قد صيغت بمنطق القرون الوسطى، متجاهلة كل المتغيرات الحديثة التي طرأت على مفهوم الدولة ونظام الحرب.
 
فهي لا تحدد صفات المكلفين بالجهاد "العيني"، كما لا توضح مَن المكلف بتنظيم هذا الجهاد ولا كيف سينظمه؟ كما لا تبين كيف سيتجاوز المكلفون عوائق الحدود؟ كما تتجاهل طبيعة الحرب الحديثة التي أصبحت تدار بأعتى وسائل التقنية المتطورة، وهي أدوات تحتكرها الدول على نحو أساسي!
 
بعبارة أخرى: إنها فتاوى تخاطب جماهير عاجزة في وقت يحتم عليها أن تخاطب القادة والحكام القادرين وحدَهم بما يمتلكونه من جيوش نظامية وعتاد متكدس على تفعيل مفهوم الجهاد وتحقيق غاياته في رد العدوان.. إنها باختصار بيانات لتبرئة الذمة وتهدئة نفوس الأمة، ولا تمتلك أي قابلية تطبيقية واقعية.

لهذا كله يدعو المؤلف إلى إعادة النظر في مفهوم الجهاد وصوره ووسائله، وكذلك تجديد النظر فيمن يقرره ويدعو إليه، وكيف يمكن أن يطبق مع وجود الجيوش النظامية، وكذلك فيمن له الحق في الإفتاء في مسائل الجهاد.

وواقع الأمر أننا قد شهدنا ردتي فعل مختلفتين على هذا المأزق: إحداهما توسلت بالعنف والثورة على النظام الحديث برمته مجتمعا ودولة وقانونا دوليا, لتفرض -على نحو مستقل- قوانينها للحرب والجهاد.
 
أما الثانية فقد سعت عبر ما أسمته "جهادا مدنيا" إلى استثمار الممكن والمتاح في ظل النظام الحديث وعبر ممارسة لاعنفية، من أجل تحقيق مصالح المسلمين وغاياتهم في الحرية والعدل والأمن والتنمية.

وقد اتخذ المؤلف من هذين التيارين موفقا نقديا صارما، مؤكدا فشلهما في معالجة مأزق "الجهاد". أما جماعات العنف السياسي فقد خلطت بين العنف والجهاد، ذلك أن الجهاد يتعلق أساسا بالشأن العام ويجمع السياسي إلى الديني، كما يتميز بوضوح هدفه ووسائله والتزامه بأحكام الشرع ومكارم الأخلاق قبل القتال وأثناءه وبعده.

أما العنف كما تقوم به هذه الجماعات المنتسبة إلى الإسلام، فينقصه الوضوح في الرؤية ويتسم بقصور الأهداف وخطأ الوسائل ومخالفة الضوابط الشرعية، فهو اجتهاد جماعات معزولة تخالف جمهور الأمة في قضايا الأمة وليس قضايا الأفراد.
 
وقد اتخذ المؤلف من تنظيم القاعدة وممارساته دليلا أساسيا على القصور الفاحش في فهم الجهاد ومقاصده في الإسلام، وعلى الفشل الذريع الذي مني به العنف الذي مارسه والذي أدى إلى مزيد من الظلم والاضطهاد للمسلمين، ومزيد من الاقتطاع لأراضيهم وثرواتهم, فضلا عن مآسٍ أخرى فصَّل المؤلف فيها القول.

ولكن معالجة العنف لا يمكن أن تتم -في نظر المؤلف- إلا عبر إصلاحين: إصلاح سياسي يجعل الدولة تقوم بوظائفها وتكتسب شرعيتها بالاستناد إلى الأمة ومصالحها، لا إلى نخبة متحكمة ومصالح فئوية، وإصلاح ديني فكري يتم فيه تفكيك فقه العنف ورسم علاقة سوية مع العالم، وتحرير المرجعية من قبضة الدولة.

"
المؤلف اتخذ  من تنظيم القاعدة وممارساته دليلا أساسيا على القصور الفاحش في فهم الجهاد ومقاصده في الإسلام، وعلى الفشل الذريع الذي مني به العنف الذي مارسه والذي أدى إلى مزيد من الظلم والاضطهاد للمسلمين
"
ولكن هذا الإصلاح لا يتحقق أيضا عبر "الجهاد المدني" الذي ينادي به دعاة اللاعنف، فهو نتاج متغيرات العلاقة مع الدولة التي فشلت في تحقيق النهضة والتنمية، كما فشلت في مواجهة التحدي الأجنبي على مختلف الصعد.
 
إنه صيغة أخرى "للخروج" على الدولة -بعيدا عن المواجهة العنفية التي أثبتت فشلها- ساحته التنمية وتحرير المؤسسات وبنى المجتمع، وغايته استعادة سلطان الأمة وحاكمية الشريعة.
والمؤلف لا يعارض هذه الصيغة من العمل من حيث المبدأ، ولكنه يرى أنها ساهمت في تشظي مفهوم "الجهاد" واختزاله وتعويمه, ليصبح "الجهاد المدني" (وما تبعه من سيولة لفظية: الجهاد الإعلامي، والجهاد الإلكتروني، والجهاد الثقافي..) ميدانا للباحثين عن مضمون لهويتهم, وتسلية لنفوس التائقين للجهاد وتقصر هممهم دونه.

لقد أحكم المؤلف الخناق على مفهوم "الجهاد" فلا هو وافق على تمرد الحركات العنفية على المنظومة الحديثة والقيود التي فرضتها على "الجهاد"، ولا هو قَبِل "بالتأويلات" أو الخيارات التي طرحها دعاة "الجهاد المدني" بحثا عن مساحة للعمل والإصلاح والمشاركة السياسية والمقاومة تكون مشحونة بالرمزية الدينية "للجهاد".
 
أما الاقتراح الذي قدمه وهو الإصلاح السياسي من جهة الدولة، فهو -في واقع الأمر- المأزق عينه والمشكلة نفسها التي عجزت مختلف التيارات عن تخطيها, أعني ممانعة الأنظمة للإصلاح والمشاركة السياسية.
 
النماذج التفسيرية الغربية "للإرهاب" الإسلامي
في القسم الثاني من كتابه ينتقل المؤلف لرصد التصورات والتفسيرات الغربية لظاهرة العنف (أو الإرهاب: المصطلح الغامض المحبب لدى الغربيين) التي ارتبطت بالإسلام، وتحليلها والكشف عن الأسباب الكامنة وراء عجزها عن إدراك كنه هذه الظاهرة أو معالجتها.

فتناول بداية التفسير الديني الذي يلقي باللوم -في نشوء الإرهاب- على الإسلام كديانة تشكل مرجعية الإرهابيين وخطابهم الذي ينضح بهذه المرجعية وبقاموسها الديني العقائدي.
 
يقوم هذا التفسير على اجتزاء آيات معينة من القرآن، أو انتقاء أحداث محددة من التاريخ.. لإثبات العدوانية الجوهرية في الإسلام كدين.
 
"
التفسير الديني الغربي لظاهرة العنف يلقي باللوم على الإسلام كديانة تشكل مرجعية الإرهابيين, وهو يقوم على اجتزاء آيات معينة من القرآن أو انتقاء أحداث محددة من التاريخ لإثبات العدوانية الجوهرية في الإسلام كدين 
"
وهذا التفسير -كما يوضح المؤلف- لا يفسر شيئا، فهذه الآيات والأحداث المنتقاة موجودة منذ قرون طويلة.. فما السبب الكامن وراء ظهور مشكلة الإرهاب الإسلامي في العصر الحديث بالذات؟ وعند طوائف من المسلمين دون غيرهم؟

عرض المؤلف بعد ذلك للتفسير الثقافي الذي يعزو ظهور الإرهاب أو "الجهاد الإرهابي" كما سماه توري مونتي إلى انزعاج ثقافي عميق وانهيار شامل في الهوية في العالم الإسلامي.
 
إنه تعبير عن حالة الغضب والخيبة والاستعصاء على تقبل قيم الحداثة والديمقراطية، وهذا الاستعصاء مرده المميزات الأساسية للإسلام: كراهية التفكير العقلاني، وأولوية العقيدة على الاقتناع، وأولوية المجتمع على الفرد، والتداخل بين الأملاك العامة والخاصة والدنيوية والروحية.
 
فبرنارد لويس مثلا يرى أن الإرهاب الإسلامي يُفسر بكونه موقفا عصابيا حادا إزاء حداثة مستحيلة تقتضي في العمق الانفصال عن المرجعية الإسلامية، وهذه قضية خلافية جدا في الغرب نفسه، وقد هاجمها الكثيرون، بل إن بعضهم (أوليفيه روا) يرى أن الإرهاب آت من الغرب بالأساس.
 
بل إن جون غراي يرى في تنظيم القاعدة تنظيما حداثيا ونتاجا متميزا لحقبة ما بعد التنوير، حيث إن جميع الحركات والأيدولوجيات تعتقد بأن الإنسانية قابلة للتغيير، وتعتنق عقيدة التقدم.
ورغم هذا النقد الداخلي في الغرب لمثل هذا النمط من التفسير فإن المشاريع الأميركية استندت إليها في بناء إستراتيجيتها للإصلاح الديني والثقافي في الشرق الأوسط، ودعواتها لتحديث الإسلام، والإسلام الليبرالي وإصلاح التعليم الديني.

وليس بعيدا عن هذا النموذج التفسيري "التوظيف الإستراتيجي" (وليس التفسير الإستراتيجي كما أسماه المؤلف على نحو غير موفق) لظاهرة العنف السياسي الإسلامي في التأكيد على مصداقية نظرية "صدام الحضارات" كقدر حتمي لا مفر منه، في ظل الاختلاف الجوهري الذي لا فكاك منه بين الإسلام والغرب المسيحي.. اختلاف مرده رفض الثقافة الإسلامية للقيم والأفكار الغربية القائمة على الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها.
 
ورغم ظهور أدبيات كثيرة تفند هذه النظرية وترفض الرؤية الجوهرانية الأحادية للغرب وللإسلام، فإن كثيرا من دوائر الفعل السياسي في الغرب لم تكف عن محاولة استثمار "الإرهاب الإسلامي" في إعادة رسم إستراتيجيتها وسياساتها في مناطق العالم الإسلامي المختلفة وفق هذه الرؤية الصدامية.

"
كثير من دوائر الفعل السياسي في الغرب لم تكف عن محاولة استثمار الإرهاب الإسلامي في إعادة رسم إستراتيجيتها وسياساتها في مناطق العالم الإسلامي المختلفة وفق الرؤية الصدامية
"
يأتي بعد ذلك التفسير السياسي الذي يرى أن مسبب الإرهاب الوحيد هو المعاناة السياسية والظلم، والغرب هو المتهم الأول بدءا من الاستعمار، ثم تعويق مشاريع التنمية والنهوض السياسي والاقتصادي، واستغلال ثروات المنطقة لتعزيز نموه الخاص.. وفي قلب ذلك كله تأتي فلسطين الذي يبدو الغرب مسؤولا على نحو مباشر عن معاناة أهلها وإذلالهم منذ عقود طويلة.

إضافة إلى هذه النماذج التفسيرية يتحدث المؤلف عن التفسير الفلسفي للإرهاب، وهو تفسير شارك فيه بعض فلاسفة ما بعد الحداثة مثل: جان بودريار وجاك دريدا، فالإرهاب -كما يرى بودريار- الذي استهدف مركز التجارة العالمي هو تحدٍ رمزي (وليس فعلا تدميريا عبثيا كما صور الكثير من المحللين) لا أخلاقي يرد على عولمة هي الأخرى لا أخلاقية، وأنه انعكاس لحقيقة أن العولمة تخوض صراعا مع ذاتها.
 
وعلى الفيلسوف -كما يقرر دريدا- أن يبحث عن نسق جديد للمعايير من أجل أن يميز بين الفهم والتبرير إزاء أحداث الإرهاب.

لقد عكست هذه النماذج التفسيرية المتضاربة -بنظر المؤلف- اضطرابا جليا في فهم الغربيين للظاهرة الإسلامية، وخاصة الإرهاب. ومرد هذا الاضطراب أمور أربعة: التوظيف السياسي والأيدولوجي للمفاهيم (الإرهاب مثلا) والعبث بها، واحتكار القيم والمعايير الأخلاقية، والنظر الظاهري البراني (الخارجي) للظاهرة من غير ما تفهم لمكوناتها الداخلية وبنيتها المفهومية ونظامها الفكري، وتجاهل السياق وتعقيداته.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة