الطوفان الرقمي   
الثلاثاء 1435/11/16 هـ - الموافق 9/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:17 (مكة المكرمة)، 13:17 (غرينتش)


عرض/ياسر غريب
يزعم هال، وهاري، وكين، وهم ثلاثة من المتخصصين البارزين في مجال التكنولوجيا، أن أسطورة بروميثيوس الذي سرق نار زيوس ليجلبها من جبال الأولمب إلى الأرض مع الفنون التي تفيد الحضارة، تدور حول التكنولوجيا.

فالتكنولوجيا هي النار، وهي لا يُحكم عليها بأنها خير أو شر، لأن قيمتها تعتمد على كيفية استخدامنا لها، وما إن نبدأ في استخدامها حتى يتغير المجتمع نفسه، ولا يعود كما كان أبدا.

ووفقا للسياسي الأميركي والأكاديمي المتخصص في تكنولوجيا المعلومات "آن مرجليز"، فإن كتاب "الطوفان الرقمي" لهؤلاء الثلاثة، يعرض وجهة نظر مُتَفَرِّدة في طرافتها وغِناها بالمعلومات من جانب أعظم العقول في صناعة الحوسبة. فهو كتاب رائع ومفيد يساعدنا بطريقة جديدة تماما على فهم الحاسوب وتأثيره على العالم. كما أنه كتاب نادر يبين تأثير الانفجار الرقمي بطريقة سهلة يفهمها الجميع، وفي الوقت نفسه يستحث الخبراء على التفكير بأساليبَ جديدةٍ.

-العنوان: الطوفان الرقمي "كيف يؤثر على حياتنا وحريتنا وسعادتنا"
-المؤلفون: هال أبلسون، هاري لويس، كين ليدين
-ترجمة: أشرف عامر
-مراجعة: محمد فتحي خضر
-الناشر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة
-سنة النشر: 2014

بينما يقول المؤلفون "بعد فراغك من قراءة هذا الكتاب، سترى العالم بنظرة مختلفة، ستسمع قصة وقعت لصديق أو في نشرة الأخبار وتقول لنفسك: هذه فعلا قصة عن Bits "البِتات"، أي أرقام الصفر والواحد التي تتألف منها جميع محادثاتنا الهاتفية، وحساباتنا المصرفية، وكل شيء آخر يُنْقَل أو يُخزَّن باستخدام الإلكترونيات الحديثة. نعم، ستقول ذلك، حتى وإن لم تتضمن كلمة واحدة عن العالم الرقمي".

الشكل والمضمون
يقع الكتاب في ثمانية فصول غير المقدمة والخاتمة، ففصل "الانفجار الرقمي" يحدثنا عن ماهية هذا الانفجار وآلية عمله. بينما يناقش فصلُ "التعري في وضح النهار" مسألة الخصوصية. ويكشف الفصل الثالث "أشباح داخل جهازك" عن أسرار ومفاجآت حول الوثائق الإلكترونية. كما يجيب فصل "إبر في كومة القش" عن السؤال: كيف أصبحت شركة غوغل وغيرها من السماسرة الكبار في بازار البِتات.

ويشرح فصل "البتات السرية" كيف صارت الشفرات مستعصية على الفك؟ كما يطرح فصل "فقدان التوازن: مَنْ يملك البِتات؟" مشكلة الجرائم الإلكترونية وآفاق العدالة الإلكترونية. وجاء الفصل السابع "لا يمكنك أن تقول ذلك على شبكة الإنترنت" ليلقي الضوء على ممارساتنا الإلكترونية وسلوكياتنا التي نتهم بسببها التكنولوجيا. ثم جاء الفصل الثامن "حين تطير البِتات في الهواء" ليقارن التشبيهات القديمة بالتكنولوجيات الجديدة ومشكلة حرية التعبير.

وتقوم بنية الكتاب في قالب مشوق للغاية، حيث يتخذ من عشرات القصص الحياتية المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة مدخلا واقعيا لفهم قضية ثورة تكنولوجيا المعلومات وإشكالاتها المختلفة والمعقدة.

انفجار "البتات"
ويعالج المؤلفون قضية: كيف تغير وجه العالم بغتة؟ فكل شيء تقريبا مسجل على جهاز حاسوب يقبع في مكان ما من هذا العالم، وهذا يشمل سجلات المحاكم، وما اشتريتَه من البقالة، وصور عائلتك التي تعتز بها، والبرامج الإذاعية غير الهادفة.. إلخ.

وإذا كانت أجهزة الحاسوب تحتوي اليوم على الكثير مما نعدُّه لا طائل منه، فإن هناك من يظن أنه في يوم من الأيام ستصير له قيمة، وكل هذا يُختزَل في تلك اللغة الرقمية التي لا تعرف إلا عنصريْن اثنيْن: الصفر والواحد. وذلك الكم الهائل من البِتات مكدس على أقراص أجهزة الحاسوب المنزلية، وفي مراكز بيانات الشركات الكبرى والوكالات الحكومية، ولتلك الأقراص سعة هائلة تغنينا عن انتقاء ما علينا تذكره.

وكل يوم تزداد أجهزة الحاسوب قدرة على استخلاص المعاني من كل هذا الركام الهائل، فنجدها تستخرج أنماطا تعين الشرطة في بعض الأحيان على حل الجرائم، وتقدم اقتراحاتٍ مثمرة، وتكشف أحيانا عن أشياء لم يَدُرْ بخَلَدِنا يوما أن يكتشفها الآخرون.

تقوم بنية الكتاب في قالب مشوق للغاية، حيث يتخذ من عشرات القصص الحياتية المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة مدخلا واقعيا لفهم قضية ثورة تكنولوجيا المعلومات وإشكالاتها المختلفة والمعقدة

وسواء سارت بنا تقنية المعلومات نحو الأفضل أو الأسوأ، فإن هذه التقنيات تفتح أمامنا طرقا جديدة مبتكرة للتفكير والاستدلال والإبداع والتعبير والجدال وإيجاد الحلول الوسط والتعليم والتعلم، فهي تربط الناس عبر الفضاء المادي سواء في صورة أزواج أو مجموعات، وهي توسع مدى ما تبلغه أصواتنا وآذاننا، وهي أيضا تضخم قدرتنا على تخويف الآخرين ومضايقتهم وكرههم، وأن ننتحل شخصياتٍ لنخدع الآخرين، وهي تمكننا من كسب المال وإنفاقه دون أن ننتقل من مكاننا، بل وتمكن اللصوص أيضا من سرقة أموال الآخرين وهم في منازلهم.

قصص رقمية
من العسير جدا اختصار هذا الكتاب المهم المكتظ بالمعلومات والقصص المثيرة المرتبطة بالتكنولوجيا ومدى تأثيرها في الحياة، بصورة لم تكن موجودة منذ أعوام قليلة.

يروي الكتاب عشرات القصص الرقمية، من بينها مثلا قصة مأساوية لسيدة أميركية انحرفت سيارتها عام 2007 عن الطريق لتسقط في واد شديد الانحدار، حيث ظلت ثمانية أيام حبيسة، رأسا على عقب، في حُطامِ سيارتِها، في حالة يرثى لها.. لكن لحسن الطالع، عثر عليها المنقذون بعد طول بحث، نظرا لاحتفاظ شركات الهاتف المحمول بسجلات لمواقع المكالمات الهاتفية.

فحين تحمل هاتفك المحمول، فإنه يرسل بانتظام أوامر "اختبار اتصال" رقمي، وهو عبارة عن بِتات معدودة تحمل رسالة فحواها "أنا هنا!" وتتولى أبراج الهواتف المحمولة القريبة التقاط تلك الأوامر، وتُرسلها إلى شركة خدمة المحمول التي تتعامل معها.. إلخ!

أو كقصة أخرى، وقعت عام ٢٠٠٨ حين استقال حاكم نيويورك بسبب فضيحة جنسية، وكان العالم الرقمي يقف وراء افتضاح أمره، حيث توجب قواعد مكافحة غسل الأموال على البنوك أن تبلّغ الجهات الرقابية الفيدرالية عن أي معاملات تتجاوز عشرة آلاف دولار، وقد حرص الحاكم على أن لا تتجاوز مدفوعاته الوهمية هذا الحد القانوني، لكن حاسوب مصرفه وجد أن سلسلة مدفوعاته الصغيرة تشكل نمطا يثير الريبة.

وإذ سنَّت الحكومة الأميركية قواعد مكافحة غسل الأموال لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، فإنه أثناء مراقبة الحاسوب للعمليات المصرفية الصغيرة بحثا عن دليل على وقوع جرائم كبرى وقف الحاسوب على مبلغ خرج من الحساب المصرفي للرجل مقابل خدمات تلقاها، فكان ذلك هو الذي أوقع بذلك الحاكم.

الخصوصية الضائعة
ومن أهم ما يعالجه الكتاب من قضايا، تلك التي تتعلق بالخصوصية. فمن قبيل المفارقة أن تصبح فكرة الخصوصية أكثر ضبابية في الوقت ذاته الذي تحظى فيه تكنولوجيا التشفير التي تعزز السرية بانتشار واسع.

حين تحمل هاتفك المحمول، فإنه يرسل بانتظام أوامر "اختبار اتصال" رقمي، وهو عبارة عن بِتات معدودة تحمل رسالة فحواها "أنا هنا!" وتتولى أبراج الهواتف المحمولة القريبة التقاط تلك الأوامر، وتُرسلها إلى شركة خدمة المحمول التي تتعامل معها

لقد صارت كثير من أجهزة الاتصالات أرخص وأفضل وأصغر حجما، وما إن صارت تلك الأجهزة مفيدة للمستهلك حتى صرنا لا نُلقي بالا إلى استخدامها أجهزة للمراقبة. وفي ظل حرص الشركات على كسب المال وسعي الحكومات لحماية المواطنين، نجد صوت المدافعين عن الحريات المدنية ضعيفا وهم يحذّرون من أننا قد لا نريد أن يعرف الآخرون الكثير عنا.

ويؤكد المؤلفون أننا جميعا في العالم الرقمي نخلِّف بصماتٍ وآثارا إلكترونية، وهي آثارُ بياناتٍ نخلفها وراءنا عمدا أو بيانات لا ندري عنها شيئا ولا نشعر بها. قد تكون البيانات التي تكشف هُوِّية صاحبها مفيدة لأغراض الطب الشرعي، ولأن معظمنا لا يرى نفسه مجرما، فإننا لا نميل إلى أن يثير ذلك قلقنا. لكن ما لم يخطر ببالنا هو أن الآثار الرقمية التي نترك منها شيئا هنا أو هناك قد يستفيد منها شخص آخر، فربما يريد استخدام البيانات التي خلفناها ليكسب من ورائها مالا، أو يحصل على شيء منا، ولذلك لا بد لنا من أن نفهم: كيف؟ وأين نخلف وراءنا تلك البصمات والآثار الرقمية؟

يقول الكتاب: إن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، وعلينا جميعا أفرادا ومجتمعاتٍ أن نحدد كيف نعيش في هذا العالم المتغير الذي يعج بالإمكانيات الجديدة، لا شك أن علينا أن نحذر الجواسيس واللصوص، لكن علينا أيضا أن ننظر فيمن يتولون حمايتنا ومساعدتنا، كما علينا أيضا أن نلقي نظرة فاحصة على صورتنا في المرآة.

وأخيرا، يتساءل المؤلفون عن حجم التغييرات التي سيشهدها المجتمع بسبب تكنولوجيا المعلومات، خلال عقد أو عقدين، عندما يصير الانفجار الرقمي الحالي قوة لا يمكن تصورها؟

بطبيعة الحال، لا أحد يدري الإجابة، لكن إذا ظلت الأمور تتغير كتغيرها اليوم فمن المحتمل أن تحدث تغييرات جذرية في ثلاثة جوانب مميزة من الثقافة الإنسانية: إحساسنا بالهويَّة الشخصية والخصوصية، وقدرتنا على ممارسة حرية التعبير، والإبداع الذي يدفع عجلة التقدم البشري.

ثم يختم الكتاب: لم تنتهِ ثورة البِتات بعد، فنحن في منتصفها، ولا ندري أستأتي بالخسارة أم بالإنارة؟! ربما تفوتنا سريعا فرصة تحديد من الذي سيسيطر على تلك الثورة، فالبِتات لا تزال ظاهرة جديدة، وهي مورد طبيعي جديد لا تزال هياكله التنظيمية والملكية المؤسسية فيه متاحة للجميع.

وتُتَّخذ اليوم القرارات القانونية والاقتصادية، ليس فقط فيما يتعلق بالبِتات، لكن فيما يتعلق بكل ما يعتمد على البِتات، وهذه القرارات هي التي ستحدد معالم حياة ذُريتنا من بعدنا، وسيتشكل مستقبل البشرية في ضوء الطريقة التي ستضيء بها البِتات هذا العالم أو تشوهه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة