العرب وأميركا اللاتينية.. الهجرة والثورة   
الجمعة 1433/10/20 هـ - الموافق 7/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:01 (مكة المكرمة)، 11:01 (غرينتش)

عرض/حسين عبد العزيز

يتضمن الكتاب خمس قضايا جوهرية: الأولى، المسار الثوري للعرب في أميركا اللاتينية ومساهمتهم في الثورات التي عرفتها، والثانية: الإرهاب ذو التوجّه الإسلامي الراديكالي في أميركا اللاتينية ومساهمته في تكريس الإسلاموفوبيا، الثالثة: التجربة الثورية الأميركية اللاتينية ومدى إمكانية الاستفادة منها في الوطن العربي، الرابعة: موقف الحكومات والتنظيمات السياسية المعارضة في أميركا اللاتينية من الثورات التي أفرزها الربيع العربي.

العرب في كوبا
خلال عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، شجعت السلطات الاستعمارية مجيء المهاجرين من إسبانيا وجزر الكناري إلى كوبا، وفي هذه المرحلة حل مهاجرون آسيويون، قدم معظمهم من الشرق الأوسط.
-الكتاب: العرب وأميركا اللاتينية.. الهجرة والثورة
-تحرير: عبد الواحد أكمير
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
-الطبعة الأولى : 2012
-الصفحات : 398

لم يكن المهاجرون العرب في هذه المرحلة بأهمية أولئك الذين هاجروا إلى كوبا خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ذلك لأنهم اتخذوا من كوبا محطة انتقال إلى المكسيك والولايات المتحدة، حيث لم تكن في نهاية القرن العشرين منطقة إغراء اقتصادي للمهاجرين العرب.

ورغم ذلك، تقدم سجلات الهجرة الكوبية معطيات عن ثمانية عرب من أصل عشرات حلوا في ميناء العاصمة هافانا بين 1869 و1900، منهم يوسف جبور وأنطون فرح وحنا منصور ويوسف سلامة وغيرهم.

وبعد التحريات التي قام بها مؤلف هذا الكتاب حول الأصول الجغرافية للمهاجرين العرب الأوائل، تبين أن أغلب المهاجرين العرب كانوا موارنة من لبنان، ومن بيت لحم في فلسطين، ومن صافيتا وحمص في سوريا.

بعد استقلال كوبا بداية القرن العشرين، ساهمت التشجيعات التي قدمتها الحكومة للمهاجرين في زيادة نسبة العرب. وقد فضل العرب الاستقرار في المدن خصوصا في الأحياء القريبة من المراكز التجارية، مع بعض الحالات القليلة التي تواجدوا فيها في القرى التي تزدهر فيها زراعة قصب السكر وتربية المواشي.

عمل المهاجرون العرب باعة متجولين يعرضون للبيع منتجات تجارية قليلة الأهمية، وكان بعضهم يقتني الأقمشة بأسعار منخفضة، وبما أن بعضهم كان له معرفة بالخياطة فقد بدؤوا بخياطة الملابس التي كانوا يطرقون المنازل بيتا بيتا لبيعها.

وقد ساعد النشاط التجاري العرب على الاندماج في المجتمع الكوبي، لأنه سمح لهم بإقامة علاقات مع زبائن هم أحيانا من ذوي الجاه والنفوذ، ونعثر -والكلام للمؤلف- منذ خمسينيات القرن العشرين على نخبة عربية مسيحية ضمن البرجوازية الكبيرة في كوبا.

وكانت هذه النخبة تتشكل من كبار التجار ورجال الصناعة، وأصحاب محلات المجوهرات ومالكي مصانع النسيج والإسمنت والخشب ومستوردي معدات الكهرباء، وفي نهاية العقد نفسه كان بعض هؤلاء يتربع على قمة الهرم الاجتماعي.

دور العرب في الثورات الأميركية اللاتينية
ساهمت مجموعة عوامل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى في انتشار الوعي السياسي في أميركا اللاتينية، وفي خلق الجو المناسب لظهور الحركات الثورية، ومن بين هذه العوامل الثورة الجامعية التي انطلقت في الأرجنتين وامتدت إلى دول القارة، ونشوء طبقة وسطى متعلمة حاولت أن تؤدي دورا أكبر في الحياة السياسية، وفي تأسيس الأحزاب.

وقد اندلعت أهم الثورات في غواتيمالا والإكوادور وبوليفيا وكوبا ونيكاراغوا. وإلى جانب الثورات التي نجحت في تغيير نظام الحكم، وفرض أنظمة ثورية، ظهرت حركات ثورية لم ترق إلى مستوى الثورة.

في الأرجنتين ارتبط العمل الثوري للعرب بالبيرونية بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالجنرال بيرون عام 1955 حيث دخلت البلاد في مرحلة الفوضى

1) ثوريون عرب في أميركا الجنوبية
ساهم المتحدرون من أصول عربية في الثورة المجيدة التي اندلعت في الإكوادور عام 1944 التي أجبرت الدكتاتور كارلوس أرويو على التنحي، وتشكيل لجنة ثورية حكومية بعد ذلك لتسيير شؤون البلاد، عينت خوليو ثيودورو سالم المتحدر من أصل لبناني رئيسا مؤقتا للجمهورية، كما عين بيدرو سعد -وهو من أصل لبناني أيضا- في لجنة صياغة الدستور، حيث كان يجمع بين النشاط النقابي والحزبي، وهو مؤسس كونفدرالية عمال الإكوادور.

لا يختلف مسار خوان لاشين، أبرز ثوري عربي في تاريخ بوليفيا، عن مسار بيدرو سعد، فقد جمع هو الآخر بين العمل النقابي والحزبي، وأسس عام 1944 الفدرالية النقابية لعمال مناجم بوليفيا، وقد وجدت الفئات المحرومة في خطاب النقابة الثوري ترجمة فعلية لتطلعاتها، وفي هذا الجو وجه لاشين دعوة إلى مناضلي النقابة للتظاهر وإجبار الجيش على التخلي عن السلطة، وما إن بدأ الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين حتى أمرت النقابة عمالها -الذين شكلوا مليشيات- بالرد.

حققت المليشيات انتصارا كبيرا على الجيش، الذي حُلّ بعد ذلك، وتحولت المليشيات إلى قوة ضاربة صاحبة النفوذ السياسي في البلاد، وشاركت النقابة في الحكومة الجديدة، وتولى لاشين وزارة المناجم وفي الوقت نفسه تفرغ لإنشاء نقابة أكبر تضم كل القطاعات العمالية.

في الأرجنتين ارتبط العمل الثوري للعرب بالبيرونية، بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالجنرال بيرون عام 1955 حيث دخلت البلاد في مرحلة الفوضى، وخلال هذه المرحلة كان جلّ العرب البيرونيين الذين شغلوا مناصب سياسية مهمة من التيار المحافظ، غير أنه بالإضافة إلى هؤلاء كان هناك جيل الشباب المتحدرين من أصول عربية مثلوا التيار الثوري داخل البيرونية، وصار لهم فيما بعد حضور وازن في الحركة الثورية البيرونية المسلحة التي عرفتها الأرجنتين طوال عشرين عاما.

ومن أهم الثوريين العرب إنبار القدري الذي أسس مع رفيق له الشبيبة البيرونية، ثم أسسا بعد ذلك كوماندو المقاومة البيرونية، وكانت هناك شخصيات من أصل عربي مثل إسماعيل سلامة عضو اللجنة الوطنية، وهي أعلى هيئة تصدر عنها القرارات السياسية.

في فنزويلا بدأ حزب العمل الديمقراطي بعد إطاحته بالدكتاتورية بتبني سياسة يمينية تخدم الأوليغارشية، فانشقت عنه مجموعة أغلبهم من الشباب وأسسوا عام 1960 حزبا هو حركة اليسار الثوري، وساهم في تأسيس الحزب بعض المتحدرين من أصل عربي، مثل خورخي ظاهر ومانويل الساهر الخوري.

أبرز ثوريّ عربي كوبي هو ألفريدو جبور معلوف الذي سطع نجمه في الحياة السياسية عندما كان يتزعم الحركة الطلابية في جامعة هافانا

2) ثوريون عرب في أميركا الوسطى
نعثر في أربعينيات القرن العشرين على بعض السياسيين العرب في الأحزاب الثورية الكوبية، مثل بريميتيفو رودريغيت الذي فاز عام 1946 في الانتخابات البرلمانية، وأوفيليا الخور التي أصبحت نائبة عام 1948.

لكن أهم مساهمة للعرب في كوبا ستكون مع الثورة بقيادة فيدل كاسترو، حيث برزت مجموعة من الأسماء العربية من بينهم المحامي إدواردو الحايك الذي شارك في المحاكمة التي استهدفت المتورطين في الهجوم على ثكنتين عسكريتين عام 1953 ضدا على دكتاتورية باتيستا، وفيليكس عجيز أحد قياديي حركة 26 يونيو/حزيران الثورية، وأنطونيو أسد أيوب أحد مقاتلي الحركة نفسها.

أما أبرز ثوري عربي كوبي فهو ألفريدو جبور معلوف الذي سطع نجمه في الحياة السياسية عندما كان يتزعم الحركة الطلابية في جامعة هافانا، وأسس مع الأخوين فيدل وراؤول كاسترو وآخرين المجلس العسكري عام 1956.

في نيكارغوا كان حضور العرب وازنا في الثورة السندينية التي أطاحت بنظام عائلة سوموزا، وبعد إسقاط دكتاتورية سوموزا تشكلت لجنة حكومية تضم خمسة أعضاء بينهم عربي من أصول فلسطينية هو موسى حسن، الرجل الثاني في الثورة السندينية بعد دانييل أورتيغا.

وإضافة إلى حسن، كانت القيادة الثورية تضم عربا آخرين، من بينهم سليم شبلي رفيق أورتيغا في الكفاح الثوري، وأيضا كارلوس زروق ويعقوب فرج مرقس وجيمس زبلخ.

أما في السلفادور، فقد أسس شفيق حنظل، وهو من أصول فلسطينية، الجبهة الموحدة للعمل الثوري بمبادرة من الحزب الشيوعي السلفادوري، واستطاعت الجبهة أن تضم في صفوفها تنظيمات أخرى عام 1980، واستطاعت هذه التنظيمات الموحدة أن تنفذ عمليات عسكرية ضد النظام.

وبعد معارك طويلة وافقت الحكومة على إجراء مفاوضات مع الجبهة تكللت باتفاقية مكسيكو، تحولت الجبهة على أثرها إلى حزب سياسي يقوده شفيق حنظل الذي ترأس فريقه في البرلمان، وفي عام 2004 رشحه الحزب لرئاسة الجمهورية، لكن تهديدات واشنطن بوقف المساعدات عن السلفادور في حال وصول حنظل للرئاسة حالت دون وصوله للرئاسة، غير أن عربيا آخر هو أنطونيو السقا صار رئيسا للبلاد.

لقد بينت الثورات الأميركية أن قيام الثورة على الاستبداد والإقصاء والفساد لا يعني بالضرورة نهاية هذه الممارسات، بل ينجم عنه في كثير من الأحيان إعادة إنتاج النظام الذي قامت ضده الثورة

الربيع العربي والتجارب الثورية الأميركية اللاتينية
يسلط هذا الفصل الضوء على نقاط التقاطع والتباين بين الثورات الأميركية اللاتينية والثورات العربية، ويقدم تصورات عن إمكانية استفادة الوطن العربي من التجارب الأميركية اللاتينية.

لقد تزامنت الثورات العربية مع بعضها بعضا، والمسلسل الثوري العربي يختلف من حيث سرعة انتشاره عن المسلسل الثوري في القارة اللاتينية، حيث اندلعت أولى الثورات عام 1910 في المكسيك، واندلعت آخرها عام 1979 في نيكاراغوا.

وكانت الثورات العربية سلمية باستثناء تلك التي أجبرت على غير ذلك، على عكس الثورات في أميركا اللاتينية التي اعتمدت من أجل الوصول إلى الحكم، إما على التيارات التجديدية داخل المؤسسة العسكرية (غواتمالا والإكوادور)، وإما على المليشيات البروليتارية المسلحة (بوليفيا)، وإما على حرب العصابات (كوبا ونيكاراغوا).

لقد بينت الثورات الأميركية أن قيام الثورة على الاستبداد والإقصاء والفساد لا يعني بالضرورة نهاية هذه الممارسات، بل ينجم عنه في كثير من الأحيان إعادة إنتاج النظام الذي قامت ضده الثورة بطريقة تختلف من حيث المنهج، وهنا ربما قد تساعد الثورات الأميركية اللاتينية الثورات العربية على أخذ العبرة حتى لا تقع في الأخطاء نفسها.

ويمكن للوطن العربي كذلك أن يستفيد من العناصر التي استفادت منها أميركا اللاتينية لتحقيق الديمقراطية والتغيير السياسي.

1) الطبقة الوسطى المؤثرة
تمثل الطبقة الوسطى قوة فاعلة في أغلب المجتمعات الأميركية التي تكرست فيها الديمقراطية، ومما ساهم في قوتها تغير موارد الثروة من نظام فلاحي إقطاعي إلى التجارة والصناعة والخدمات، كما ساهم في قوتها نهج سياسة تعليمية ناجحة وإحداث ثورة حقيقية في التعليم الجامعي.

ويمكن للأنظمة العربية في مرحلة ما بعد الثورات أن تستفيد من تجربة الطبقة الوسطى في أميركا اللاتينية من أجل تقوية طبقتها الوسطى بشكل يجعلها تساهم في الانتقال الديمقراطي بطريقة فعالة.

ومع أن هذه الطبقة أثبتت نجاعتها في نضالها ضد المستعمر وفي بناء دولة الاستقلال، وفي ربيع التغيير العربي الأخير، إلا أن النسبة التي تمثلها داخل المجموع العام للسكان محدودة مقارنة بأميركا اللاتينية، لذا فالرهان الذي يواجهه من يستولي على السلطة خلال مرحلة ما بعد الثورات هو توفير السبل لتوسيع قاعدة هذه الطبقة، وذلك من خلال تنمية اقتصادية واجتماعية فعالة تسمح بمغادرة شرائح واسعة من المجتمع للطبقة الفقيرة نحو الطبقة الوسطى.

إن توسع هذه الطبقة يسمح بالانتقال التدريجي من الدكتاتورية إلى الديمقراطية بخطى ثابتة، لأنه ستواكبه ثقافة جديدة حول مفهوم المواطنة، وحول علاقة الحاكم بالمحكوم، وحول دولة القانون.

سيكون -بحسب المؤلف- على الأحزاب الإسلامية المعتدلة التشبث بالخيار الديمقراطي، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وهذا هو التحدي الأكبر خصوصا أنها ستكون مطالبة بقبول اللائكية كأساس للدولة المدنية

2) الأحزاب السياسية والعلمانية
منذ نهاية القرن العشرين أصبحت أحزاب اليسار في أميركا اللاتينية تعي أنه من أجل سحب البساط من تحت اليمين الحاكم، والاستفادة من سياسة الإقصاء الاجتماعي، يتوجب عليها التخلي عن الراديكالية وإعادة هيكلة اليسار بشكل معتدل، واستطاعت هذه التنظيمات الجديدة من تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ونجح بعضها في تكريس الديمقراطية (البرازيل، والأرجنتين، وأورغواي والتشيلي).

لكن المؤلف يرى أن للوطن العربي خصوصيات مختلفة عن خصوصيات أميركا اللاتينية، فأحزاب اليسار العربي لا يمكن أن تؤدي نفس الدور الذي أدته أحزاب اليسار في أميركا اللاتينية، لأن هذه الأحزاب شأن أحزاب اليمين فاقدة للشرعية، لذا فالقوى السياسية التي يمكن أن تضطلع في الوطن العربي بدور شبيه بذاك الذي اضطلعت به أحزاب اليسار في أميركا هي الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، بعد أن تتخلى عن طابعها الراديكالي.

سيكون -بحسب المؤلف- على الأحزاب الإسلامية المعتدلة التشبث بالخيار الديمقراطي، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وهذا هو التحدي الأكبر خصوصا أنها ستكون مطالبة بقبول اللائكية كأساس للدولة المدنية.

وهنا ربما يكون لاهوت التحرير بمرجعية إسلامية خيارا يساعد المجتمعات العربية على تحقيق الديمقراطية كما حدث في أميركا اللاتينية، حيث تحقق مسلسل الانتقال إلى الديمقراطية بعد تبني مفهوم جديد للعلمانية، يختلف عن ذاك الذي نظر به المنظرون النخبويون، ويختلف عن العلمانية المستبدة التي سيطرت على الشأن السياسي زمن الدكتاتوريات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة