الفلسطينيون داخل الخط الأخضر   
الأحد 1429/10/20 هـ - الموافق 19/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 20:12 (مكة المكرمة)، 17:12 (غرينتش)

عرض/غازي دحمان
قليلة هي الدراسات التي نشرت عن الأقلية العربية داخل الخط الأخضر، وقد حاول الباحث رصد ما أمكن عن الحراك الاجتماعي والسياسي والديموغرافي والاقتصادي للأقلية العربية.

وقد سعى نبيل السهلي في بحثه هذا المتكون من مقدمة وستة فصول للإجابة عن أسئلة مهمة حول تلك الأقلية من قبيل نسبة تمثيلها في الكنيست وحجم حراكها السياسي، والتحولات الديموغرافية والتطورات الاقتصادية التي واكبت وجودها في أرضها.

- الكتاب: الفلسطينيون داخل الخط الأخضر
- المؤلف: نبيل السهلي
- الصفحات: 120
- الناشر: دار صفحات، دمشق
- الطبعة: الأولى/2008

التوزيع الجغرافي
يؤكد الباحث أن عدد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر بلغ حسب الإحصائيات الإسرائيلية عام 2004 مليونا ومائتين وثمانمائة وخمسة آلاف فلسطيني، منهم أكثر من 80% من المسلمين.

ولا تعد الأقلية الدرزية وفق التصنيفات الإسرائيلية في هذا الإطار، وتتركز غالبيتهم في منطقة الجليل شمال فلسطين المحتلة حيث مدينة الناصرة هي عاصمة تلك المنطقة.

ويكشف السهلي أن التوزيع الجغرافي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر يعكس سياسة سكانية إسرائيلية واضحة، فقد استأثرت منطقة الشمال الفلسطيني -التي تضم منطقة الجليل بأكمله وعكا وسهل بيسان وصفد ومرج بن عامر- بنحو 55% من إجمالي الفلسطينيين داخل الخط الأخضر خلال عامي 2000 و2004 بعد استبعاد سكان القدس الشرقية الذين يصل عددهم بحسب الجهاز الإحصائي الفلسطيني في رام الله إلى 210 آلاف عام 2003.

ويوضح أن مدينة عكا في الجليل تضم 31% من المجموع العام للسكان الفلسطينيين، وفي مقابل ذلك يتركز في منطقة حيفا 18.6% ويضم لواء حيفا كلا من مدينة حيفا والخضيرة، في حين استحوذت المنطقة الوسطى التي تضم اللد والرملة ووادي عارة نحو 11.8%، في حين استحوذت منطقة تل أبيب على 3%.

أما اللواء الجنوبي الذي يضم عسقلان وبئر السبع فقد استأثر بنحو 11.6% من إجمالي الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

ويشير الباحث إلى أن سكان القرى قد شكلوا الأعوام الأخيرة نحو 71.7% من إجمالي الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ويسكنون 104 قرى فلسطينية بينما يشكل سكان المدن المقدار الباقيِ، إذ يعيش نصفهم في مدينتين فلسطينيتين هما الناصرة وشفا عمرو، والنصف الأخر يتوزع في المدن المختلطة عكا ويافا وحيفا واللد والرملة.

ويشكل البدو 10% من إجمالي السكان الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، نصفهم في النقب والنصف الباقي في منطقة الجليل الفلسطيني.

"
الفلسطينيون في إسرائيل يمنعون من العمل في الصناعات الإستراتيجية خاصة العسكرية، بالإضافة إلى منعهم من العمل في أقسام التخطيط الحكومي على مستوى مؤسسات الدولة
"
النشاط الاقتصادي
في مجال النشاط الاقتصادي، يؤكد السهلي أن مجموع القوة البشرية بين الفلسطينيين بلغ 628 ألفا عام 2004 منهم 37.5% من ذوي النشاط الاقتصادي، وهو مقدار متدن مقارنة بكثير من المعدلات في الدول المتطورة والنامية على السواء.

ويشير إلى أن مرد ذلك هو التركيبة السكانية التي تتسع فيها قاعدة الهرم المتمثلة في الأطفال الذين يصل عددهم إلى 40%، الأمر الذي يعكس ارتفاع حجم الإعالة إلى نحو أربعة أشخاص.

وكذلك تؤدي مستويات مشاركة المرأة العربية المتدنية أصلاً في النشاط الاقتصادي دورا أساسيا في انخفاض معدلات النشاط السكاني، مقارنة بإجمالي السكان العرب داخل الخط الأخضر.

ويقدر الباحث، بناء على معطيات المجموعة الإحصائية الإسرائيلية من قسم قوة العمل، أن 49% من مجموع قوة العمل الفلسطينية في إسرائيل تعمل في قطاعات الزراعة والصناعة والبناء الإسرائيلي، في حين تستحوذ القطاعات الأخرى على 51% وهي الخدمات العامة والخاصة والتجارة وغيرها.

وينبغي العلم أن الفلسطينيين يمنعون من العمل في الصناعات الإستراتيجية خاصة العسكرية، بالإضافة إلى منعهم من العمل في أقسام التخطيط الحكومي على مستوى مؤسسات الدولة.

ونقلاً عن المصادر السابقة ذاتها، يؤكد الكاتب أن 65% من القوة الفلسطينية داخل الخط الأخضر تعمل في أعمال يدوية، و10% فقط منهم تعمل بالمهن الأكاديمية والإدارية و8% في الإدارات الحكومية ولكن بعيداً عن أي قسم من أقسام التخطيط.

التهميش الاجتماعي
يؤكد السهلي أن الأقلية الفلسطينية في إسرائيل تعيش وضعا اقتصاديا واجتماعيا يختلف اختلافاً جذرياً عن مثيله لدى الأغلبية اليهودية، نتيجة التمييز العنصري الذي تقوم به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طوال سنوات الاحتلال.

ويظهر ذلك بشكل فاضح في التمييز في مخططات الإنفاق وخاصة الضمان الصحي والاجتماعي.

وقد أدت السياسات الإسرائيلية ضد الأقلية الفلسطينية إلى سد طريق التحديث الاجتماعي لهذه الأقلية وذلك بفقدانها المدينة الفلسطينية مما جعلها تعيش على هامش المدن اليهودية، خاصة أنه تم نزع صفة المجتمع الريفي عن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر ولم يعرفوا من الحداثة إلا الحداثة اليهودية بصورة هامشية في مستويات الحياة المختلفة.

لقد فقد المجتمع الفلسطيني في إسرائيل نخبه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبذلك خسر أهم ركائزه، وأصبح يواجه على نحو يومي تحديات خطيرة تتمثل في عملية أسرلة ممنهجة؛ أي عملية تفكيك المجتمع الفلسطيني والقضاء على هويته الوطنية.

"
القانون الإسرائيلي لا يسمح لحزب فلسطيني بخوض المعركة الانتخابية للكنيست إذا كان برنامجه السياسي لا يعترف بكون إسرائيل دولة الشعب اليهودي
"
الدور السياسي
يشير الباحث في هذا الإطار إلى أن القانون الإسرائيلي لا يسمح لحزب فلسطيني بخوض المعركة الانتخابية للكنيست إذا كان برنامجه السياسي لا يعترف بكون إسرائيل دولة الشعب اليهودي.

وكمثال على ذلك يوضح السهلي أنه إذا كان برنامج الحزب السياسي يصر على وجوب تعديل قانون العودة وإلغائه لكونه يميز ضد الأقلية الفلسطينية، فلن يسمح له بخوض المعركة الانتخابية، وعليه لا يستطيع حزب فلسطيني يريد المشاركة في المعركة الانتخابية أن يطالب بالمساواة الكاملة بين الفلسطينيين واليهود في برنامجه السياسي.

وتعتمد إسرائيل في هذا الأمر على قرارها رقم 7 في لائحة القوانين التي أقرها الكنيست، ويؤكد السهلي أن الأقلية الفلسطينية والأحزاب المنبثقة عنها تمثل بأقل من مقدراها ووزنها في برلمان الكيان الصهيوني.

وعلى نحو عام تتمحور الشعارات الحزبية لدى كل الأحزاب الفلسطينية رغم اختلافاتها الأيديولوجية، في إطار المصور الحزبي الصهيوني حول ضرورة تحسين الظروف المعيشية والصحية والتربوية للأقلية الفلسطينية داخل الخط الأخضر من خلال زيادة حجم الموازنات المخصصة للمناطق ذات الأكثرية الفلسطينية وكذلك للسلطات الفلسطينية.

ولا يقتصر الدور السياسي للفلسطينيين داخل إسرائيل في إطار الأحزاب الفلسطينية، إنما يتجاوزها إلى الدور الفلسطيني في انتخابات الكنيست عموما، حيث يذهب جزء من أصوات الناخبين الفلسطينيين إلى الأحزاب الإسرائيلية في اليسار والوسط حسب موقفها من المفاوضات مع السلطة الفلسطينية.

عموما يستخلص السهلي في إطار الدور السياسي الفلسطيني داخل إسرائيل جملة من النتائج، منها أن الأحزاب الفلسطينية ليس لها نفوذ بشأن اتخاذ القرارات كما أنها لم يصل أي من ممثليها إلى السلطة التنفيذية.

غير أن الباحث يؤكد أن هذه الأحزاب رغم كل شيء تبقى ذات شعبية عالية بين الجمهور الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وقد اتضح ذلك من خلال انتفاضة عام 1987، وانتفاضة الأقصى التي استشهد خلالها 13 فلسطينيا من داخل الخط الأخضر على يد الجنود الإسرائيليين.

"
مستقبل فلسطينيي عام 1948 مرهون بالحركة السياسية للأحزاب الفلسطينية في إسرائيل، وإن كان الحل يكمن في انطلاقة حقيقية لفكرة دولة ثنائية القومية
"
نظرة مستقبلية
يحاول السهلي استشراف رؤية مستقبلية لفلسطينيي عام 1948، ويحدد في هذا الإطار جملة من التحديات التي تواجههم والتي سيكون لها الدور الأكبر في تشكيل مستقبلهم داخل إسرائيل.

ومن هذه التحديات:
1- استمرار السلطات الإسرائيلية في التضييق على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، سواء بمصادرة المزيد من أراضيهم أو هدم منازلهم بحجة الترخيص.

2- استمرار السلطات الإسرائيلية في محاولة شق الصف الفلسطيني باختراع مصطلحات مختلفة توحي بوجود أقليات مختلفة في الداخل، لا أقلية فلسطينية لها أهداف مشتركة.

3- إبقاء السلطات الإسرائيلية الأبواب مفتوحة لمحاولة استمالة بعض الطوائف إليها خاصة الدرزية، في وقت عبر فيه شباب كثير من تلك الطائفة عن رفضهم الخدمة في الجيش الإسرائيلي.

4- ستحاول السلطات الإسرائيلية تهويد ما تبقى من أراضي النقب جنوب فلسطين المحتلة، وبذلك سيبقى الصراع مفتوحا على الأرض، وسيسجل التاريخ انتفاضات متكررة للحفاظ على الأراضي الفلسطينية والمطالبة بالعودة إلى الأراضي التي احتلها الجيش الإسرائيلي.

ويوضح الباحث في هذا الإطار أنه مع الهامش السياسي الضيق الذي لدى فلسطينيي 1948، فإن فكرة (ترانسفير) ضد الأقلية الفلسطينية ما زالت تعشعش في أفكار القادة الصهاينة، وهو ما اتضح خلال مؤتمر هرتزليا عام 2003.

ويشير إلى بعض الآراء التي تقول إن مستقبل فلسطينيي عام 1948 مرهون بالحركة السياسية للأحزاب الفلسطينية بإسرائيل، في حين يرى آخرون أن الحل يكمن في انطلاقة حقيقية لفكرة دولة ثنائية القومية.

عموما يسلط الكتاب الضوء على الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، والتحديات التي تواجهها بفعل السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تهميش تلك الأقلية في المستويات المختلفة والانقضاض على هويتها العربية عبر الأسرلة.

ولقد نجح الباحث في تفكيك صور المعاناة التي تلاحق الأقلية الفلسطينية منذ النكبة الكبرى عام 1948. وفي وقت تسعى فيه المؤسسات الإسرائيلية إلى تعميم فكرة يهودية الدولة، يتزايد الفلسطينيون بمعدلات كبيرة حتى أصبحوا رقماً حقيقياً في الجغرافية السياسية الناشئة بعد عام 1948.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة