الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر   
الخميس 1427/6/24 هـ - الموافق 20/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:44 (مكة المكرمة)، 10:44 (غرينتش)

خاص-الجزيرة نت
على مدى ثلاثة عقود ونيف من الزمن، وبالضبط منذ أن قام الرئيس أنور السادات بإخراج الجن من القمقم بحسب التعبير الشهير لمحمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب" الذي يؤرخ فيه لهذا الخروج، ظلت الحركات الإسلامية المعاصرة وبشتى فروعها، موضوعا للدراسة وميدانا لإذكاء مزيد من الانطباعات السلبية.

وعلى الرغم من الاحتكار الأمني لموضوع هذه الحركات، حيث بقيت في معظم الأقطار العربية رهنا بالرؤية البوليسية الأمنية التي تقوم بالتفتيش عنها واعتقالها، فإن واقع الخطاب العربي المعاصر وبالأخص في جانبه التقدمي المؤدلج، راح وفي فترة مبكرة من عقد السبعينات من القرن المنصرم، يدفع ببعض الدراسات التي تهتم بالواقع السوسيولوجي لهذه الحركات، من حيث هي حركات ريفية تعج بها الأحياء الفقيرة في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن المصرية.

- الكتاب: الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر
- المؤلف: تركي علي الربيعو
- عدد الصفحات: 272
- الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

خطاب أزمة
وراح البعض ومنهم الباحث المعروف محمد أركون يذكي انطباعات تتكامل مع الرؤية السابقة، مفادها أن الأصوليين مرضى عصبيون ينفع معهم التحليل النفسي، لأن من شأن التحليل النفسي الذي طبق في مجال الرواية والأدب أن ينفع في تحليل سيكولوجية الإنسان المقهور عند الحركات الإسلامية.

وراح البعض يطالب بالحجر على قادة الجماعات الإسلامية ودراستهم من منظور الإنسان العصبي والأبحاث التي أجريت عليه.

يحتج الباحث الربيعو على هذا النوع من التحليلات التي لا تزيد عن كونها انطباعات عاجلة وأيديولوجية تقوم على نفي الآخر الأصولي واستبعاده، مع أن أصحاب الخطاب العربي المعاصر في وجهه التقدمي لم يملوا، على طريقة الأميركيين، من القول بأنهم من دعاة الديمقراطية.

ولذلك فإن الفصل الأول من الكتاب يقوم بتشخيص عيوب الخطاب التقدمي العربي ونقاط ضعفه، من محمود أمين العالم إلى سمير أمين إلى محمد أركون مرورا بالعديدين الذين ما ملوا من تكرار نفس المقولات البائدة، والنظر إلى الحركات الإسلامية التي تحقق على أرض الواقع نجاحات باهرة والتزاما بالنهج الديمقراطي، من خلال ما سمّاها الباحث الفرنسي جيل كيبل بـ"النظارات السميكة" التي يحتفظ بها معظم التقدميين في سترتهم.

من الخطاب التقدمي العربي الذي هو بكل المعايير خطاب أزمة كما يرى الربيعو أو خطاب فضيحة في قراءته لظاهرة الحركات الإسلامية، إلى خطابات النخبة المفكرة، حيث يقف المؤلف عند خطابات محمد عابد الجابري وفؤاد زكريا ورضوان السيد ومحمد جابر الأنصاري، ليلمح فارقا.

ففي الوقت الذي أذكى فيه أستاذ الفلسفة فؤاد زكريا مجموعة من الانطباعات المضحكة عن الحركات الإسلامية وعن الإسلاميين (لباسهم وطريقة إرسال شعورهم) وهي انطباعات لا تليق بكاتب الفلسفة أو الفيلسوف الذي يحتكم إلى النظر العقلي، فإن الجابري في تاريخه لنشوء هذه الحركات في المغرب لم يخرج عن إطار العقلية التآمرية.

وهنا يلفت نظرنا المؤلف إلى رؤية رضوان السيد وكذلك المفكر الخليجي محمد جابر الأنصاري في قراءاتهما المختلفة للظاهرة في سياق الأزمة التي تجتاحها الأمة ككل، والتي تجعل من الخطاب العربي المعاصر بشتى فروعه خطاب أزمة، لنقل أيضا خطاب محاصر يبحث عن مخرج من عنق الزجاجة التي وضعته فيه ما سمّاها الروائي عبد الرحمن منيف بـ"دولة شرق المتوسط".

من هنا نفس مساعي الأنصاري إلى مراجعة أفكاره في إطار مساءلته للهزيمة كما تضمنها كتابه الصادر مع بداية الألفية الجديدة والمعنون بـ"مساءلة الهزيمة 2001" حيث ترتد الظاهرة من وجهة نظره إلى كونها ظاهرة مركبة تحتاج إلى أن نبتعد جذريا عن المقاولات المؤدلجة السائدة التي تفسر نشوء هذه الحركات من منظور سوسيولوجي أو سيكولوجي.

"
عناوين كتب نبيل عبد الفتاح تشي بحضور استشراقي لأن "المصحف والسيف والوجه والقناع والنص والرصاص" عناوين تنطوي على إدانة شديدة للظاهرة الإسلامية وللدين الإسلامي
"
استشراق جديد
تتميز جمهورية مصر العربية عن بقية الأقطار العربية، بأنها سعت في عقد التسعينيات من القرن المنصرم إلى تشكيل مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية الذي شمل نشاطه الحركات الإسلامية كموضوع للدراسة والفكر، دون أن يكون امتيازا أمنيا.

وقد وظف المركز في هذا الإطار مجموعة من الباحثين، من مشارب شتى في دراسة الظاهرة، فاحتلت دراسات الباحث المصري نبيل عبد الفتاح الواجهة، خاصة أن عناوينها لافتة للنظر فهناك "المصحف والسيف" و"الوجه والقناع" و"النص والرصاص".

وقد توجت هذه الكتب بـ"تقرير الحالة الدينية في مصر" في جزأين وهو صادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية في الأهرام الذي شارك فيه عدد كبير من الباحثين برئاسة نبيل عبد الفتاح.

من وجهة نظر المؤلف، فإن عناوين كتب عبد الفتاح تشي بحضور استشراقي لأن "المصحف والسيف والوجه والقناع والنص والرصاص" عناوين تنطوي على إدانة شديدة للظاهرة الإسلامية وللدين الإسلامي.

لا، بل إنها تستقي معظم بواعث التعبير من رؤيتها من زاوية رؤية استشراقية لا تزال تستبطن الكثير من التحليلات التي يسوقها كبار المستشرقين عن الإسلام والمسلمين والتي باتت معتمدة من البيت الأبيض كما هو الحال بشأن انطباعات برنارد لويس الذي بات أبا روحيا ومرشدا فكريا وسياسيا لمعظم الإنشاءات التي تكتب عن العرب والمسلمين عموما.

بل إن تقرير الحالة الدينية في مصر يمثل انحيازا للأقباط على حساب المسلمين، وما يثير الاستغراب هو أن تقرير الحالة الدينية يشير إلى أن الحالة الدينية في مصر وفي متنها الحركات الإسلامية، لا تزال من قبيل المجهول المعرفي.

والسؤال الذي يطرحه الربيعو، هو أنه إذا كانت هذه الحركات من قبيل المجهول المعرفي، فكيف يستقيم الحال مع كثرة هذه الانطباعات التي تنهل من رؤى استشراقية وأيدولوجية عفا عليها الزمن؟

هذا ما ينطبق بدقة على الفصلين الرابع والخامس، ففي الفصل الرابع الذي يدور حول التكامل بين القراءة السوسيولوجية والقراءة الاستشراقية، يرى الربيعو أن القراءة السوسيولوجية التي يطبقها محمد حافظ ذياب على سيد قطب، على الرغم من النجاحات التي تحققها في تشخيصها للخطاب القطبي (نسبة إلى سيد قطب) وهو سبق مهم في هذا المجال، فإنها تظل في النهاية تتكامل مع الخطاب الاستشراقي الذي يحصر الإسلام في الخيمة والبداوة، بالريف والأحياء الفقيرة التي شكلت مرتعا للخطاب الإسلامي.

والأهم أنها سرعان ما تنزلق إلى حدود الإدانة، حيث يظهر سيد قطب على أنه من أصول هندية، وأنه لا يزيد عن كونه ممثلا للإسلام الأعجمي، وهنا يصبح الباب مفتوحا للمفاضلة بين الإسلام العربي المنفتح والإسلام الأعجمي الذي تجاوزه الزمن.

إنها حجج باهتة عفا عليها الدهر ولا تحتكم إلى أرض الواقع وذلك على الرغم من رفع راية الواقعية التي يحتكم إليها الخطاب الحداثي.

"
ما يحكم قراءة حامد أبو زيد هي رؤية سياسية أيدولوجية تقوم على استبعاد الآخر ونفيه، فكل الإسلاميين سواسية في نظره، المعتدل منهم والراديكالي، الذي يقوم بمراجعة مفاهيمه أو ذلك الذي يرفض هذا النهج
"
خطاب مشاكس
أما الفصل الخامس الذي يجعل من قراءة نصر حامد أبو زيد موضوعا له، فهو يرى أن قراءة أبو زيد للخطاب الديني هي نموذج للقراءة الأمنية والأيدولوجية في آن واحد، وقد يكون ذلك مستغربا من باحث كبير مثل نصر حامد أبو زيد.

ولكن القراءة المتأنية لخطاب أبو زيد، تبين أن ما يحكم قراءته هي رؤية سياسية أيدولوجية تقوم على استبعاد الآخر ونفيه، فكل الإسلاميين سواسية في نظره، المعتدل منهم والراديكالي، الذي يقوم بمراجعة مفاهيمه أو ذلك الذي يرفض هذا النهج.

يقول أبو زيد الذي يرفع شعار "الواقع أولا والواقع ثانيا" إن "التكفير يمثل بنية الخطاب الديني المعتدل منه والمتطرف على السواء، غاية الأمر أنه واضح معلن في خطاب المتطرفين كامن خفي في خطاب المعتدلين". بل إنه يذهب إلى القول إن التكفير هو جوهر الخطاب الديني.

يظهر خطاب أبو زيد عند الربيعو على أنه عينة من خطاب مشاكس، يقوم على نفي الآخر والاشتباه به، فالآخر الإسلامي تكفيري حتى تقوم الساعة، وهو يرفض كل المراجعات التي تقوم بها الحركات الإسلامية وهذا هو ديدن الكثير من الخطابات العلمانية التي ما ملّت من رفع رايات التنوير.

من هنا نفسر مساعي أبي زيد إلى قراءة جديدة لمفهوم النص في محاولة منه لسحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين الذين لا يزالون يحتكرون فهم النص القرآني.

ولكن الربيعو يرى أن العدة الفكرية التي لازمت قراءة أبو زيد للنص القرآني هي عدة مغلولة تنتمي إلى مادية ماركسية تجاوزتها العلوم الإنسانية الحديثة في قراءتها للنصوص المقدسة، وبالتالي فإن موقف أبو زيد لا يزيد عن كونه كساع إلى الهيجا بغير سلاح.

الفصل السادس من الكتاب الذي يجعل من جدلية الدين والسياسي موضوعا له، يكمل النهج الذي يسير عليه المؤلف.

فثمة تجاذب سياسي حاد بين الإسلاميين والعلمانيين، الأولون يرفضون الدولة الدهرية التي تعادي الدين وبخاصة الدين الإسلامي، حيث يرى هشام جعيط من موقعه كباحث مستقل أن وظيفة الدولة العربية حماية الدين، أما الدهريون فما انفكوا يطالبون بإصلاح ديني يجعل من الدين كائنا متحفيا.

ما يلحظه المؤلف على التيار العلماني هو أن هذا التيار الذي كثيرا ما يحتكم إلى الواقع وإلى شعارات وطنية، ظل محكوما بإرادة عدم معرفة في قراءته لواقع التجربة الإسلامية ولتاريخ الإسلام ولتاريخ الحركات الإسلامية.

ولذلك فقد تحول إلى خطاب أصولي يتخفى وراء شعارات أيدولوجية متخشبة عفا عليها الزمن، خطاب ديدنه وضع العربة أمام الحصان، وهذا ما يفسر تراجعه وانكماشه في الزمن الذي تقدمت فيه الحركات الإسلامية إلى الأمام.

"
هناك أهمية لكل رؤية للإسلام السياسي تأتي من داخله أو خارجه في آن واحد، شرط أن تكون محكومة بإرادة معرفة لا بالأيدولوجية السائدة التي تزكم الأنوف بانطباعاتها الساذجة التي تقوم على قاعدة من نفي الآخر
"
الإسلام وما بعد 11/9
ثمة فصل في الكتاب جدير بالاهتمام كغيره، ولكنه لافت للنظر إذ يبحث في "الإسلام السياسي في خطاب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول".

يرى المؤلف أن الكتابات التي طالت الإسلام السياسي بعد الحادي عشر كانت كتابات تحريضية تهدف إلى جب الإسلام جملة، فهناك من يرى استنادا إلى قراءة عجلى لبواكير التجربة الإسلامية في صدر الإسلام، أن منهج التكفير يعود إلى زمن حروب الردة في عهد الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق (عبد الإله بلقزيز).

وهناك من كتب من زاوية رؤية غربية تحريضية عن "أوهام الإسلام السياسي" كما فعل الباحث عبد الوهاب المؤدب الذي يرى أن الأصولية الإسلامية هي بيت الداء لكونها أصولية محكومة بهاجس الخوف من الغرب وحسده النموذجي. وهذا ما يجعل من خطاب زعمائها نموذجا للهذيان المتبادل المعادي للغرب وهو يستدل على ذلك بخطابات حسن البنا.

لا يعني هذا أن كل خطابات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تقع في نفس السوية، فثمة قراءات جادة أخرى لا تحصر التجاذب بين الشرق والغرب وبين الأصولية والغرب، بل ترى أن تيار الإسلام السياسي المعولم يندرج بحق في إطار حركات اجتماعية جديدة معادية للإمبريالية.

يركز الربيعو على أهمية المراجعات التي يقوم بها الخطاب الإسلامي لمفاهيمه ومنها مفهوم الجاهلية والحاكمية، وهو يثمن عاليا قيمة هذه المراجعات التي من شأنها أن تدفع إلى نضج هذا التيار كتيار سياسي يستطيع أن يحتكم إلى تجربة الديمقراطية.

وهو يرى في ذلك بداية الخروج من زمن الفتنة، ومن هنا دعوته الإسلاميين في الفصل الأخير إلى الخروج من عنق الزجاجة ومن زمن الفتنة والانفتاح على العصر والأخذ بقيمه.

ومن هنا أيضا أهمية كل رؤية للإسلام السياسي تأتي من داخله وخارجه في آن واحد، شرط أن تكون محكومة بإرادة معرفة لا بالأيدولوجية السائدة التي تزكم الأنوف بانطباعاتها الساذجة التي تقوم على قاعدة من نفي الآخر مع أن تعريف الديمقراطية البسيط هو الاعتراف بالآخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة