لماذا تقتل يا زيد؟   
الخميس 21/3/1429 هـ - الموافق 27/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:24 (مكة المكرمة)، 12:24 (غرينتش)

عرض/نبيل شبيب
لا يستهان بقيمة الشهادة التي يطرحها هذا الكتاب مع مرور العام الخامس على احتلال العراق، إذ تصدر عن سياسي وإعلامي وخبير، يحمل شهادة الدكتوراة في القانون الدولي، وكان قد درس في جامعات ميونيخ وبون وباريس، وشغل لزمن طويل موقع الناطق لشؤون التنمية والرقابة على التسلح باسم كتلة الحزب المسيحي الديمقراطي في المجلس النيابي الاتحادي بألمانيا، حيث كان نائبا بين عامي 1972 و1990م.

- الكتاب: لماذا تقتل يا زيد؟
- المؤلف: يورغن تودنهوفر
- الصفحات: 336
- الناشر: دار نشر بيرتلسمان، ميونيخ
- الطبعة: الأولى/2008

وقد اشتغل الكاتب في الإعلام عبر دار نشر بوردا الكبرى منذ عام 1987م، وهو يشغل منصب نائب المدير العام فيها حاليا.

يضاف إلى ذلك أن الكاتب د. يورغن تودنهوفر، الذي يُعد من المنصفين الغربيين، لم يكن ككثير من السياسيين الذين يتحدّثون عن بُعد عن قضايا دولية عديدة، فتقتصر رؤاهم على منظور مواقعهم هم وسياسات بلادهم.

فقد كان حريصا على زيارة المناطق التي يكتب عنها، والاحتكاك المباشر بمن يتحدث عنهم، لا سيما ممن يمثلون "الطرف الآخر" بمن فيهم من أساء الإعلام الغربي في عرض صورتهم إساءات كبيرة، وكانت أولى رحلاته إلى أفغانستان عام 1980م أثناء الاحتلال الشيوعي السوفيتي، وزارها كما زار العراق بعد الاحتلال الأميركي.

وكتابه هذا حصيلة زيارة مدينة الرمادي غربي بغداد، ومعايشته للمقاومين فيها بصورة مباشرة، ولقاءاته مع عدد كبير منهم، فهو ينقل بدقة ما دار من أحاديث، وما تولد لديه من قناعات وانطباعات، ويضيف إلى ذلك ما لديه من معلومات وفيرة عن حقيقة الحرب الجارية، ليطرح موقفه القاطع فيها، لا للحروب الأميركية.

كتاب على نحو آخر
فور صدور كتابه الجديد في النصف الأول من مارس/آذار 2008 اتخذ مكانه مباشرة في المرتبة 13 و14 بين أكثر الكتب المبيعة وفق القائمتين الأشهر في ألمانيا، لمجلتي دير شبيغل وشتيرن، ولا يستبعد صعوده إلى مرتبة متقدمة في الأسابيع القادمة، لا سيما بعد أن استضافت الكاتب محطات تلفزيونية عديدة، بما في ذلك المجلة الصباحية المشتركة بين القناتين الأولى والثانية.

عنوان الكتاب "لماذا تقتل يا زيد"؟ وهو عنوان أخذ حيزا بحدود ثلث حجمه (124 من أصل 336 صفحة) وفيه يتناول المقاومة في العراق بصورة مباشرة.

ويبدو الكتاب بمجموعه مختلفا عن سواه حتى من النواحي الشكلية، فهو لا يتناول موضوعا واحدا، بل مواضيع عدة، ولكنها تدور جميعا حول محور واحد، يتلخص في رفض الحروب الأميركية ورفض ما يُطرح لها من تعليلات، مع التأكيد على الواقع المأساوي وعلى الضحايا من وراء تلك الحروب، إضافة إلى رفض كثيرٍ ممّا يقال عن الإسلام والمسلمين في الحملة المرافقة لتلك الحروب.

من البداية يكتسب الكتاب علامته المميّزة عبر مقدمته المطوّلة (زهاء ثلاثين صفحة) وقد وسمها الكاتب بـ"مقدّمة على نحو آخر: بحثا عن الحقيقة".

وهنا يتحدّث عن خلفية المقاومة الحالية عن طريق طرح صورة موجزة للعامل التاريخي العربي والإسلامي، لا سيما ما شهدته الحقبة الاستعمارية الغربية، كما يتحدّث عن رحلاته هو إلى عدد من البلدان، ولا سيما الأخيرة إلى الرمادي في العراق التي يعتبر الكتاب حصيلة لها.

وقد أورد في المقدمة -بأسلوب أقرب إلى الروائي منه إلى التحليلي- عددا من الردود على ما يقال عن الإسلام والمسلمين في الغرب، مستخلصا تعليلها بأنّ الجهل بالإسلام والمسلمين منتشر على نطاق واسع للغاية بين غالبية الغربيين، مقابل انتشار المعرفة بالغرب حتى على المستويات "الشعبية" بين العرب والمسلمين.

"
الفتنة بين الشيعة والسنة ليست فتنة محلية، بل الذي أشعل أوارها عمليات استهدفت ذلك مباشرة
"
وفي المقدمة أيضا اعتبر الكاتب أنّ رحلته الأهم كانت عبر ترجمة القرآن الكريم، ويلخّص ما وصل إليه بقوله: "لم أقرأ كتابا أكثر إثارة وقدرة على استخدام الكلمات مثل العهد القديم (التوراة) ولا كتابا ينشر إحساس المحبة بين أوراقه مثل العهد الجديد (الإنجيل) ولا قرأت كتابا حافلا بروح العدالة في طيّاته مثل القرآن، الذي يخترق بإبداعه البلاغي حتى الحاجز الذي تصنعه الترجمات الضعيفة لنصه العربي".

ويضع الكاتب بذلك عنصر العدالة عنصرا مميزا للنص القرآني، مقابل عنصري الإثارة والمحبة في التوراة والإنجيل كما يراهما.

وتجد هذه العبارة تفسيرا لها في أكثر من ستين صفحة من الفصل الأخير من الكتاب، غير ما ضمّه من ملاحق توثيقية تضيف الكثير إلى القيمة الذاتية للكتاب.

وقد أعطى الفصل الأخير عنوان "الإنجيل والقرآن" فضم استشهادات عديدة، يعبر عن غايته منها بقوله "اخترت مواضع من الإنجيل والقرآن كثيرا ما أسيء استخدامها في الاستشهاد بها، وتتناول قضايا محددة هي العنف والنساء والرقيق، ويظهر لنا فيها كم نحن بحاجة إلى الموضوعية في مناقشاتنا".

وقبل الدخول في صلب موضوع الكتاب وفق عنوانه، نلاحظ أيضا عودة الكاتب في جزء لا بأس به (حوالي خمسين صفحة) إلى ما سبق أن طرحه في كتب سابقة، دارت محاورها حول الحروب الأميركية في المنطقة العربية والإسلامية أيضا، فعنوان أحد الفصول: ما مصير عبدول وتانايا.. وما مصير أسرتي آندي ومروة؟

كلمة عبدول تعني عبد الله أو عبد الرحمن وسواهما مما يبدأ بكلمة عبد بالعربية، وقد اعتاد كثير من الألمان على طرح الاسم على هذا النحو.. وفي هذا الفصل متابعة لِما سبق أن طرحه المؤلف في كتاب له عام 2003 بعنوان (من يبكي على عبدول وتانايا.. ضلالات الحرب الصليبية ضد الإرهاب) مؤكدا أن ما صنعته الحرب الأميركية على أفغانستان، كان قتل ضحايا أبرياء، وزرع بذور مزيد من الإرهاب في وقت واحد.

وفي الفصل نفسه متابعة لما سبق أن طرحه المؤلف في كتاب آخر عام 2005، مركزا فيه على موقع "الضحايا" في حرب لا جدوى منها، وكان الكتاب بعنوان (آندي ومروة.. طفلان وحرب) وكلمة طفلان تعني هنا أنهما دون مستوى الوعي بالحرب وحقيقة أهدافها، وكانا في سنّ النشأة الأولى من الشباب، وهما جندي أميركي شاب قتل في العراق وفتاة عراقية قُطعت قدمها وقُتلت أختها في الحرب نفسها، ولم يجتمعا معا قط، ولكن جمع بينهما كونهما من ضحايا الحرب.

تبرئة المقاومة وإدانة الاحتلال
الفصل المحوري من الكتاب "لماذا تقتل يا زيد"؟ يثبت مشروعية المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي، مع تبرئتها من الخلط بينها وبين عمليات إرهابية، إضافة إلى نقد التغييب الإعلامي لحقائق ما يشهده العراق.

وربما أراد الكاتب أن يحدّد المغزى من هذا الفصل إذ وضع في صدارته ترجمة الآية القرآنية {..مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..} المائدة 32.

واتبع الكاتب في تبرئة المقاومة أسلوبا روائيا يجعل كتابه مؤثرا على العامة من القراء، الذين تقتصر معرفتهم على ما تطرحه وسائل الإعلام، فهو يطرح عليهم روايات عديدة من مشاهداته المباشرة ومن أحاديثه المباشرة مع شباب المقاومة ومع من يدعمها من السكان، وهي من التفصيل والموضوعية مع إضافة شيء من الشرح والتعليل عند الحاجة، بحيث تجعل من العسير على من يقرأ الكتاب ألاّ يقتنع بما أراد الكاتب تثبيته.

وهذا هو ما يسري على ما كان يطرحه في اللقاءات التلفزيونية ويجد تصفيقا حادّا وتأييدا واضحا من جمهور الحضور.

الخوف الذي صنعته الاعتداءات والممارسات الأميركية مطروح من خلال مواقف عديدة، أحدها على لسان الشاب المقاوم زيد، عندما رفض في البداية أن يتحدث بالتفصيل عن قصته وسبب انخراطه في المقاومة "لماذا تقتل يا زيد"؟ فأجاب قبل أن تتوطّد أسباب الثقة بينه وبين "الزائر الصحفي الألماني" بقوله: "لن أخبرك بشيء، أم تريدني أن أذهب بنفسي إلى غوانتانامو وأبعث بأسرتي إلى أبو غريب"؟

"
العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين لا تزيد على 5% من أصل مائة عملية يوميا، ولكن وسائل الإعلام تنشر الكثير عن تلك الـ5% وتتجاهل سواها، كما أن  95% من ضحايا أكثر من مائة غارة أميركية يوميا مدنيون، ولا يتكلم الإعلام إلا عن الـ5% التي تصيب المقاتلين
"
تجنب إصابة المدنيين أمر يطرحه الكاتب في مواقف عديدة أخرى، من بينها ما يرويه أبو زيد عن ابنه، عندما زرع عبوة ناسفة، وانتظر ساعتين حتى وصلت مصفحة أميركية إلى مقربة منها، ولكن في اللحظة نفسها اقترب مدني عراقي مسنّ، فامتنع عن تفجير العبوة الناسفة، وأتى رفاقه وهو شديد الحزن والألم، فاحتضنوه وأيدوا قراره كأمر مفروغ منه.

سبب الانخراط في المقاومة العراقية بعد رفض استخدام العنف دام سنتين بعد دخول الاحتلال، يتحدّث عنه زيد، بأسلوب بسيط مؤثر، وهو يروي مشاعره أمام رؤية المروحيات الأميركية تهدم المساجد على من فيها في بغداد والرمادي، ثم عندما سقط أخواه وعمه ضحية لغارة أميركية عشوائية، فلم يعد زيد يمارس عملا من أعمال المقاومة، إلا وأجساد الضحايا وحطام المساجد أمام عينيه المليئتين بالدموع.

كما يطرح الكاتب عبر أحاديث مماثلة، قضايا أخرى، يكملها بسرد وقائع من مجرى الحرب، مثل رفضه الاقتناع بأن الحدود السورية "تسهّل" تسلل عناصر مسلحة أو أسلحة، وكان قد دخل بنفسه عبر الحدود قادما من دمشق إلى الرمادي.

وكذلك رفض القول إن الفتنة بين الشيعة والسنة فتنة محلية، بل الذي أشعل أوارها عمليات استهدفت ذلك مباشرة، ولم تكن من صنع المقاومة العراقية التي يميز بينها وبين عمليات إرهابية تستهدف المدنيين في الأسواق والشوارع والمساجد وفي المناسبات الدينية وغيرها، فجميع ذلك لا يعدو أن يكون 5% من أصل معدل وسطي لعمليات المقاومة في حدود مائة عملية يوميا.

ولكن وسائل الإعلام تنشر الكثير عن تلك الخمسة في المائة، وتتجاهل سواها، وهو ما يمثل المقاومة المشروعة الحقيقية للشعب ضد الاحتلال.

ويقابل ذلك كما يؤكد الكاتب أن القوات الأميركية ترتكب يوميا أكثر من مائة غارة وعملية مداهمة وغيرها، ويسقط المدنيون ضحايا لأكثر من 95%، ولا تصيب أحدا من المسلحين "المقاومين أو الإرهابيين" إلا في حدود أقل من 5%، فيركز عليها الإعلام ولا ينقل ما يكفي عن حقيقة الضحايا من المدنيين.

وعندما يسأل الكاتب المقاوم العراقي أبا باسم عن مستقبل وجود "القاعدة" في العراق إذا ما انسحب الأميركيون، يأتي الجواب واضحا وقاطعا: "لقد جاءت الفوضى مع الأميركيين وسترحل برحيلهم، إن الانسحاب السريع قد يسيء لأميركا ولكن ليس للعراق".

ومن المقولات التي ينقضها الكاتب ما ينتشر في الإعلام عن استهداف المسيحيين في العراق، فيأتي ذلك على لسان الشاب المقاوم يوسف الذي تحدث عنه وعن المقاومة التي يمارسها طويلا، ثم كانت عبارات يوسف واضحة الدلالة وهو يقول: "قل لأناسك في ألمانيا، ليس المسلمون وحدهم الذي يمارسون في العراق المقاومة ضد الولايات المتحدة الأميركية، بل المسيحيون أيضا.

فنحن نريد الحرية، نريد التحرر من قوات الاحتلال الغربي، ومن مجموعات الإرهاب الغربي، نحن نريد ذلك أيضا، نحن المسيحيين" ويوسف أحد المقاومين المسيحيين العاملين مع المسلمين في المقاومة الشعبية العراقية.

"
جميع التعليلات التي أوردها الأميركيون لحرب الاحتلال كانت تعليلات كاذبة منذ البداية، وكل حديث عن إرهاب تواجهه القوات الأميركية حديث معكوس، والقليل من الأنشطة الإرهابية ظهر في العراق بعد أن فتح البطش العسكري الأميركي الباب أمامها
"
كتاب شاهد على الجريمة
قد يشوه الاختصار الشديد الانطباع العميق الذي يتركه هذا الفصل على القارئ الألماني، فأسلوب السرد القصصي مع الاستشهادات المفصلة، لا يقبل الاختصار، إنما لا يفسح المجال للحديث عن جميع من تحدّث الكاتب عنهم في الرمادي، وجسدهم تجسيدا حيا ومؤثرا في الكتاب، وكان منهم كثيرون غير من ذُكرت أسماؤهم.

ويختلط الحديث عن مواقف المقاومين بحديث الكاتب وحديثهم عن حياتهم اليومية الحافلة بالمشاهد الإنسانية التي تقربهم من القارئ وتعطيهم "القيمة البشرية الطبيعية" لدى من لم يعرف "أهل العراق" و"المقاومين فيها" سوى في صيغة خبر يتحدّث عن جرائم من يرتكب عمليات القتل، وأرقام تذكر عدد الضحايا أحيانا.

الكتاب شاهد من شواهد عديدة لم تعد تنقطع في الكتابات الغربية عموما، وليس في ألمانيا تخصيصا، عن حقيقة أنّ جميع التعليلات التي أوردها الأميركيون لشن حرب الاحتلال كانت تعليلات كاذبة من البداية، وأنّ كل حديث عن إرهاب تواجهه القوات الأميركية حديث معكوس، والقليل من الأنشطة الإرهابية ظهر في العراق بعد أن فتح البطش العسكري الأميركي الباب أمامها، ولم يكن لها وجود من قبل.

ولا يبقى بعد الاطلاع على الكتاب شكّ في أن الاحتلال لن يستقر في العراق، ومدينة الرمادي بالذات شاهد على ذلك، وقد أصبحت بعد تدمير الفلوجة عام 2004 هي المعقل الأول للمقاومة -وليس الوحيد- وشهدت معارك لم تنقطع لأكثر من عامين بين قوات الاحتلال وبين المقاومين فيها، وكانت الحصيلة ما نقلته صحف أميركية نشرت وثائق لوزارة الدفاع من عام 2006 تؤكد أنه قد "استحالت السيطرة على الرمادي".

من يقرأ هذا الكتاب مع بداية العام السادس للاحتلال، ويسمع قول الرئيس الأميركي بوش الابن يقول إن الأهداف الأميركية تتحقق في العراق، لا يملك سوى القول: الأهداف إذن هي اغتيال العراق والإنسان العراقي.

الجدير بالذكر أن للكتاب موقعا على الشبكة العنكبوتية مخصصا له باللغات الألمانية والإنجليزية والعربية، ويقول المشرفون عليه ساعة كتابة هذه السطور، إن القسم العربي لم يكتمل بعد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة