كيد مرتد   
الثلاثاء 1426/9/23 هـ - الموافق 25/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:09 (مكة المكرمة)، 16:09 (غرينتش)
يتحدث مؤلفا كتاب "كيد مرتد.. فشل القيادات في الانتفاضة الثانية" عن فشل الزعامات الفلسطينية والإسرائيلية في توجيه الشارعين الفلسطيني والإسرائيلي نحو حقيقة الصراع الدائر على أرض الواقع.
 

- الكتاب: كيد مرتد.. فشل القيادات في الانتفاضة الثانية
- المؤلف: ربيب دروكر/ عوفر شيلح
- عدد الصفحات: 430
- الناشر: كيتر للنشر، القدس
- الطبعة: الأولى 2005

وتكمن أهمية الكتاب في أنه يتحدث عن الزعامتين بشكل صريح وثري بالمعلومات، كون مؤلفيه صحفيين في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، وربما اطلعا على كثير من دهاليز السياسة في الجانبين.
ويصف الكتاب ما يجري على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية من خسائر للطرفين بأنها كانت كبيرة والإنجازات قليلة، ولم يكن أحد من الزعماء مدركا لطبيعة الصراع ومحاسبة نفسه بصورة علنية.
الزعامة الفلسطينية
وفيما يتعلق بالزعامة الفلسطينية يستشهد الكاتبان بأقوال الوزير نبيل عمرو من خلال رسالته التي وجهها إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في سبتمبر/أيلول 2002 بعد سنتين من اندلاع الحرب، والتي عدد فيها أخطاء الزعامات الفلسطينية التي أدت بالجماهير الفلسطينية إلى كارثة.
 
وينقل المؤلفان عن الوزير عمرو أنه تساءل في الرسالة قائلا "ألم نرقص عقب السماع عن فشل محادثات كامبد ديفد؟ ألم نمزق صور الرئيس كلينتون الذي وضع بشجاعة اقتراح الدولة الفلسطينية مع تغييرات حدودية صغيرة؟".
 
"
الخسائر الفلسطينية والإسرائيلية خلال الانتفاضة كانت كبيرة للطرفين، والإنجازات قليلة، ولم يكن أحد من زعمائهما مدركا لطبيعة الصراع أو مستعدا لمحاسبة نفسه بصورة علنية
"
ثم قال "نحن لسنا واقعيين لأننا اليوم وبعد سنتين من سفك الدماء نطلب بالضبط ما رفضناه في ذلك الوقت مع أننا نعتقد بأنه من غير الممكن الحصول على ذلك، فكم مرة وافقنا على اقتراحات بالحل وبعد ذلك رفضناها لنعود مرة أخرى لنوافق عليها؟".
 
"وكم مرة طلب فيها منا أن نفعل شيئا عندما كان باستطاعتنا عمله، ولكن لم نفعل شيئا؟ وبعد ذلك وعندما لم يكن الحل بمتناول اليد تجولنا في أنحاء العالم على أمل القبول مرة أخرى بما اقترح علينا. وهنا يجب علينا أن نعلم أنه ما بين الرفض والقبول فإن العالم قد تغير ليعود ويقترح علينا شروطا أخرى لم نكن نحلم بها، فقد فشلنا في توجيه المسيرة التاريخية التي نحياها".
 
ويصف الكتاب أقوال الوزير عمرو بأنها شجاعة وجريئة وأنه لم يخش أحدا، وقد دفع ثمنها في صيف 2004 بعد أن تعرض لعملية اغتيال من مجهول وعلى ما يبدو من قبل رجال عرفات وأصيب على أثرها بجروح خطيرة.
 
ويتحدث أنه بعد أسبوعين من نشر هذه المقالة رجعت قوات الجيش الإسرائيلي إلى المقاطعة في رام الله، وهدمت 15 مبنى وأبقت عددا قليلا من الغرف للرئيس عرفات، هي فقط التي قضى بها بقية أيامه في ظل أجواء من الاحتلال والإذلال من جانب، والإرهاب من جانب آخر.
 
وحول رسالة عمرو يقول الكاتبان إن من المناسب الإشارة إلى أن رسالته فريدة لأنها تشكل صوتا منفردا، فبعد خمس سنوات تقريبا من الحرب التي حصدت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي وأكثر من ثلاثة أضعافهم من الفلسطينيين، فإن كلا الطرفين غارق في نوم عميق إلى درجة أنه لم يفكر أو يخطر ببال أحد أنه في سبتمبر/أيلول 2000 أصبح المجتمع الفلسطيني منكوبا، جائعا، وبعيدا عن الوصول إلى تطلعاته نحو الاستقلال.
الصورة الإسرائيلية
"
الجماهير الإسرائيلية اعتقدت خاطئة أو مضللة من زعمائها أنه تم اقتراح كل شيء على الفلسطينيين ولم يقبلوا، ما أدى إلى الاشمئزاز من هذا الشريك ودفع إلى توفير غطاء لتفكيك السلطة
"
ويشير الكاتبان إلى أن إسرائيل بينما تستعد للانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة، كانت تواصل إنشاء الجدار الفاصل الذي سيكون الجزء الكبير منه في الضفة الغربية، وفي ذات الوقت تتعرض لضغوط دولية بقيادة أميركية من أجل الوصول إلى دولة فلسطينية تكون حدودها قرب حدود 1967.

ويستعرضان في كتابهما أقوال كل من وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر الذي ادعى خلال أيام الانتفاضة الأولى أن الشرق الأوسط بحاجة إلى المزيد من جولات سفك الدماء قبل أن يستطيع التوصل إلى حل.
 
وأيضا أقوال نائب رئيس الأركان الإسرائيلي موشي يعالون الذي قدر المواجهة خلال أيامها الأولى قائلا "إن أساس عمل هؤلاء الزعماء كان في منح وتوريث القصص لشعوبهم وليس بتوجيه المسيرة التاريخية من أجل جني الحد الأقصى من النتائج بأقل الخسائر، وإن المتهم بهذا الأمر هم الزعماء".
 
ويوضح المؤلفان أن هذا الشعور بالفشل والإحباط قد دفع الجماهير الفلسطينية للتظاهر في سبتمبر/أيلول 2000 لأن زعماءهم لم يخبروهم عن حقيقة الاقتراح الإسرائيلي الأميركي في كامبد ديفد.
أما الجماهير الإسرائيلية فقد اعتقدت خاطئة أو مضللة من زعمائها أننا -الإسرائيليين- اقترحنا على الفلسطينيين كل شيء ولم يقبلوا، ولذلك ليس هناك من نتكلم معه، وهذا الأمر أدى إلى الاشمئزاز من هذا الشريك الفلسطيني، ما دفع إلى توفير غطاء ودعم نحو تفكيك السلطة، لكن أحدا لم يتحدث عن أن البديل ليس النصر ولكن هو الفوضى والإرهاب.
 
ويرى المؤلفان أن الطرفين آمنا بالحرب وتطلعا إلى السلام، وهذا التناقض دعم الجهتين بالتعنت، وعلى أرض الواقع كان اليأس والغضب والرغبة في الانتقام، فبعد نحو أربعة آلاف من الضحايا رجعنا إلى نقطة البداية وإن لم يكن قبل نقطة البداية.
عرفات والفشل الفلسطيني
"
رغم الأموال التي تدفقت على عرفات فقد عزز من النزاعات الداخلية والفساد، وإيجاد منظمات متنافسة تقتات من يديه، بدل الاهتمام والعمل على إنشاء قاعدة وبنية تحتية للدولة
"
هنا يتحدث المؤلفان عن إثم عرفات الكبير الذي كان بالذات تجاه أبناء شعبه وهذا ما يتنافى مع الزعامة، فخلال سبع سنوات ومنذ أن رجع من تونس لم يعمل شيئا من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المنظورة، وفق رأيهما.
وتابعا بالقول إن عرفات لم ينشئ مؤسسات فلسطينية ذات صلاحية ولم ينشئ مؤسسات خدماتية اجتماعية ولم يستغل الأموال الطائلة التي تدفقت إلى السلطة لإنشاء قاعدة وبنية تحتية تحسن من حياة الشعب الفلسطيني وتحيي فيه الأمل.
 
ويتهمان عرفات بأنه عزز من النزاعات الداخلية والفساد، وإيجاد منظمات متنافسة تقتات من يديه، بدل الاهتمام والعمل على إنشاء قاعدة وبنية تحتية للدولة، فمنذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وحتى سبتمبر/أيلول 2000 استلم الفلسطينيون أكثر من خمسة مليارات دولار كمساعدات دولية، حيث تبرعت الولايات المتحدة وحدها بنحو مليار دولار في هذه الفترة.
 
وعرفات لم يستغل هذه المساعدات لإنشاء هيئات اقتصادية وخدماتية تحسن من حياة الفلسطينيين، ولم ينشئ مصادر عمل مستقلة تقلل من الاعتماد على العمالة في إسرائيل، الأمر الذي تسبب في اندلاع المواجهة وإغلاق الحدود والانخفاض الحاد في مستوى حياة الفلسطينيين.
 
ويواصل المؤلفان اتهام عرفات بالفساد قائلين "إن هذه الأموال استخدمت كوسيلة للسيطرة في يد الرئيس فقد وزعها للمقربين له من رجال ومنظمات، وحافظ على مبالغ طائلة لنفسه، ولم يقم بإنشاء أنظمة حكومية ديمقراطية مسؤولة".
 
أما أجهزة السلطة وأجهزة حركة فتح فلم يهتم القائمون عليهما بأحوال الشعب الفلسطيني حيث إنهم لم يجروا أي انتخابات ولم يهتموا بالأحوال العامة.
وعلى الصعيد الخارجي فيرى المؤلفان أن عرفات لم يكن أهلا للمسؤولية، واستخدم الاحتلال الإسرائيلي كتبرير لعدم استطاعته وعدم تحمل الالتزامات، باستثناء الفترة القصيرة لما بعد العمليات الكبيرة في بداية العام 1996 ولم يتصادم مع منظمات الرفض، ولم ينشئ كيانا ذا سلطة تمارس القانون، وأدى فشل زعامته إلى بعث روح اليأس.
 
"
القيادة الإسرائيلية تتحمل جزءا من الفشل الذي حصل على الواقع، حيث إنها لم تف بجزء كبير من وعودها، وهذا خطأ كبير تجاه مسيرة أوسلو
"
فشل الزعامات الإسرائيلية

يرى المؤلفان أن القيادة الإسرائيلية تتحمل جزءا من الفشل الذي يحصل على الواقع، حيث إنها لم تف بجزء كبير من وعودها، وهذا خطأ كبير تجاه مسيرة أوسلو، وأكبر من أي خطأ في أي مرحلة أو أي اتفاق. وخلاصة هذا الاتفاق كان في المسيرة والتطبيق المرحلي وليس في النتائج النهائية، فقد كان من المقرر أن يتم كسر حواجز عدم الثقة بين الجانبين وإيجاد حركة متقدمة لا يستطيع أحد أن يرجعها إلى الوراء.
 
ولكن حتى إسحق رابين الزعيم الإسرائيلي الذي اخترق هذا الطريق إلى المسيرة السلمية قد سوق السلطة الفلسطينية على أنها ليست دولة ووجودها وازدهارها حيوي لكلا الطرفين، لكن سلطة متعاونة تعمل كل ما تريده إسرائيل، وتحارب الإرهاب دون اللجوء إلى محكمة العدل العليا ومنظمة حقوق الإنسان، ففي الدولة العصرية يوجد محكمة عليا وحقوق إنسان وإسرائيل لم ترغب في مثل هذه الدولة في المناطق المحتلة.
وبعد ذلك اتهمت إسرائيل عرفات بالفساد وتشجيع الإرهاب فعرفات لم يكن "بن غوريون"، ولكن إسرائيل لم ترغب في "بن غوريون" ولكن أرادت متعاونا.
 
ويتابع مؤلفا الكتاب "في المقابل واصلت إسرائيل بنشاط بناء المستوطنات التي كان من الواضح أنها تتناقض مع أي اتفاق دائم فعندما وقع اتفاق أوسلو كان يعيش في المناطق 120 ألفا من السكان الإسرائيليين، وعندما اندلعت الانتفاضة وصل العدد إلى 240 ألفا وهذا ما دفع الفلسطينيين إلى الاعتقاد بأن إسرائيل لا تنوي التخلي أبدا عن الاحتلال".
 
ويوضحان أن الزعماء من الطرفين كذبوا على شعوبهم، فعرفات علم أن حق العودة لن يتحقق أبدا بعودة اللاجئين بشكل كامل إلى بيوتهم، وزعماء إسرائيل علموا أنه ليس هناك شيء كهذا، فالقدس موحدة بيد إسرائيل إلى أبد الآبدين، ولكن أحدا لم يؤلف القلوب على الهدف الحقيقي للحل النهائي بين الشعبين، ولم يعمل أحد من أجل تغيير الصورة المسكوكة للعبة، حيث يكون الربح الأكيد لجانب والخسارة للجانب الآخر، ولم يقل أحد للفلسطينيين عن مدى أهمية اقتراح باراك-كلينتون بالنسبة لهم، ولم يقل أحد للإسرائيليين ما قالوه لباراك قبل كامب ديفد وأن عرفات لن يقبل بهذا الاقتراح، وأكثر ما سعت إليه الزعامتان هو التخطيط للحرب التي تحققت وليس السعي إلى السلام.
 
"
القيادة الإسرائيلية تتحدث الآن عن الفرصة الإستراتيجية لتغيير الوضع والخروج من المواجهة الدامية، إلا أنه لا يوجد أحد متشجع لإعلان هذه النهاية
"
فشل كامب ديفد

ويرى الكاتبان أن باراك قد تنبأ بفشل مؤتمر كامب ديفد حيث قال "ستندلع المواجهة وبعد ثلاثة آلاف قتيل سنعود إلى نفس النقطة ويجب عمل أي شيء من أجل منع الحرب وتقليل الخسائر إلى أقل مستوى ممكن، وهذا هو الأمر الذي ميز سلوكيات الجانبين منذ سبتمبر/أيلول 2000 وصاعدا. ومن عدة نقاط للتغيير والأزمة عمل الجانبان انطلاقا من طبيعتهما وخوفهما ورغبتهما القديمة في النصر، فقد أطال زعماء الطرفين زمن الحرب بدل أن يزرعوا الأمل لإنهائها.
 
وحسب المؤلفين فقد أخطأ باراك خطأ فادحا، وهو عدم الإمكانية في العودة إلى نفس النقطة بالضبط، ففي صيف 2005 كانت السلطة الفلسطينية مفككة وكانت حماس هي القوة الصاعدة في المجتمع الفلسطيني، ورغم تصفية مسؤولي الحركة من قبل إسرائيل -وربما بسبب ذلك- فقد انتعشت الحركة الإسلامية "المتطرفة" في ظل هذه الحرب كقوة بارزة ومن وجهة نظر الفلسطينيين أيضا هي المنتصرة.
وفي إسرائيل بدأت نفس الجهات التي وصفت الحرب بأنها مبادرة مخطط لها وشيطانية من قبل عرفات، تدعي أن وجود الأخير محبط لأي أمل للتسوية، وحذرت هذه الجهات إسرائيل من أنها بحاجة إلى الاستعداد لزيادة نمو "حماستان" في المناطق المحتلة، وهذا أيضا من نتائج قرارات وقصور زعماء إسرائيل السياسيين والعسكريين.
ويقول الكاتبان إن "باراك وشارون وموفاز ويعالون وديختر نقلوا إسرائيل خلال المواجهة الفريدة الصعبة والمعقدة، فقد تطلعوا بالوصول إلى الدولة ومواطنيها إلى وضع جيد في النهاية، لكن ذلك لم يحدث".
وينتهي الكتاب إلى صيف 2005 حيث يشير إلى أن القيادة الإسرائيلية تحدثت عن الفرصة الإستراتيجية لتغيير الوضع والخروج من المواجهة الدامية، ولكنه يوضح أنه لا يوجد أحد متشجع لإعلان هذه النهاية.
ويبرز المؤلفان رأيا يقول إنه إذا ما حصلت جولات أخرى من العنف فستكون أكثر صعوبة ودموية من سابقاتها، حيث يعتبران كتابهما محاولة لتوضيح نقاط الخلل من أجل عدم حدوث هذا الخطأ في الحرب القادمة. 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة