هل من مسألة قبطية في مصر؟   
الأحد 19/3/1433 هـ - الموافق 12/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:13 (مكة المكرمة)، 12:13 (غرينتش)
عرض/نور الهدى غولي
 
يؤكّد المفكر عزمي بشارة وجود حالة تشي بخطورة حادّة بمصر من خلال تعامل الدولة إلى غاية الآن مع الأقباط على أنّهم "أقلية يمارس معهم التسامح"، كاشفا عن تاريخ حافل بالإقصاء والتغييب لمثل هذه الكينونة الأصيلة في المجتمع المصري على امتداد التاريخ ابتداء من زمن محمد علي باشا وانتهاء بأيام حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك والحكومة الحالية.
 
وينبه إلى أنه ملف حقيقي وليس مجرد "تآمر أجنبي أو تحريض إسلامي، ولا هو محض نتاج انعزالية تتبعها المؤسسة الكنسية.."، وسيكون على مصر ما بعد الثورة التعامل معه بكل جدية.
 
بهذا يفتح المفكر بشارة ملفا شائكا عبر آخر مؤلفاته "هل من مسألة قبطية في مصر" وهو عبارة عن دراسة تقييم لحالة راهنة شغلت ولا تزال الرأي العام في مصر والوطن العربي والعالم كله نظرا لتشعب الموضوع ومساسه بشريحة هامة يتم إعطاؤها "توصيفا أيديولوجيا ينّم عن موقف لا عن تقسيم مواطني".
 
-الكتاب: "هل من مسألة قبطية في مصر"
-المؤلف: الدكتور عزمي بشارة
-عدد الصفحات: 78
-الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, الدوحة
-الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
- الطبعة الأولى: الدوحة/بيروت 2012
أقباط وكرونولوجيا
لم يكن هناك من مجال لتجاوز سببين يصفهما الدكتور عزمي بشارة بأنهما تطوران مهمان، وهما تصاعد حالة الشعور بالغبن الطائفي لدى الأقباط، والتحولات الجديدة التي يمكن أن تصيغها الثورة المصرية، ساردا كشفا بانوراميا لأحداث مفصلية، من بينها احتجاجات الأقباط خلال النصف الثاني من عام 2010، وحادث تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية مطلع عام 2011، وأيضا حادث هدم كنيسة الشهيدين في قرية صول في مارس/آذار 2011 وما تلاها من مظاهرات واحتجاجات أسفرت عن قتلى وجرحى.. ولم يفوّت المفكر الإشارة إلى عدم سيطرة الكنيسة على هذا المشهد الاحتجاجي على اعتبار أنّ المتظاهرين لم يأتوا للتظاهر "وراء كاهن بل مطالبين بأن يكون القبطي مواطن درجة أولى".
 
واستكمالا للمعالم المتبقية للدراسة، كشف صاحب رواية "الحاجز" عن تاريخ الأقباط في مصر ابتداء من عهد محمد علي باشا الذي عمل على إزالة "معظم المظاهر التي كانت تؤكد تمييز الأقباط وتمايزهم"، وما تلاه من وضع اتسّم بالتحسّن الملحوظ في عهد الخديوي إسماعيل "من خلال الزيادة العددية والارتقاء العمودي في سلم وظائف الدولة"، مسجلا أيضا حالة "التناقضات المتعددة" التي غلبت على حقبة جمال عبد الناصر نظرا "لبروز متغيرين رئيسيين تناقضا -أيديولوجيا ومصلحيا- مع النظام القائم في فترة ما بعد ثورة يوليو 1952،  هما الثورة الاشتراكية والمد الإسلامي من خلال جماعة الإخوان المسلمين، وتغلغلهما في مؤسسات الدولة عامة والجيش خاصة".
 
وقد عمد أنور السادات لاحقا إلى التخلص الكلي من الإرث الناصري فكرس التيار الديني "الأصولي" لضرب التيار الناصري واليساري. مما جعل أقباط مصر الحلقة الأضعف مرة أخرى، فعاشوا حالة "اغتراب"، قبل أن يشهد الوضع بعض الانفراج في عهد مبارك.
 
السياقات الاقتصادية
وفي باب ثان معنون بـ"خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية" عرض بشارة سيرورة الأقباط الحياتية في شقّها الهام من الحياة، مشيرا إلى أن وجودهم لا يقتصر على مهن محددة دون غيرها، مذكرا بالرد الذي جابهت به الحكومة المصرية في 2008 تقرير منظمة العفو الدولية، الذي أشار إلى حالة التميز والاضطهاد التي يعاني منها الأقباط، حيث ردت بـ"أنّ الأقباط يمتلكون ما يزيد على ثلث الثروة القومية، مع أنّ نسبتهم 10 بالمائة من مجموع السكان..".
 
كما استعرض بشارة عددا من الإحصائيات التي أشارت إليها تقارير اقتصادية غير رسمية، بالإضافة إلى "تقرير مجلة "فوربس" الذي كشف أنّ ثلاثة من المصريين الأقباط أُدرجوا في قائمة أغنى أثرياء العالم، علاوة على عشرة آخرين في المنطقة العربية". وهي في مجموعها إحصائيات طالها الكثير من الشكوك، ليضيف المفكر حكما آخر في القضية على اعتبار أنّ "تحديد نسب ملكية جماعات سكانية للثروة القومية هي عملية منافية لتعريف الثروة القومية، ولأيّ فهم علمي للاقتصاد بشكل عام، بالإضافة إلى كون هذا الفصل معاد لمفهوم الأمة والمواطنة".
 
"
يبدو تخبط سياسة الدولة في الشأن الطائفي, في أنها مرّة تخالف القانون لإرضاء الأقباط كما حدث في واقعة "وفاء قسطنطين", ومرة تتخاذل عن حماية الأقباط كما حدث في واقعة الاعتداء على الكنيسة في الإسكندرية
"
مصادر الغبن
ليس من المنطق في شيء تقديم عرض شامل لوضع يكاد يكون إشكاليا، من دون ذكر أهم مسبباته، أو على ما يتكئ عليه هذا الوضع الشائك وما هي مصادره الحقيقية، ولهذا لم يفوت المفكر صاحب كتاب "المجتمع المدني" خطوة تحديد معالم ما سماه "مصادر متنوعة للشكوى من الغبن"، ساردا مآخذ بعض القوى الاجتماعية والسياسية القطبة على النظام التعليمي، كتجاهل مناهج التعليم لحقبة طويلة من التاريخ القبطي، وإلغاء الديانة المسيحية من مقررات المدارس، في حين أنها تتوفر في الوقت نفسه على نصوص قرآنية وأحاديث شريفة، وإن كانت هذه الانتقادات ظهرت في الآونة الأخيرة بسبب أجواء التوتر الطائفي.
 
بالإضافة إلى إشارة تلك القوى إلى فكرة التمييز في مدة التجنيد العسكري بين حفظة القرآن الكريم وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، حتى ولو كانوا حافظين لكتبهم المقدسة..
هناك أيضا عامل تضييق الحكومة المصرية على بناء الكنائس وترميمها، ورغم بعض التسهيلات القانونية في عهد مبارك القاضية بمسؤولية الإدارة الهندسية في المراكز والمدن عن ترميم دور العبادة كلها، مساجدَ كانت أو كنائسَ، فإن احتجاجات ومطالب الأقباط سرّعت في إصدار مبدأ قانوني جديد في 2010 "ينص على عدم الرجوع إلى أي جهة من جهات الإدارة أو حتى أمن الدولة والأجهزة المحلية قبل مباشرة أعمال الترميم". وهو ما لم يحدث بسبب ازدواجية وتفريق الدولة في التعامل مع المواطنين.
 
وتبقى أكثر النقاط حساسية هي موضوع الأقباط والمواطنة، "وتخبط سياسة الدولة فيما يخص الشأن الطائفي، فمرّة يخالف القانون لإرضاء الأقباط كما حدث في واقعة "وفاء قسطنطين".. ومرة يتخاذل النظام عن حماية الأقباط كما حدث في واقعة الاعتداء على الكنيسة في الإسكندرية".
 
وترتبط كل هذه السياقات التي لملمتها دراسة المفكر بشارة بالجانب القانوني ومسائل الأحوال الشخصية التي خصص لها حيزا معتبرا بين أوراق هذا العمل، كتأريخ سريع من سنة 1516 حين اعتُبر "المسيحيون العرب جزءا من رعايا الدولة العثمانية التي عاملتهم وفق نظام الملّة المستنبطة قواعده من أحكام الشريعة الإسلامية".
 
الدين والمعارك الزائدة
لم يخف الدكتور بشارة هامشا تفاؤليا بشأن وضع الأقباط في مصر ما بعد الثورة، معتبرا اللحظة الزمانية الراهنة "فرصة تاريخية للإخوان المسلمين وغيرهم للمراجعة وتوضيح مبادئهم في مثل هذه المسائل المدنية"، خاصة مع انتشار اقتناعات واسعة اليوم بتحقق دور قريب لهم (الإخوان) مع التحول المدني الديمقراطي في مصر، مثلما هي فرصة للأقباط أيضا لمراجعة موقفهم من الإخوان.
 
"
اللحظة الزمانية الراهنة فرصة تاريخية للإخوان المسلمين وغيرهم للمراجعة وتوضيح مبادئهم في المسألة القبطية, مثلما هي فرصة للأقباط أيضا لمراجعة موقفهم من الإخوان

"
وقد انتقد بشارة انصراف المجتمع عن مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية وغيرها على اعتبار أنها هي التحديات الحقيقية، إلى الاهتمام بما سماه "المعارك الزائدة"، لكل تلك المشاحنات التي ترتكز على الاختلافات الطائفية وتمارس تقسيم الناس وخلق التوتر بينهم.

يعرج بشارة في جانب آخر على موضوع الجدل القائم في الدول العربية حول فكرة "المواءمة في التطبيق بين مبادئ الشريعة الإسلامية، ومبادئ المواطنة الحديثة"، منتقدا فكرة منع غير المسلم من تولّي الرئاسة بحجة أن الغالبية المسلمة في البلد لا يمكن أن تقترع لمصلحة رئاسة غير المسلم، معقبا على هذا الموضوع بأنه دليل على "عدم فهم الديمقراطية وأسس المواطنة الصحيحة..".
 
ويخلص بشارة إلى ضرورة المعالجة الجدية لمثل هذا الموضوع الحساس، القائمة على النية الحقيقية لا على الادعاء.. خاصة أنه يعتبر أن القضية القبطية الراهنة ملف "مركب من قضايا ذات علاقة بهوية الدولة.. ".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة