نحو الحرب العالمية الرابعة   
الخميس 1426/11/1 هـ - الموافق 1/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:04 (مكة المكرمة)، 12:04 (غرينتش)

عرض/كامبردج بوك ريفيوز
في كتابه الجديد يفند الباحث الفرنسي باسكال بونيفاس بالتحليل فكرة "الحرب العالمية الرابعة "التي يقول بها أميركيون أساسا في وصفهم الحرب على الإرهاب (الإرهاب الإسلامي طبعا), ويعرض بالتحليل لعدة قضايا: عزلة إسرائيل الدولية لاسيما في الأمم المتحدة وكيف أصبحت استثناء من حيث عدم احترامها لقرارات مجلس الأمن، التحالف الأميركي الإسرائيلي, العلاقة بين أميركا والعالم الإسلامي.

ويمكن تلخيص هذه الأفكار في أطروحتين مركزيتين: أولا مركزية الصراع العربي الإسرائيلي. ثانيا الحرب على الإرهاب لم ولن تكون حربا عالمية رابعة لأنه لا مجال لمقارنتها بالحربين العالميتين والحرب الباردة.

-الكتاب: نحو الحرب العالمية الرابعة
-المؤلف: باسكال بونيفاس
-عدد الصفحات: 172
-الناشر: أرمند كولان، باريس
-الطبعة: الأولى/2005


الصراع العربي الإسرائيلي وصدام الحضارات
يقول المؤلف إن الذين انتقدوا ورفضوا بالأمس سياسية الوفاق وعملية هلسنكي وأرادوا إجهاضها بدعوى أن الاتحاد السوفياتي هو المستفيد منها قد أخطؤوا في تنبؤاتهم. لكنهم رغم ذلك يستخدمون اليوم نفس الأسلوب التخويفي بشأن العلاقة مع العالم الإسلامي سعيا لفرض استخدام القوة كأسلوب للتعامل.

إن الاستماع إليهم والأخذ بفكرة المواجهة التي يسوقونها سيقودنا جميعاً إلى الكارثة. لذا علينا توخي الحذر, فإذا كان الإرهاب تهديدا حقيقيا فإن سياسية هؤلاء تؤججه. "إن العلاقات بين العالم الغربي والعالمي الإسلامي هي بالتأكيد التحدي الإستراتيجي الكبير الذي علينا التصدي له بذكاء وبصيرة لتفادي حدوث صدام الحضارات".

وينتقد المؤلف أطروحة صدام الحضارات لهينتنغتون ويشير إلى أن برنارد لويس هو أول من استخدم عبارة "صدام الحضارات" عام 1964 وربطها بالصراع العربي الإسرائيلي.

ويقول الكاتب إن "أطروحة هذا المناصر للسياسة الإسرائيلية (يقصد لويس) بسيطة": "أزمة الشرق الأوسط لا تأتي من نزاع بين دول، وإنما من صدام الحضارات". بمعنى أنه حسب لويس هذا الصراع لن يحل بوسائل سلمية، وإنما بالعسكرية.

وبما أن الرهان هو صدام الحضارات، فإنه ليس للعالم الغربي إلا التضامن مع إسرائيل ضد العدو المشترك أي العالم الإسلامي. وفي 1990 عاد لويس إلى نفس الأطروحة معتبرا ما يحدث "ليس إلا صداما للحضارات".

"
لماذا لا يطبق الغرب نفس السياسة التي انتهجها في كوسوفو على فلسطين؟ لماذا يتحرك مثقفون غربيون للتنديد بالاضطهاد في كوسوفو والشيشان لكنهم لا يحركون ساكنا عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟
"
وهنا يؤكد المؤلف أن صدام الحضارات ليس حتميا، بل يمكن ويجب تفاديه بنهج مقاربة سياسية غير أسلوب المواجهة، مقاربة تقوم على محاربة الإرهاب ومعالجة أسبابه وتسوية الصراعات التي تغذيه. أي الإقرار بمركزية الصراع العربي الإسرائيلي إقليميا وعالميا، الذي بدون تسويته العادلة لن يستتب الاستقرار.

تسويته بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب دولة إسرائيل هي مفتاح تطبيع العلاقة بين العالم العربي الإسلامي والغرب، لأن استمراره هو الذي سيقود إلى صدام الحضارات.

بيد أن تسويته لا تعني طبعا نهاية لأي آفاق مواجهة بين الإسلام والغرب أو للعمليات الإرهابية، إلا أنها ستحرم هؤلاء الذين يقدمون الغرب في العالم الإسلامي على أنه عدو مشترك من حجتهم الأساسية.

ويتساءل الكاتب لماذا لا يطبق الغرب نفس السياسية التي انتهجها في كوسوفو على فلسطين؟ لماذا هذه الازدواجية في المعايير؟ لماذا يتحرك مثقفون غربيون (خاصة في فرنسا) للتنديد بالاضطهاد في كوسوفو والشيشان لكنهم لا يحركون ساكنا لمّا يتعلق الأمر بفلسطين؟

تشخيص دولي متقاسم باستثناء
بداية يقول الكاتب لا توجد "سياسة عربية" لفرنسا وإنما هناك سياسة فرنسية حيال الشرق الأوسط تعود خطوطها الكبرى إلى 1967، وفحواها أن الاحتلال العسكري للأراضي غير شرعي وغير مفيد.

وإذا كانت تسعى جاهدة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، فذلك لأنها تعتبر إطالته غير متطابقة مع القانون الدولي، وأنه أخلاقياً مدان، وإستراتيجيا خطير. ويرى أن فرنسا ليست وحدها في هذا الموقف، بل هذا التشخيص تتقاسمه العديد من الدول، وليست فرنسا أو العالم في عزلة بل الحكومتان الإسرائيلية والأميركية.

ففي بريطانيا توني بلير نفسه وصل إلى نفس الاستنتاج لما صرح عام 2002 بأن القرارات الأممية يجب أن تطبق على العراق "لكنها ليست مطبقة من قبل إسرائيل. يجب أن تطبق على الجميع". أما وزير خارجيته جاك سترو فقد اعتبر أنه "هناك انشغال حقيقي" بشأن حقيقة هي أن "العالم الغربي يمارس ازدواجية المعايير، بتأكيده من جهة بأن قرارات مجلس الأمن بشأن العراق يجب أن تحترم، ومن جهة أخرى يتبنى موقفاً دونكيخوتياً فيما يتعلق بتطبيق القرارات بشأن الصراع العربي الإسرائيلي".

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2004 عاد بلير ليؤكد أن وجود "دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبا إلى جنب في سلام دائم،" سيخدم مكافحة الإرهاب "أكثر من كل أسلحة العالم".

"
رغم تزايد الأصوات المنادية بالاهتمام جديا بالصراع العربي الإسرائيلي كبؤرة التوتر الأساسية في الشرق الأوسط ومفتاح الاستقرار في المنطقة، فإن المساندة الأميركية اللامشروطة لإسرائيل تبقى متأصلة بعمق في السياسة الأميركية
"
أما ألمانيا فإنها في وضع حساس بسبب تاريخها، وعليه فمواقفها تتأثر بتطور الموقف البريطاني أكثر منها بالسياسة الفرنسية. ورغم انقساماته يشاطر الاتحاد الأوروبي فرنسا التشخيص ذاته. أما على مستوى دول العالم الثالث المساند عموماً للفلسطينيين، فإن قوى إقليمية لها وزن على الساحة العالمية مثل جنوب أفريقيا والبرازيل تقف إلى جانب الفلسطينيين.

ويقول المؤلف إن كون الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في قلب العلاقة بين العالم الغربي والعالم العربي الإسلامي، وضرورة التزام أميركا أكثر بهذا الصراع وتخليها عن سياستها المنحازة لإسرائيل، هي آراء منتشرة بكثرة إلا في أميركا وإسرائيل. 

ورغم تزايد الأصوات -حتى في الأوساط الأميركية المساندة لإسرائيل- المنادية بالاهتمام جديا بالصراع العربي الإسرائيلي كبؤرة التوتر الأساسية في الشرق الأوسط ومفتاح الاستقرار في المنطقة، فإن المساندة الأميركية اللامشروطة لإسرائيل تبقى "متأصلة بعمق في السياسة الأميركية".

وهكذا تبقى دولتان فقط من العالم -أميركا وإسرائيل- ترفضان الاعتراف بأن الإرهاب والعنف الفلسطينيين هما نتاج الاحتلال، وأن القضاء عليهما يمر عبر التسوية السلمية العادلة للصراع.

وقد زادت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول في ترسيخ هذا الاعتقاد الخاطئ خاصة وأنها مثلت فرصة ذهبية بالنسبة لإسرائيل ليعتبرها الأميركيون حليفا أساسيا في محاربة الإرهاب.

وهذا ما حدث، حيث صرح كولن باول بأن "الحرب على الإرهاب توحد البلدان في نفس الخندق". ويضيف الكاتب أن المحافظين الجدد في إدارة بوش والقريبين جدا من الليكود أخذوا، بعد 11 سبتمبر/ أيلول، بزمام السياسية الخارجية الأميركية، وأن "إدارة بوش تعتبر أن السلوك الفلسطيني هو مصدر المشاكل" بينما "الإرهاب هو ثمار الاحتلال وليس العكس".

الحرب العالمية الرابعة
هل الحرب على الإرهاب "حرب عالمية رابعة"؟ يجب الكاتب بأن مقارنتها مع ما سبق (الحربين العالمتين الأولى والثانية والحرب الباردة) "لا معنى لها من منظور إستراتيجي".

التنافس الأميركي السوفياتي كان يقوم على أساس الردع النووي، توازن الرعب، مناطق النفوذ، التحكم في التسلح، الانفراج، وكلها كانت مفاهيم متداولة في واشنطن وموسكو.

"
باستثناء المحافظين الجدد والذين سقطوا تحت نفوذهم، فإنه لا أحد يؤمن بأطروحة الحرب العالمية الرابعة هذه إلا جماعة القاعدة لأنها تقول أيضا بحرب عالمية يقودها "اليهود والصليبيون" ضد الإله
"
أما اليوم فالإرهاب لا يلعب على نفس رقعة الشطرنج التي يلعب عليها من يهاجمهم. فمن المنظور الإستراتيجي ليس تنظيم القاعدة تهديدا يحل محل التهديد السوفياتي، لكن الرأي العام في الدول الغربية ينظر إلى هذه الحرب على أنها كذلك.

ينتقد المؤلف الأوساط الغربية والفرنسية تحديدا المساندة للسياسة الإسرائيلية والأميركية لاتهامها كل من يحاول تفسير الإرهاب وأسبابه، بتبرير الإرهاب، ومعادة السامية والعداء لأميركا.

ويقول إن التفسير لا يعني إطلاقا التبرير. ويتساءل لماذا يعزو بعض المثقفين الفرنسيين (المساندين لإسرائيل) ما يحدث في الشيشان إلى الاضطهاد والقمع والظلم معتبرين أن الحرب هي التي ولَّدت الإرهاب، فيما يرفضون تطبيق نفس التحليل على ما يجري في فلسطين؟

ويوضح أن من يمنعون غيرهم من فهم الإرهاب بدعوى تبريره يريدون في حقيقة الأمر "جرنا نحو مأزق حل عسكري بحت".

ويرى أن عبارة "الحرب على الإرهاب" الرائجة منذ سبتمبر/ أيلول 2001 توضح كيف تم رفع فاعل غير دولي وغير جغرافي (الإرهاب) إلى مصاف عدو أساسي، وكيف أن هذه الحرب من نوع جديد تحدد كهدف لها نصرا مستحيلا بطبيعته، لأن نهاية الإرهاب تتزامن تقريبا مع نهاية العنف السياسي.

إن هذه الحرب الجديدة "ترفع الإرهاب إلى مصاف قوة كونية وتمأسس حالة حرب شاملة دائمة: الحرب العالمية الرابعة الذائعة الصيت".

ويوضح المؤلف -مقتبسا عن كاتب فرنسي- أن عبارة "الحرب العالمية الرابعة" دخلت قاموس المحافظين الجدد (في أكتوبر/ تشرين الأول 2001) بصدور مقال في مجلة "كومنتري" (المحافظة) لـ إليوت كوهين الذي يقترح فيه عبارة "الحرب العالمية الرابعة" التي هي أدق في رأيه من عبارة "الحرب على الإرهاب".

وفي هذه الحرب يقول كوهين إن العدو ليس الإرهاب وإنما الإسلام السياسي. جيمس ووسلي المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية هو الذي جعل هذه العبارة شعبية من خلال مقال نشره عام 2002 وترجمته جريدة "لوموند" الفرنسية وأثار ضجة كبيرة.

يقول ووسلي في مقاله "سنربح الحرب العالمية الرابعة" التي "تستهدف الإرهابيين، الديكتاتوريين، والأوتوقراطيين". وهنا يلاحظ المؤلف أنه بالنسبة للمحافظين الجدد يندرج غزو العراق ضمن هذه الحرب الرابعة، لكن الغرض من هذا هو حجب الرؤى عن الفشل الأميركي الذريع في العراق.

ويرى أنه باستثناء المحافظين الجدد والذين سقطوا تحت نفوذهم، فإنه لا أحد يؤمن بأطروحة الحرب العالمية الرابعة هذه إلا جماعة القاعدة لأنها تقول أيضا بحرب عالمية يقودها "اليهود والصليبيون" ضد الإله.

إن هذا المفهوم كون نوعا من تحالف طرفين متناقضين ومتطرفين، في بنيان أيديولوجي يشكل فيه كل طرف سندا للطرف الآخر، ويعزز كل طرف خطاب الطرف الذي يريد إزالته. والمواجهة بينهما ستجرنا جميعا إلى دوامة خطيرة.

وعليه فإن السياسة الأميركية الحالية تزيد من الإرهاب أكثر مما تحد منه (مثال الحالة العراقية). إن الدخول في حالة حرب دائمة معركة محسومة مسبقا، لأن هناك "باتريوت أكت"، غونتانامو، أبو غريب، الفلوجة.. إذ تنكر العالم الغربي للقيم الكونية التي يقول بأنه يريد ترقيتها، ولأن من يقود معركة بهذا الشكل ضد الإرهاب لا يمكنه ربحها.

إن المأزق الذي تقودنا إليه الحرب الشاملة على الإرهاب اقتصادي أيضا. ففي حين يستدعي تنظيم وتنفيذ عمليات إرهابية مالا محدودا، فإن مكافحة الإرهاب تتطلب أموالا ضخمة، ورغم ذلك فإن الأمم تبقى منكشفة أمامه.

وبالتالي فالخيار العسكري البحت يعني استخدام الوسيلة التي اختارها الإرهاب. إن العالم الغربي ربح الحرب البادرة سلميا بفضل تفوقه الاقتصادي، أما اليوم فإن الإرهاب قد يرهقه اقتصاديا.

"
تدهور الوضع في فلسطين واستمرار احتلال العراق وتعبئة بن لادن وأتباعه للكفاح ضد أميركا وإمكانية ضرب إيران,  سيقرب صدام الحضارات، وتصير الحرب العالمية الرابعة واقعا
"
على الغرب أن يفهم أنه إذا كانت هناك أقلية في الخارج تحارب قيمه الكونية، فإن الأغلبية تعيب عليه عدم تطبيقه لقيمه هذه بشكل كوني.

فإذا كان يريد ألا تنتقل العدوى من الأقلية إلى الأغلبية فعليه أن يكون متسقا. إذا كان لا يحترم قيمه التي يريد جعلها كونية، فكيف للغير أن يتبناها.

ختاما يحدد المؤلف ثلاثة مشاهد، أخطرها ثالثها، إذ في إطاره تتم إقامة دولة فلسطينية في غزة وربما جزء من الضفة الغربية وبدون القدس، بعد مراهنة إسرائيل بدعم أميركي على تخلي الفلسطينيين عن حدود 1967.

ويشير أن أميركا تعتبر الانتخابات في العراق شرعنة لأطروحتها لتغيير الأنظمة بالقوة متناسية أن الانتخابات ليست الديمقراطية، وأنها تمت تحت الاحتلال الأجنبي والإرهاب.

قد يكون هذا المشهد تمهيدا لكابوس:  زيادة تدهور الوضع في فلسطين، استمرار احتلال العراق.. كل هذا سيسمح لابن لادن وأتباعه بالتعبئة للكفاح ضد احتلال الأراضي العربية من قبل أميركا، خاصة وأن هذه الأخيرة قد تضرب إيران بدعوى أسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية (نغمة معروفة نعلم مآلها اليوم). في ظل وضع كهذا سيقترب صدام الحضارات، وتصير الحرب العالمية الرابعة واقعا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة