حكم أميركا   
الأحد 1427/4/1 هـ - الموافق 30/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:13 (مكة المكرمة)، 7:13 (غرينتش)

عرض/علاء بيومي
الكتاب يحاول الإجابة عن سؤال على أعلى قدر من الأهمية هو "من يحكم أميركا؟"، وذلك من خلال منهج يترفع عن التفاصيل ويحاول تسليط الضوء على الصورة الكبرى من خلال تتبع خصائص النخب الأميركية وتطورها على مدى التاريخ الأميركي.

ويجمع الكتاب بين صفحاته ثمانية أبحاث رئيسية يغطي كل منها النخب الأميركية خلال فترة تاريخية معينة ابتداء من نشأة أميركا حتى الوقت الراهن.

كما يتضمن الكتاب مقدمة وخاتمة - بأقلام محرريه - تحاولان تفسير الخصائص المشتركة للنخب الأميركية.

- العنوان: حكم أميركا
- المؤلفان: ستيف فارسر وجاري غرستيل
- عدد الصفحات: 384
- الناشر: هارفرد ينفيرستي برس
- الطبعة: الأولى/2005

ضد نظرية المؤامرة
في مقدمة الكتاب يتحدث محرراه -ستيف فارسر المحرر والكاتب الأميركي وجاري جرستيل أستاذ التاريخ بجامعة ميرلاند الأميركية – عن ندرة الدراسات الأميركية التي تتحدث عن دور النخب في التأثير على سياسة أميركا.

ويقولان إن ذلك يرجع لعدة أسباب رئيسية من بينها تأكيد الثقافة الشعبية الأميركية على مفاهيم معينة مثل تساوي الأميركيين، وسهولة الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي داخل المجتمع الأميركي، وطبيعة المجتمع كبوتقة صهر كبيرة تذوب فيها الأعراق والثقافات والطبقات.

كما دفعت الحرب الباردة الأميركيين إلى رفض الاشتراكية وتركيزها على الصراع الطبقي داخل المجتمعات، أضف إلى ذلك دور النخب الأميركية في نبذ الحديث عن نفوذها وسطوتها داخل المجتمع.

ونتيجة للعوامل السابقة يرى محررا الدراسة أن الحديث عن دور النخب الأميركية قد ينظر إليه باستهجان على أنه انخراط في نظرية المؤامرة أو على أنه محاولة لإثارة الصراع الطبقي داخل أميركا.

وفي المقابل يرى المحرران أن التاريخ الأميركي يؤكد وجود النخب ودورها المحوري، كما يؤكدان أن منهج كتابهما بعيد كل البعد عن نظرية المؤامرة.

وهنا يشير المحرران إلى أن الكتاب يتحدث في الأساس عن دور النخب الاقتصادية التي سعت لاستغلال ثرواتها سياسيا من خلال تحويل تلك الثروات إلى نفوذ سياسي وعلاقات شخصية تؤثر على صناع القرار داخل الولايات المتحدة، ويؤكدان أن التاريخ الأميركي عرف تلك النخب ورصد شبكات علاقتها ونفوذها.

ويشير المحرران إلى أن الكتاب لا ينظر إلى تلك النخب على أنها نخب صماء ذات نفوذ لا يقهر وشبكة علاقات لا تخترق، بل يرى أن تاريخ النخب الأميركية يثبت أن تلك النخب قابلة للتغيير بسبب عوامل مختلفة من بينها الصراعات الداخلية، وتردي أوضاع أبناء العائلات الثرية التي تفشل في الحفاظ على ثرواتها، وتغير التكنولوجيا وأساليب الإنتاج مما يؤدي لصعود نخب جديدة وهبوط نخب قائمة لم تستطع التكيف مع التغيير.

هذا إضافة إلى تدخل الدولة الأميركية في بعض الفترات التاريخية للحد من نفوذ بعض النخب كما حدث في فترة الكساد الكبير الذي شهدته أميركا في الثلاثينيات.

لذا يقسم المحرران التاريخ الأميركي إلى ثلاث مراحل شهدت كل منها صعود نخب أميركية متميزة، المرحلة الأولى هي مرحلة قيام الدولة الأميركية التي شهدت صعود دور ونفوذ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.

والمرحلة الثانية هي المرحلة التالية للحرب الأهلية الأميركية التي شهدت هزيمة النخب الانفصالية وإخضاعها لسلطة الدولة.

أما المرحلة الثالثة فقد تلت الكساد الكبير وشهدت تدخل الدولة لعلاج مشاكل الاقتصاد الأميركي والحد من نفوذ النخب الأميركية الثرية التي قادت إليه.

كما يؤكد المحرران أن النخب الأميركية تعرف كيف تتكيف وكيف تحاول تغيير نفسها تفاديا لثورة الجماهير، وكيف تنظم الثورات المضادة أحيانا للرد على الثورات الجماهيرية والشعبية كما حدث في العقود الثلاثة الأخيرة.

"
النخب الأميركية تعرف كيف تتكيف وكيف تحاول تغيير نفسها تفاديا لثورة الجماهير، وكيف تنظم الثورات المضادة أحيانا للرد على الثورات الجماهيرية والشعبية
"
الجذور التاريخية للنخب الأميركية الحاكمة
لو حاولنا العودة تاريخيا إلى الوراء – مستفيدين من الكتاب – للبحث في جذور النخب الأميركية الحاكمة حاليا لكان مفيدا لنا أن نبدأ بأواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

تركز فصول الكتاب من الرابع حتى السابع على تلك المرحلة التي شهدت تبلور نخبة أميركية تعيش في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة وخاصة في مدينة نيويورك التي تحولت إلى المركز المالي بأميركا وفي مدينة بوسطن والمدن الشمالية الصناعية.

كما شهدت تلك الفترة نمو مساعي تلك النخب إلى التأثير على العاصمة الأميركية واشنطن بعد أن بدأت الأخيرة تتمتع بقدر متزايد من النفوذ والسلطة داخل أميركا بعدما كان يستخف بها في الماضي.

وتتحدث فصول الكتاب عن أسر أميركية معينة مثل أسرة جي بي مورجان التي كونت ثرواتها من مجال البنوك والإقراض، وأسرة روكفلر العاملة في مجال النفط، وأسرة كارنيجي العاملة في مجال التعدين.

وهذه الأسر جميعها أسر صناعية مالية تمركزت في الشمال الشرقي للولايات المتحدة، في مقابل نخب الجنوب والغرب الإقطاعية والاستعبادية الأقل حظا من الثروة والنفوذ في ذلك الحين.

وتشير فصول الكتاب إلى أن أسر تلك النخبة تزاوجت فيما بينها، وبنت نواديها الخاصة، ومولت الجامعات الكبرى مثل هارفرد وبرينستون ويال ومن بعدها كولومبيا وتركزت فيها.

كما رفضت تلك النخب البيضاء الأنجلو-بروتستانتينية أن يدخل اليهود والسود والكاثوليك والفقراء نواديها، وتعاملت باستعلاء مع المجتمع في أواخر القرن التاسع عشر، ولكنها شعرت في نفس الوقت بالخوف من الجماهير وبعدم الأمان النابع من تفشي الأخلاق المظهرية والسلبية وعدم الكفاءة داخلها.

لذا سعت تلك النخب لإنشاء مدارس خاصة لتعليم أولادها تتميز بالقواعد الأكاديمية والأخلاقية الصارمة، كما بحثت عن ثقافة جديدة تقوم على الرجولة والقوة الجسمانية وتناسق الجسد ورشاقته وعلى حدة الفكر وقوة القرار والشخصية.

فنموذج تلك النخب الأخلاقي المثالي هو نموذج السياسي أو الثري المحنك الذي يتمتع بقدر عال من العلم والذكاء والحكمة والكفاءة، ويتمتع في الوقت نفسه بقوة جسمانية لا تخلو من عصبية وحماس وعدم التردد في منازلة خصومه بالأيدي إذا تطلب الأمر.

لذا يرى مؤلفو فصول الكتاب أن هذه الثقافة لم تخل من نزعة خارجية إمبريالية، خاصة مع انتشار مشاعر الاستعلاء العرقي والفكري والثقافي وسط أبناء تلك النخبة لدرجة أشعرتهم بأن من واجبهم حكم الآخرين.

في نفس الوقت يشير الكتاب إلى أن تغير التكنولوجيا هدد تلك النخب باستمرار خاصة مع صعود فئات متعلمة فقيرة تمتعت بدرجة عالية من الكفاءة والقدرة العالية على الإدارة وهي قدرات افتقرت إليها النخب الحاكمة.

لذا سعت تلك النخب إلى تطعيم أنفسها بالمديرين والمهنيين الجدد، كما سعت لبناء المؤسسات الخيرية لكي ترعى مشاريع تخدم المجتمع وتخفف من مشاعر الأميركيين المعادين للنخب نظرا لاستعلائها وبذخها المشين وتدخلها العنيف لقمع الحركات العمالية المطالبة بحقوقها.

"
جذور النخبة الأميركية الحالية تعود إلى المرحلة التالية لفترة الكساد الكبير التي شهدت تدخل الدولة للحد من نفوذ نخب الشمال الشرقي الصناعية والمالية التي قادت تصرفاتها الأنانية إلى الكساد الكبير
"
من يحكم أميركا الآن؟
يقودنا هذا إلى الحديث عن بداية تبلور النخب التي تحكم أميركا في يومنا هذا كما يحددها مايكل ليند -الباحث بمركز نيو أميركان فاونديشين بواشنطن- في الفصل الأخير من الكتاب، حيث يقول إن جذور النخبة الأميركية الحالية تعود إلى المرحلة التالية لفترة الكساد الكبير التي شهدت تدخل الدولة للحد من نفوذ نخب الشمال الشرقي الصناعية والمالية التي قادت تصرفاتها الأنانية إلى الكساد الكبير.

وقد تدخلت الدولة من خلال برامج حكومية كبرى لإعادة توزيع الثروة داخل المجتمع الأميركي عن طريق نشر الصناعة والتصنيع في الجنوب والغرب الأميركيين، وهي برامج عرفت باسم "العهد الجديد".

ولكي تنجح برامج "العهد الجديد" احتاجت الحكومة الأميركية -تحت قيادة الرئيس فرانكلين روزفلت- إلى بناء تحالف جديد من النخب الأميركية لمواجهة تحالف نخب الشمال الشرقي.

وقد تكون التحالف الجديد من نخب شمالية تقدمية معنية بالحقوق المدنية ومعارضة لأنانية نخب الشمال الشرقي التقليدية، ومن نخب جنوبية وغربية أميركية رجعية رافضة لإنهاء نظام العبودية فعليا رغم القوانين والسياسات التي تناهضه، ولكنها في نفس الوقت تريد إنهاء سيطرة الشمال الشرقي الليبرالي على مقاليد الصناعة والبنوك.

وكان روزفلت يأمل أن تؤدي سياسات "العهد الجديد" إلى تحجيم نفوذ الشمال الصناعي وإلى تغيير ثقافة الجنوب والغرب الأميركيين، إذ توقع أن يؤدي انتشار الصناعة في الجنوب الأميركي إلى تقوية الأفارقة الأميركيين وتغيير ثقافة الجنوب الرجعية القائمة على رفض حقوق الأقليات والمهاجرين وعلى التشدد الديني والثقافي.

ولكن ما حدث لم يكن في الحسبان، إذ أدت سياسات "العهد الجديد" بعد مرور عقود إلى توزيع الصناعات والثروة بنشرها في الجنوب الذي أصبح أكثر ثراء ولكنه حافظ على ثقافته الرجعية ولم يغير من موقفه ضد الأفارقة الأميركيين.

وقد هرب هؤلاء إلى الشمال في ظروف صعبة متجمعين في المدن الكبيرة التي تدهورت ظروفها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بسبب نزوح أعداد كبيرة من أفارقة الجنوب المشردين إليها وتجمعهم في أحياء غلب عليها الفقر والبطالة والجريمة.

وقد أدى هذا بدوره إلى نزوح بيض المدن الكبرى إلى الضواحي والمناطق الريفية ومن ثم إلى مدن الجنوب، وبهذا حدث تغير ديمغرافي ضخم نما باستمرار خلال العقود الأخيرة وساعد على إعادة توزيع الثروة والنفوذ السياسي داخل أميركا.

يقول ليند إن عقد الستينيات شهد نهاية التحالف بين نخب "العهد الجديد"، إذ ساندت النخب التقدمية ثورة الحقوق المدنية وبقيت في الحزب الديمقراطي، أما نخب الجنوب وولايات الوسط الغربي فقد عارضت ثورة الحقوق المدنية وثقافة اليسار الجديد فتركت الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري، حيث أخذت معها ثرواتها التي حققتها منذ الثلاثينيات.

"
التحالف الجديد سيطرت عليه داخليا ثقافة الجنوب التي تميل إلى التركيز على الصراعات العرقية والإثنية والدينية، إضافة إلى نزعة تلك الثقافة المعادية للأفكار والمثقفين، وإلى ميل تلك الثقافة إلى التحزب والصراع
"
وساعدت حرب فيتنام على تراجع سيطرة نخب الشمال الشرقي على السياسة الخارجية الأميركية، وهي نخب مالت إلى النظر إلى أوروبا على أنها محل اهتمام سياسة أميركا الخارجية الرئيسي.

وعلى المستوى الاقتصادي شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تراجع أهمية الاقتصاد الصناعي في مقابل اقتصاد الخدمات داخل أميركا بشكل أضعف الحركة العمالية ومنظماتها، وأصبحت الكنائس هي فعلا أكبر مراكز تجمع الشعب الأميركي.

ويقول ليند إن تحالفا جديدا بين نخب الجنوب وولايات الغرب والوسط الأميركي من ناحية وقيادات الجماعات الدينية المسيحية من ناحية أخرى بدأ في الظهور منذ أوائل السبعينيات.

وانضم الحزب الجمهوري في عهد ريغان بقوة إلى هذا التحالف، الذي وجد في المحافظين الجدد حليفا قويا على ساحة السياسة الخارجية بسبب نشاطهم الفكري والإعلامي.

ويرى ليند أن التحالف الجديد سيطرت عليه داخليا ثقافة الجنوب التي تميل إلى التركيز على الصراعات العرقية والإثنية والدينية، إضافة إلى نزعة تلك الثقافة المعادية للأفكار والمثقفين، وإلى ميل تلك الثقافة إلى التحزب والصراع، وبفعل تحالف النخبة الجديد أصحبت ثقافة الجنوب الثقافة السياسية السائدة في أميركا.

أما الديمقراطيون فقد مالوا في المقابل إلى التأثير على الجامعات والمثقفين حيث حققوا نجاحا كبيرا، ولكنهم فقدوا تواصلهم مع حاجات الطبقة الأميركية العاملة والفقيرة.

كما أنهم سعوا لبناء تحالف نخبوي جديد يتكون من البيض التقدميين والأقليات والمهاجرين، وهو تحالف لن يؤتي ثماره السياسية لعقود لأسباب ديمغرافية –تتعلق بقلة عدد المهاجرين وبضعف نفوذ الأقليات– كما يرى ليند.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة