نافذة للساحة الخلفية   
الاثنين 29/4/1434 هـ - الموافق 11/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:33 (مكة المكرمة)، 11:33 (غرينتش)

 عرض/ وديع عواودة

الكتاب الذي بين أيدينا "تاريخ علاقات إسرائيل مع لبنان.. حقائق وأوهام" يستعرض تاريخ العلاقات الشائكة بين إسرائيل وبين ما يصفه بساحتها الخلفية: لبنان، ويجسد اعترافا إسرائيليا صريحا جديدا  بتبدد الأوهام بإمكانية تحويله إلى دولة صديقة لها تنسج معها علاقات سلام.

- الكتاب: نافذة للساحة الخلفية.. تاريخ علاقات إسرائيل ولبنان.. حقائق وأوهام
- المؤلف: يئير رافيد
- اللغة: العبرية
- عدد الصفحات: 400
- الناشر: دار النشر أوفير بخوريم, تل أبيب
- الطبعة: الأولى 2012

المؤلف يئير رافيد ضابط الاستخبارات المتقاعد المعروف بتسميته المنتحلة "أبو داهود"، مسؤول "أسطوري" عن تجنيد العملاء، وقد شغل مناصب استخباراتية بارزة منها مدير إرسالية الموساد في بيروت.

في كتابه يفتح رافيد نافذة على الصورة البشعة للحراك الإسرائيلي في لبنان طيلة عقود، في إطار استعراض مسيرته الذاتية المليئة بالمغامرات والقصص المروية بسرد روائي مثير.

لكن الكتاب يركز على عمليات التجنيد البشعة لوكلاء الاستخبارات الإسرائيلية من بين اللبنانيين والتي تحثهم وتدفعهم نحو خيانة شعبهم ووطنهم، ولكنها ما تلبث أن تلقي بهم في سلة المهملات. ويستمد الكتاب قوته من الكشف عن حماقات إسرائيل في لبنان على يد من يعتبر مسؤولا مخضرما ذا مصداقية استخباراتية بحكم تجاربه ومناصبه. 

على غرار باحثين وكتاب إسرائيليين آخرين خاضوا التجربة اللبنانية، يصف هذا الكتاب بروح نقدية أوهام إسرائيل بجعل لبنان دولة حليفة أو صديقة من خلال بناء نظام سياسي موال لها بقوة السلاح، واعتمادا على  عكازة الكتائب اللبنانية، وسط تجاهل الواقع الاجتماعي السياسي اللبناني.

ويقر بوضوح أن إسرائيل جندت عملاء عربا مقابل رشوات مالية وجنسية، وفي لبنان جندت وكلاء من بين القتلة وتجار المخدرات والشاذين جنسيا.

رافيد يعرض نفسه كمن بادر وولّد العلاقات العميقة بين إسرائيل والمسيحيين في لبنان بدءا من 1975 في أعقاب انحلال الجيش اللبناني ونشوب الحرب الأهلية. ويستذكر أن المسيحيين في جنوب لبنان توجهوا إلى إسرائيل خلسة طالبين المساعدة، لافتا أنه خشي أن يملأ الفلسطينيون الفراغ الناجم عن حل الجيش اللبناني.

وبعد ذلك بدأت إسرائيل في نهاية سبعينيات القرن الماضي تحويل السلاح إلى المسيحيين في الجنوب، بل وشاركت في القتال عبر القصف المدفعي والجوي ضد الفلسطينيين، إضافة إلى المساعدات المدنية.

الجدار الطيب
وفي إطار هذه المساعدات أقيم ما يعرف باسم "الجدار الطيّب" رسميا بغية إدخال لبنانيين إلى إسرائيل للعمل والعلاج، إذ يكشف المؤلف -وهو رجل استخبارات مخضرم- للمرة الأولى حقيقة أن ذلك تم من طرف الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية  لتحقيق هدفين: أولهما التمويه وإخفاء التحركات الإسرائيلية وتجنيد وتشغيل المزيد من العملاء، بينما يكمن الثاني في مكافأة القرى الجنوبية التي أبدت "تعاملا إيجابيا" مع إسرائيل وزوّدتها بمعلومات هامة حول الفلسطينيين.

ويستدل من الكتاب أن إسرائيل شرعت في اعتماد سياسة "فرق تسد" وتأجيج الخلافات الطائفية مبكرا، فيكشف عن نقل 30 مقاتلا بقيادة لبناني يعرف باسم "أبو إميل" من بيروت إلى جنوب لبنان على متن بارجة عسكرية. وبأوامر إسرائيلية اقتحم هؤلاء قرية حنين الشيعية يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 1976 لأنها تعرقل حركة المرور بين القرى المسيحية. واقترف أبو إميل مذبحة بحق رجالها, وبعد يومين وقعدت عمليات انتقامية في القرية المسيحية عيشية.

المؤلف الذي خدم في وحدات عسكرية خاصة واستخباراتية آخرها الوحدة 504 التي شغل فيها منصب المسؤول الأعلى عن تجنيد العملاء، يصف تجنيد الخونة للعمل ضد شعبهم بالسباحة في مياه آسنة.

تجار المخدرات
ويروي المؤلف للمرة الأولى كيف جند الموساد والاستخبارات العسكرية تجار المخدرات الكبار في الشرق الأوسط كعملاء، ومن بينهم: محمد بيرو، ورمزي نهارة، وقيس عبيد في لبنان. ويشير إلى أنه في عام 1976 جنّد بنفسه محمد بيرو الذي كانت دول كثيرة والشرطة الدولية (إنتربول) تلاحقه.

للمرة الأولى يروي المؤلف كيف جند الموساد كبار تجار المخدرات في الشرق الأوسط كعملاء، ومنهم: محمد بيرو، ورمزي نهارة، وقيس عبيد في لبنان

ويذكر أنه التقى بيرو في أحد الفنادق شمال إسرائيل وجنده كعميل مقابل تعهد بعدم التدخل في عمله. وهكذا تحول بيرو إلى عميل إستراتيجي للوحدة 504، ودأب على اصطحاب عسكريين لبنانيين وغيرهم ممن كانوا متعلقين به وبأعماله وساهم في تعاونهم مع إسرائيل. وكما هو الحال في معظم الحالات التي يلقى بها العملاء نهاية مأساوية، قضى بيرو آخر أيامه في السجن الإسرائيلي ذليلا حتى مات.

وعن ملابسات ذلك يقول المؤلف إن بيرو نسي -على ما يبدو- الاتفاق المذكور معه، وتورط في محاولة تهريب طن حشيش إلى إسرائيل، وبعد اعتقاله طلب لقاء رافيد في سجنه وأقسم بشرفه وبالنبي أن صفقة الحشيش تمت بواسطة أحد أبنائه ودون علمه، طالبا المساعدة والرحمة. ويتابع "لم أصدقه، وقررت أنه لا يهمني أن يموت موتا بطيئا داخل السجن".

ولم تنته قصة تعاون بيرو مع إسرائيل بموته، فقد ورث ولده كايد بيرو تجارة المخدرات، وبعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 قرر الانتقام منها لاعتقالها والده، فتواصل مع تاجر مخدرات آخر يدعى قيس عبيد، وكلاهما قدم خدماته بيد حزب الله، فاستغلا معلوماتهما الوافرة حول إسرائيل وخططا لعملية جريئة انتهت بخطف الجنرال احتياط الحنان تنباوم، في عملية ألحقت ضررا فادحا بإسرائيل.

كميل شمعون
ويكشف الكتاب للمرة الأولى تفاصيل العلاقات السرية للرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون وأوساط لبنانية بإسرائيل طيلة سنوات. وبحسب الكتاب، بدأت هذه العلاقات في خمسينيات القرن الماضي حينما زودته إسرائيل بالسلاح دعما له ضد خصومه اليساريين.

الكتاب الذي يعتمد السرد الروائي ويورد الكثير من القصص بطبيعة الحال كشأن الكتب الاستخباراتية، يشير إلى أن شمعون كان مغرما بصيد البر وبحوزته بنادق صيد نادرة وثمينة تتيح له الصيد بهدوء، وخلال ذلك كانت تتم لقاءاته برافيد.

الوحل اللبناني
في لهجة دفاعية عن النفس، يقول المؤلف إنه لم يوص يوما بتدخل عسكري في لبنان، محاولا تقليل دوره في تورط إسرائيل بالوحل اللبناني لاحقا. ويرى أن إسرائيل بنظرة إلى الخلف فشلت في لبنان نتيجة "دمج قاتل" بين أطماع وزير الدفاع في حينه أرييل شارون بفرض نظام سياسي جديد في لبنان، وبين الروح الرومانسية لرئيس الحكومة الراحل مناحيم بيغن الذي رأى بنفسه حاميا للأقلية المسيحية في لبنان تمهيدا لعقد اتفاقية سلام معها.

يحمّل رافيد جهاز الموساد مسؤولية فشل إسرائيل في لبنان بعدما آمن جهلا بقدرتها على تغيير الواقع السياسي هناك، وبعد انبهار رجاله بسحر القيادات المسيحية في بلاد الأرز

ويحمّل  الكاتب الموساد مسؤولية فشل إسرائيل في لبنان بعدما آمن جهلا بقدرتها على تغيير الواقع السياسي هناك، وبعد انبهار رجاله "بسحر القيادات المسيحية" في بلاد الأرز. ويشير إلى أنه بعد اجتياح 1982 واحتلال أجزاء من بيروت، استدعِي على عجل من أوروبا لإقامة إرسالية للموساد في العاصمة اللبنانية بهدف استغلال القرب الجغرافي وتجنيد عملاء لهم صلة بسوريا. وفعلا أسس مكتب الموساد في بيروت داخل مقر قائد الكتائب اللبنانية إيلي حبيقة.

وفي مذكراته يعترف رافيد بما كان معروفا بأن القوات الإسرائيلية اهتمت بنقل أعضاء البرلمان اللبناني تحت تهديد السلاح كي يدلوا بأصواتهم لبشير الجميّل رئيسا للبنان والذي قتل عقب "انتخابه" بتفجير مقره يوم 14 سبتمبر/أيلول 1982.

صبرا وشاتيلا
في الكتاب يكمل ويعزّز رافيد ما تحتويه محاضر إسرائيلية تاريخية يكشف عنها تباعا هذه الأيام (أرشيف لجنة كاهان الرسمية للتحقيق في مجزرة صبرا وشاتيلا)، ويعترف بأنه كان شاهدا على استعدادات الكتائب لارتكاب المجزرة في مخيمي صبرا وشاتيلا يوم 16 سبتمبر/أيلول 1982.

ويستعيد ما يستبطن إدانة جديدة شبه صريحة لإسرائيل إذ يقول "بعد اغتيال الجميّل تنبهت فجأة في أحد الأيام إلى أن جماعة الكتائب بقيادة حبيقة يعدون سكاكينهم وهم يقولون لي: اليوم حان دور السلاح الأبيض، في إشارة إلى نيتهم ارتكاب مذبحة دون الكشف عن هوية هدفهم. وكان واضحا بالنسبة لي أنهم ذاهبون إلى ارتكاب مجزرة، لكنني لم أتعّمق في البحث، فأنا مجرد ضيف لديهم، كما أن هذا ليس من شأني أن أعرف هل كانوا في طريقهم إلى صبرا وشاتيلا".

نقد ذاتي
يستبطن الكتاب نقدا لاذعا للمؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية خاصة في وحدة تجنيد العملاء 504 اليوم، ويقول إن ضباطها يتقنون فنون الحاسوب لكنهم يجهلون الميدان. غير أن انتقاداته الأشد تتجلى بالإشارة إلى معاملتها المشينة للكثير من عملائها السابقين الذين تناصبهم الإهمال وتتخلى عنهم وتكذب عليهم.

ويقول بوضوح إن هذه الوحدة تنتهج الكذب والغش والخداع من المستوى الأكثر هبوطا في تعاملها مع عملائها، خاصة اللبنانيين المقيمين الذين يكابدون اليوم أوضاعا مأساوية في إسرائيل.

كما يعتبر أن توجهات وأخطاء إسرائيل شكلت دافعا لتشكيل حزب الله تحت أنفها، ويوضح أن الشيعة استقبلوا الجيش الإسرائيلي المحتل بالأرز، لكن نظرته لهم لاحقا كانت مخزية نتيجة عمليات تفتيش مهينة عن السلاح في بيوتهم. وللتأكيد على أهمية ذلك يضيف "إذا انتزعت من اللبناني بندقيته أو مسدسه فهذا بالنسبة له كأن تقص نصف شاربه، فمن هذه النقطة بدأ الشيعة في الجنوب ينشطون ضدنا".

خلافا للشائعات عن كونه انفجارا جراء أنابيب غاز، يؤكد المؤلف أن تدمير مقر الحكم العسكري الإسرائيلي في صور عام 1982 كان نتيجة عملية استشهادية خطط لها قائد الذراع العسكري لحزب الله عماد مغنية

وبخلاف شائعات عن كونه انفجارا جراء أنابيب غاز، يؤكد رافيد أن تدمير مقر الحكم العسكري الإسرائيلي في صور يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1982 كان نتيجة عملية استشهادية خطط لها قائد الذراع العسكري لحزب الله عماد مغنية.

ومن جملة انتقاداته للمؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية، يقول رافيد إنها لم تقم بواجبها كما ينبغي بحثا عن الأسرى والمفقودين، وخاصة ملاح الجو رون أراد، مشيرا إلى أن الموساد سدد "ضريبة شفوية" فحسب في هذا السياق.

واستنادا إلى خبرته ومعلوماته، فإن أراد اختطف من لبنان على يد إيران التي ما لبثت أن أعادته إلى لبنان وقتلته هناك خوفا من انفضاح السر.

الهروب
لكن جوهر نقده في السياق اللبناني يوجهه إلى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، إذ يعتبره أمرا مخجلا ومعيبا، ويستذكر مشاهد الفرحة الهستيرية التي غمرت الجنود الإسرائيليين وهم يهاتفون أمهاتهم ويبشرونهن بالعودة إلى البيت. ويضيف جازما "مشاهد جنودنا الذين بكوا فرحا مست بهيبتنا وقوة ردعنا، وزودت الانتفاضة الفلسطينية الثانية بمواد الاشتعال".

كما يقر بأن تعامل إسرائيل مع عملائها في جيش لبنان الجنوبي أمر موجع جدا، لافتا أنها تركتهم لوحدهم وتخلت عنهم بعدما قاتلوا إلى جانبها 25 عاما، معتبرا ذلك "هذه خيانة لا مثيل لها". ورأى أن الحل الأمثل كان يكمن في مساعدة المسيحيين في جنوب لبنان على حماية أنفسهم فقط.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة