إلى المواجهة   
الخميس 1435/4/7 هـ - الموافق 6/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:02 (مكة المكرمة)، 13:02 (غرينتش)
عرض/ياسر علي
صدر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات كتاب "إلى المواجهة.. ذكريات د. عدنان مسودي عن الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وتأسيس حماس"، من تحرير الكاتب بلال محمد، وتقديم د. عزام التميمي.

والدكتور عدنان مسودي هو أحد القادة المؤسسين لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الضفة الغربية، ولد سنة 1944 وتوفي سنة 2011. تربى في حلقات الإخوان المسلمين وأسرها منذ طفولته، وحمل الفكرة والتزم التنظيم أينما حلّ وارتحل في البلاد التي زارها تعلما أو عملا أو عبادة أو إبعادا.

- العنوان: إلى المواجهة.. ذكريات د. عدنان مسودي عن الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وتأسيس حماس
- تحرير: بلال محمد
- عدد الصفحات: 184
- الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
- الطبعة: الأولى 2013

وكان له دور رئيسي ومؤثر في تأسيس المحاضن الأولى للخلايا العسكرية لحركة حماس في الضفة الغربية قبل تأسيسها.

ولعلّ شحّ المعلومات، وقلة ما كُتب عن جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس في الضفة الغربية في تلك الحقبة، يجعل من هذه المذكرات المصدر الأول والأهم في تاريخ انطلاقة حماس في الضفة التي لم تحتفظ بوثائق أرشيفية معروفة تفيد في كتابة تاريخها بسبب التشديد الأمني والملاحقات.

الكتاب يتناول مذكرات شخصية، أو أحداثا عايشها الكاتب منذ ولادته حتى سنة 1993، حيث خاض تجربة الإبعاد الشهيرة في مرج الزهور.. وفيه سبعة فصول وثلاثة ملاحق: شهادة، ووثائق، وتقارير.

يلي ذلك سرد تاريخي وضعه المحرر (الذي بدا تأثيره واضحا في ترتيب الكتاب وإخراجه بالشكل المناسب) لترتيب الأحداث في حياة مسودي.. وختم الكتاب بملحق الصور.

لا شك أن مرور أي شخص في الزمان والمكان المناسب والمفصلي للأحداث (عضو المكتب الإداري العام في فلسطين عند تأسيس حماس)، يجعل من مذكراته مهمة بقدر أهمية الأحداث، حتى لو كان أسلوب هذه المذكرات بسيطا وتلقائيا، كما هو الحال في الكتاب الذي بين أيدينا. بل إن هذا الكتاب أضاف مسحة إنسانية وروحانية نابعة من التجربة الذاتية على أحداث سياسية وأمنية في المنطقة.

من هنا فإن الخصوصية الإنسانية تضيف للمطلع عن كثب بعض التفاصيل الإنسانية من مذكرات مسودي ونظرائه، لذلك فإنه لا مناص من سرد فصول الكتاب والإشارة إلى أهمية كل فصل على حدة.

الفصل الأول بعنوان "البداية" (1944-1956). يتحدث فيه عن طفولته في مدينة الخليل ومدارسها، ومشاهدته نكبة اللاجئين سنة 1948، ومن الجملة الأولى يؤكد عضوية والده في الإخوان المسلمين في تلك الفترة، وهي شهادة ليس فقط على وجود الإخوان في فلسطين، بل على انتشار دعوتها هناك.

يستفيد قارئ الكتاب أن العلاقة التنظيمية بين الإخوان في الأقطار وثيقة وسلسة، حيث انتظم الكاتب في صفوف الإخوان المسلمين في سوريا (بتوصية) بمجرد انتقاله إليها، وتشرّب فكرهم وعايش أنشطتهم
في الفصل الثاني، "في صفوف الإخوان المسلمين" (1956-1962)، يتحدث ليس فقط عن مشاهدته للإخوان، بل عن انخراطه في نشاطات وفعاليات الإخوان في تلك الفترة، والتدريب العسكري والإعداد من أجل معركة التحرير القادمة. وفيه بعض مذكرات الدعوة في منطقة الخليل.

في الفصل الثالث، تبدأ بذور الفكر الجهادي تظهر لدى الكاتب، ولدى أبناء جيله. فتحت عنوان "في طلب الطب" (1962-1970)، يتناول الكاتب حياته في سوريا حيث توجّه للدراسة.

ويستفيد المتتبع للعمل التنظيمي للإخوان المسلمين من هذا الفصل من ناحيتين: الأولى أن العلاقة التنظيمية بين الإخوان في الأقطار وثيقة وسلسة، حيث انتظم الكاتب في صفوف الإخوان المسلمين في سوريا (بتوصية) بمجرد انتقاله إليها، وتشرّب فكرهم وعايش أنشطتهم وساهم في فعالياتهم.

وتجربته دليل حسي على هذا الأمر. والثانية بداية تسرب أفكار سيد قطب إلى الإخوان في خارج مصر، واعتماد المناهج التربوية التي استطاع تهريبها أحد السجناء السوريين من مصر إلى سوريا.

وفي أثناء هذا الفصل حصلت هزيمة 1967، حيث عاد ليشارك في معركة لم تدم لساعات طويلة، فوصل بعد نهايتها، وواصل عمله المتقطع في الأردن إبان معركة الكرامة وانتصار المقاومة، حيث كان مطلعا عن كثب على ترتيب إنشاء "قواعد الشيوخ" في غور الأردن، مع الدكتور عبد الله عزام والدكتور أحمد نوفل.

وإذا كانت نكبة 1948 قد فرّقت تنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين بين غزة والضفة والداخل، فإن هزيمة 1967 قد أعادت جمعهم، وهذا ما سيبدو في جهد الدعوة ونقلتها النوعية في الفصل الرابع من هذا الكتاب.

لعلّ الفصل الرابع هو الأهم في حياة مسودي بعد فصل تأسيس حماس، وهو المؤسس للفكر الجهادي الثوري في حركة الإخوان المسلمين في الضفة الغربية، بعنوان "انقلاب قطبي" (1970-1976)، حيث عاد مسودي إلى الخليل مناديا بتطبيق المناهج التربوية التي حملها من سوريا بعد تشفيرها، والتي تقوم على تشكيل النواة الصلبة للعمل التنظيمي الجهادي، ويسرد فيها حواراته مع "حكماء" الإخوان المسلمين في الضفة، الذين انقسم رأيهم إزاء أفكاره، حيث واجه انقساما بينهم، وقرر تأسيس الأسرة الأولى من الشباب المتحمس لهذا العمل.

ويُعدّ هذا في عرف الإخوان مخالفة تنظيمية، حيث شكل تنظيمه الصغير الموازي داخل تنظيم الإخوان، لكن يبدو أنهم قد تغاضوا بتواطؤ ضمني عنه بشرط أخذ أقصى درجات الحذر.

وفي هذه المرحلة توسعت كتلته، والتقت مع الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال الخطيب اللذين كانا طالبين في الكلية الشرعية في الخليل، وغيرهما ممن أصبحوا من قادة العمل الإسلامي لاحقا.

وكبرت هذه الكتلة وصارت وازنة، مما جعلها تدخل في حوارات مع التنظيم المركزي، حيث انتظموا جميعا فيه واحتفظ مسودي بالفكر الجهادي للمنهج، وابتعد عمّا فيه من فكر الانعزال عن المجتمع، وتحول من "معالم قطب" (أي كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب) إلى "دعاة الهضيبي" (كتاب "دعاة لا قضاة" لمرشد الإخوان حسن الهضيبي).

وتجربة دخول المجاميع إلى تنظيم الإخوان المسلمين تكررت أكثر من مرة، مثل مصر مع تنظيم طلاب الجامعات الذين نشطوا في أوائل السبعينيات. ومثل تجربة الجماعة الإسلامية في لبنان، حين اندمجت فيها مجموعات عدة.

في الفصل الخامس بدأت تظهر بقوة معالم الحرب بين الإخوان المسلمين والنظام في سوريا، وقد عاد الكاتب إلى سوريا بعنوان "للطب من جديد" (1975-1980)، فاضطر للخروج من البلد هاربا بعد القانون 49 لسنة 1980 الذي قضى بإعدام كل من ينتمي للإخوان المسلمين.

الفصل الأهم على الصعيد العام، والأكثر تفردا وحصرية، هو الفصل السادس وعنوانه "نحو حماس" (1981-1989)، فقد واكب تأسيس حماس وانفجار الانتفاضة الأولى، فقدم قراءة موازية لتأسيس حماس من منظار الإخوان المسلمين في الضفة الغربية، علما أن الضفة وغزة كانتا في مكتب إداري واحد يرأسه القيادي عبد الفتاح دخان.

فبعد أن كانت كل الروايات بلا استثناء تتحدث عن تأسيس حماس في قطاع غزة عبر اجتماع المجموعة الأول (قيل إنهم ستة وقيل سبعة وقيل ثمانية، واختلف الأمر بسبب صفة الحضور كعضو أصيل أو مراقب)، وكان اجتماعهم في 9/12/1987، بعد يوم واحد من حادثة المقطورة التي دهست العمال العائدين إلى غزة من الداخل الفلسطيني.

الفصل الأهم والأكثر تفردا وحصرية هو الفصل السادس، وعنوانه "نحو حماس" (1981-1989)، حيث واكب تأسيس حماس وانفجار الانتفاضة الأولى، وقدم قراءة موازية لتأسيس حماس من منظار الإخوان المسلمين في الضفة الغربية
السؤال المطروح هو لماذا ختم الكاتب مذكراته بالفصل السابع بعنوان "ذكريات في مرج الزهور" (1992-1993)؟ وهو تجربة إجبارية لا يستطيع المشاركون فيها أن يغفلوها، وفيه حكاية الإبعاد، وبعض الحديث عن يومياته الخاصة فيه... ولو لم يحدث الإبعاد، ربما توقف قبل هذا التاريخ أيضا.

وهنا نسأل عن أكثر من خمس عشرة سنة الأخيرة من حياة صاحب المذكرات، مرت بها الكثير من الأحداث، كمجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل والاتفاقات المكملة لأوسلو وتقسيم مناطق الخليل إلى مناطق "H1" و"H2"... والانتفاضة الثانية، والعمليات الاستشهادية والعسكرية الضخمة التي انطلقت من منطقته، وعملية السور الواقي واستشهاد القيادات التاريخية للحركة في فلسطين، واعتقاله في سجون السلطة، والانتخابات البلدية ثم التشريعية (مقاطعتها في 1996، والمشاركة فيها في 2006)، والانقسام الداخلي الفلسطيني، وخصوصا أنه توفي وهو على رأس منصبه رئيسا لمجلس شورى الحركة في الخليل.

في الخلاصة، تكمن أهمية الكتاب في نواح عدة، نختصرها في التالي:

1- شهادة شخصية لبدايات الوجود الإخواني بين أبناء فلسطين، وليس الوافدين.
2- سهولة وسلاسة العلاقة التنظيمية للمنتقلين من أعضاء التنظيم بين الأقطار.
3- تأثير سيد قطب على فكر الجيل المؤسس للمقاومة في فلسطين.
4- إضاءته الجديدة والفريدة على القرار الإخواني في فلسطين بالعمل الجهادي، وتأسيس حماس وإطلاق اسمها، ودور الضفة في هذا القرار.
5- كشفه عن وجهة نظر حماس من الانتفاضة وإدارتها الميدانية ليوميات الانتفاضة، والعلاقة مع الفصائل الأخرى فيها.

باختصار، قدم الكتاب رؤية من الداخل، ومن مطبخ العمل السياسي للإخوان المسلمين في الضفة الغربية، في مرحلة تاريخية مفصلية أثرت على مستقبل الحركة الإسلامية في فلسطين والمنطقة، وأثرت أيضا على مستقبل القضية الفلسطينية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة