من منهاتن إلى بغداد   
الخميس 28/3/1429 هـ - الموافق 3/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:45 (مكة المكرمة)، 9:45 (غرينتش)

عرض/منتصر حمادة
"الفعل هو عسكري وحربي فيما المشكلات التي تكمن وراء الفعل هي ذات جوهر فلسفي وروحي"، وهو ما اجتهد في إثباته المفكر الجزائري محمد أركون، والباحث الفرنسي جوزيف مايلا (مختص في الجغرافيا السياسية) من خلال هذا العمل الهام الذي يحمل عنوان "من منهاتن إلى بغداد.. ما وراء الخير والشر".

-الكتاب: من منهاتن إلى بغداد.. ما وراء الخير والشر
-المؤلف: محمد أركون وجوزيف مايلا
-الصفحات: 280
-الناشر: دار الساقي، لندن
-الطبعة: الأولى/2008

وقد اعتمد المؤلفان على "الدقة الفكرية، وانطلقا من خلال الاحترام المطلق لمعطيات التاريخ والأنتروبولوجيا بما هما نقدا للثقافات ولتعبيرات الواقعة الدينية".

كما نقرأ في تمهيد كتاب لم يتم الحسم في عنوانه النهائي، إلا عقب صدور تصريحات عن الرئيس الأمريكي جورج بوش، يعلن فيها عن حتمية شطب صدام حسين من المشهد السياسي الدولي.

جاء الكتاب موزعا على مقدمة موحدة، حررها محمد أركون، و12 فصلا تتمحور حول علاقة الإسلام بأوروبا والغرب، اعتداءات نيويورك وواشنطن في منظور الشرق والغرب.

وكذلك العنف النظامي وسياسة الأمل، الدولة والحداثة والعنف، التفسير والإيديولوجيا والتاريخ، والنص وتأويلاته، من الفكر القصصي إلى الفكر النقدي، بين سياسة القوة والفكر النقدي.

نقد المركزية الغربية
ونبدأ بالذي حرره جوزيف مايلا، ويتهم العقل السياسي الغربي بتبني منطق "المركزية الغربية" باعتبار أنه يحتل اليوم موقع الذروة في العالم، وذلك من خلال اعتبار الحضارة الغربية حضارة قادرة على الاستغناء عن الحضارات الأخرى، على أن الخطورة، يضيف مايلا، تكمن هنا بالذات في الاكتفاء الذاتي الرمزي الذي يمكنه أن يدفع الغرب إلى النظر إلى الآخر لا باعتباره مكملا لهويته، بل كتهديد محتمل.

بالنسبة لتفكيك تبعات اعتداءات نيويورك وواشنطن، يذهب مايلا إلى اعتبار أن التخمينات والتركيبات الذهنية عن هذه الاعتداءات تكشف عن علاقة ثقافية وفكرية مشعة بالمشكلات بين شرق وغرب ينوآن تحت وطأة تاريخ مثقل بأشكال الحذر وسوء التفاهم.

"
لا يكمن الخطر في انخراط بن لادن وبوش في معزوفة لحقد يجمع بين التبسيط والوحشية تتشكل عند كلا الطرفين, بقدر ما يكمن هذا الخطر في تبسيط التصدعات والخلافات عبر تجذيرها وفي تسويغ كل أشكال العنف
"
وإن تخيل تلك العلاقة المتوترة هو الذي عزا السبب المباشر للحدث إلى دين وثقافة هما الإسلام. أما البعد الآخر الذي تجب مساءلته فهو صلة المشكلة بالجانب السياسي، على اعتبار أن إعادة وضع هذه الواقعة الحديثة في سياقها التاريخي ضمن إطار العالم المنبثق عن فترة ما بعد الحرب الباردة هي تحديد ماهية مركب جغرافي-سياسي ذي حدود إيديولوجية سيئة الترسيم تتصادم حولها اتهامات دائمة ومختصرات دينية.

وكذلك احتجاجات سياسية تضاف إليها من طرف العالم العربي والإسلامي، شبهات بالتآمر الغربي وانطواء على شعور قوي بالتبعية والتهميش الناشئ عن مرحلة ما بعد حرب الخليج، وعلى إحساس مؤلم بالإذلال المتواصل في فلسطين.

لا يكمن الخطر عند مايلا في انخراط بن لادن وبوش في معزوفة لحقد يجمع بين التبسيط والوحشية تتشكل عند كلا الطرفين وتؤجج المشاعر لدى ملامسة موضوعات حساسية قصوى بالنسبة للوعي العربي الإسلامي في هذا الزمن، بقدر ما يكمن هذا الخطر في تبسيط التصدعات والخلافات عبر تجذيرها، وفي تسويغ كل أشكال العنف، وفي خلط الأزمنة والمراحل التاريخية، لشحن فكرة صراع يزعمون أنه فوق الانتماء إلى مكان أو زمن محددين.

والإحالة هنا عند الكاتب على إعلان أسامة بن لادن الصادر في فبراير/ شباط, وما سمي آنذاك بـ"الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين"، فيما يعتبر، برأي مايلا، تصورا مبسطا لحرب يخوضها الإسلام ضد أعداء يتم تحديدهم انطلاقا من انتمائهم الديني، واستطالة لخديعة تتماهى بالحقيقة عبر الزعم بوجود علاقات تناحرية لم يتوقف الإسلام عن إقامتها مع الشعوب الأوروبية والغربية.

أمركة المعقل المحصن
وعلى صعيد آخر مرتبط بنقد أداء الإدارة الأميركية يؤكد مايلا أن الولايات المتحدة اختارت سياسة المعقل المحصن، بعيدا عن أي محاولة لاعتماد سياسة توافقية مع مجلس الأمن، وبعيدا عن اختيار نوع جديد من التفكير حول أمن جماعي متناسب مع التهديد الحالي، وبعيدا عن العمل على تقريب وجهات النظر حول العدل الدولي.

وأخيرا وعلى هامش نقد إيديولوجية تنظيم "القاعدة" لا يتردد مايلا في التأكيد على أن إسلام "القاعدة" ليس على شيء من الإسلام بالنسبة إلى الغالبية العظمى من المسلمين.

 كما اعتبر أن الوهابية تبقى تربة ملائمة لنمو فكر جذري وقتالي، وأن تمويل شبكة بن لادن كان مؤمّنا جزئيا، عن طريق صناديق موصوفة بأنها مبادرات خيرية، والتي كان يملؤها التدين النضالي وتحويلات الزكاة.

ومع ذلك، يضيف الباحث، فإن القول بأن كل ذلك أسهم في صناعة الإرهاب هو من قبيل التحليل السريع جدا، إذ إن شيئا لم يكن ممكنا لو أن الغرب، والولايات المتحدة تحديدا، لم يتآلف بكل تلك السهولة مع حلفاء إسلاميين جذريين بُغية محاربة الشيوعية في أفغانستان.

"
الولايات المتحدة اختارت سياسة المعقل المحصن، بعيدا عن أي محاولة لاعتماد سياسة توافقية مع مجلس الأمن، وبعيدا عن اختيار نوع جديد من التفكير حول أمن جماعي متناسب مع التهديد الحالي، وبعيدا عن العمل على تقريب وجهات النظر إزاء العدل الدولي
"
نحن إزاء يوتوبيا خطيرة في الوقت نفسه قراءة للنصوص المقدسة بقدر ما هي عملية لبناء إيديولوجي يستمد مبرراته من الوقائع السياسية في الفترة الراهنة، مدققا في أهم مطبات حركات الإسلام السياسي، القائمة على استعادة مفاهيم الفكر الإسلامي كما هي في الأساس، مع نسيان ارتباط هذه المفاهيم منذ البداية بنظم لاهوتية أو فلسفية قروسطية متعددة ومختلفة.

ثم إن نقلها إلى السياق الراهن يتم بطريقة يشتهيها الفقه الإسلامي المجهز أداتيا لخدمة أغراض القضية، أي بطريقة القياس.

إن نقد السياسة الغربية عن طريق تقريبها من الحروب الصليبية هو من قبيل الاستخدام السياسي والكفاحي للتشابه نفسه.

أما أركون، فيصف بن لادن، بالجندي التائه الذي لا توجد أي علاقة بين تعبئته العقائدية والتعاليم النبيلة للقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك، فإنه لا يعدو أن يكون حالة خاصة، بمعنى أنه نجح في أن يشكل فُقاعة إيديولوجية إسلامية، من حيث انتفاخها المصطنع، حيث التف حوله جزائريون ومغاربة ومهاجرون في أوروبا وأميركا.

وهم على وجه العموم من الشبيبة المفتقرة إلى الروابط مع الذاكرة الجمعية لجماعاتهم المتحركة في بلدانهم، ومع ذاكرة المزج القصصي الأيديولوجي للمعارك الوطنية في الفترة الواقعة بين العامين 1950 و1960، والأكثر إفقارا إلى الروابط مع الذاكرة التاريخية للبلدان المضيفة لهم في ما يخص أولئك الذين يعيشون في أوروبا وأميركا.

فتصور هؤلاء الشباب الذين يعانون فقدان الهوية جاهز لاستقبال التمثلات التي تجعل من الغرب الشيطان الأكبر، في الدنيا كما في الآخرة، بهدف الانقضاض على الإسلام الذي يحمل الخلاص.

ثم إن الجهاديين لا يعيرون أي انتباه للاعتبارات العقائدية أو لتعزيز الوعي الإسلامي، فهم لا يمتلكون المؤهلات الضرورية ولا حتى مجرد فضول المؤمنين الذين يحترمون البحث عن المعنى في دين تقلّص ليكون وظيفة واحدة، تنشيط مخيال الجهاد ضد عدو منبن بشكل كامل بواسطة أفكار مسبقة وغير عقلانية.

 ليس المهم عندهم صياغة أحكام الشرع عن دراية ولا صياغة تشريح الحرب المسمّاة الجهاد، ولا توعية الروحية أو الأخلاقية انطلاقا من مجموعات النصوص التقليدية الكبرى، أو من مجموعة نصوص الفكر والمعرفة الحديثين.

(يناقض أركون نفسه كثيرا في مواقف عدة من هذا الكتاب، من قبيل التأكيد مثلا على أن إسلام طالبان لا يمثل نقيضا للإسلام الأصيل الذي يقدمه القرآن والأحاديث النبوية والشريعة).

غوانتانامو من دون عراقيين
"
كل شيء يجعل نظام طالبان في أفغانستان مختلفا عن نظام البعث في العراق، من البُنى السياسية والصلة بالحداثة ودور الدين إلى النظرة إلى التاريخ وموقع الثروة الأثرية
"
وفي معرض نقض خطاب التضليل الذي روج بخصوص ما سمي علاقة العراق بتنظيم "القاعدة"، يجمع المتدخلان في الفصل الأخير من الكتاب على أنه من سخرية الأقدار أننا لا نجد عراقيا واحدا بين ما يقرب من 600 من أسرى الحرب الأفغانية المعتقلين في معتقل غوانتانامو.

إضافة إلى أنه لا شيء يربط قبليا بين المسارات التاريخية والإيديولوجية والسياسية لتكوّن السلطتين الأفغانية والعراقية كل شيء يجعل نظام طالبان في أفغانستان مختلفا عن نظام البعث في العراق، من البنى السياسية والصلة بالحداثة ودور الدين إلى النظرة إلى التاريخ وموقع الثروة الأثرية.

وبالنظر إلى هذه الفوارق، فإن إرادة الجمع بين "القاعدة" والعراق في وثيقة اتهام واحدة لا تمت إلى التحليل بصلة.

تلك الإرادة تعبر، بالأحرى، عن خيال يجمع في تصور كثيف ومتشابك بين الأخطار والتهديدات، بين أسلحة الدمار الشامل وعمليات الانتحاريين الإسلاميين، اللهم إن كان الاتصال الحقيقي بين منهاتن وبغداد هو اتصال المصالح واتصال مصالح أمنية للإدارة الأميركية.

من جهته يرى أركون أن النقاش المأمول حول النقد الذاتي الضروري لجميع الفعاليات لجهة الاستخدام الأدواتي للإسلام، إن من قِبل الدول أو من قبل الحركات الإسلامية المعارضة، لم يكن موجودا بالفعل في مختلف الكتابات التي تلت فترة الاعتداءات.

وأضاف أنه باستثناء المسيحية الغربية نجد أن الأديان السماوية هي بدرجات متفاوتة مخطوفة أو مفرغة من أصدائها الروحية لتستخدم أدوات لإضفاء الشرعية على أنظمة سياسية وحركات إسلامية معارضة، تحميها بشكل صارخ أو تديرها بشكل وقح القوى نفسها التي اكتشفت فجأة قدرتها على الأذى، كما هو جلي في حالة اعتداءات نيويورك وواشنطن.

 وفي هذا المقام لا ننسى اليهودية المنخرطة بقوة في الصراع، عبر وسائل معروفة، من أجل استعادة الأرض التي وعد بها الله شعبه المختار.

وكعادته لا يمل أركون من تكرار خطابه القديم الجديد، ومفاده أن المجتمعات الإسلامية أخذت بأسباب التحديث، على مستوى التنظيمات البيروقراطية مع استبعاد إمكانيات ووسائل استيعاب الحداثة الفكرية والعلمية.

فطالب النخب العربية، وبعد نصف قرن من ممارسة السلطة، بأن تفتح باب كشف حساب نقدي لوضع حد نهائي لخطاب تبرئة الذات حول موضوعات الاستعمار الجديد والإمبريالية والعدوان الثقافي من قبل الغرب، وحد نهائي لأوهام بناء الهويات الوطنية، وللإثراء الفضائحي للفئات المتحصنة في جزر مريحة ومحمية من الاجتياحات الخاطفة من قِبل الجماهير "الخطرة" المتروكة بين أشكال العزاء الديني والانجراف الإرهابي.

مأساة مبرمجة تاريخيا
نترك مسك الختام لمحمد أركون، الذي يرى أولا أنه من غير المجدي أن يحاكم ميلوسوفيتش أو بينوشيه أو أن يدان النازيون وأن يؤسر بن لادن وأن يُطارد كل من يدعمون الإرهاب أو يدعون إليه، إذا لم يعترف بالأسباب المباشرة البعيدة لمنطق الحرب وللفلسفة التي يقوم عليها هذا المنطق، وإذا ظلت هذه الأسباب غير مفكر فيها من جديد، وفوق ذلك، أقل استبعادا داخل القوى الكبرى نفسها.

"
مأزق الحضارة الغربية يكمن في تبني خطاب الاستغناء عن الحضارات الأخرى، وبالتالي النظر إلى الآخر لا باعتباره مكملا لهويته، بل باعتباره تهديدا محتملا
"
إننا، يضيف أركون، نكاد نعيش مأساة مبرمجة تاريخيا وسياسيا، متمنيا أن يبادر كبار أصحاب الضمائر الحية في أيامنا إلى استلام الكلام، وبأن ينطلق خطاب سياسي مرتكز على الأمل وأن يكون مقترنا ببرنامج عمل مباشر لإطفاء الحرائق الكثيرة المستعرة في العالم منذ 1945.

مثل هذه الاستجابة يمكن استمدادها من فضيلة سياسية ذات مغزى عميق في التقليد العربي-الإسلامي: إنها فضيلة الحِلم، أي التخلي الطوعي عن حق الدم وعن الحق في القصاص من قبل الجهة التي تمتلك كامل القدرة الضرورية لتوجيه ضربات انتقامية دون أن تكون مضطرة إلى العمل في الخفاء.

وفيما يشبه تزكية لأطروحات المفكر السوري خالص جلبي، يضيف أركون أنه في هذه الحالة -يقصد تبني خيار الحِلم-، يتحول العدو إلى ولي حميم، لأنه يرى في الحِلم تعبيرا عن الصفح الجميل، مع علمه بأن أي رد عنيف سيعرضه للعار والمذلة، مستحضرا طبعا دلالات عدم لجوء غاندي إلى العنف ورد نيلسون مانديلا على ثقافة التمييز العنصري، وذلك بخلاف ثقافة الغرب التي تبني لنفسها العدو لكي تسوغ المواجهة المباشرة معه.

لا يمتلك الجهاديون المؤهلات الضرورية للبحث عن المعنى في دين تقلص ليكون وظيفة واحدة، تنشيط مخيال الجهاد ضد عدو منبن بشكل كامل بواسطة أفكار مسبقة.

يكمن مأزق الحضارة الغربية في تبني خطاب الاستغناء عن الحضارات الأخرى، وبالتالي النظر إلى الآخر لا باعتباره مكملا لهويته، بل باعتباره تهديدا محتملا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة