الإسلام والدولة   
الأربعاء 1426/10/21 هـ - الموافق 23/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:20 (مكة المكرمة)، 10:20 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يناقش الكتاب إشكالية الوصل أو الفصل بين الدين والدولة، وهي قضية في نظر المؤلف تعتبر من أهم وأخطر المشكلات أو القضايا الدينية الثقافية السياسية الاجتماعية التي تواجه المجتمعات الإسلامية، وكذلك الأفراد من مثقفين وسياسيين، وحاكمين ومحكومين، لأنها إشكالية تمس كيان الفرد وجوهر شخصيته، وكذلك كيان الأمة.

- الكتاب: الإسلام والدولة
- المؤلف: سالم القمودي
- عدد الصفحات: 224
- الناشر: مركز الانتشار العربي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2005

الإسلام والسياسة
مصطلح فصل الدين عن الدولة مصطلح غربي لا علاقة له بالإسلام، ولذلك يجب أن يعرض مصطلح الفصل بين الدين والدولة من خلال الواقع التاريخي الثقافي الاجتماعي الذي ظهر فيه، بعد الوقوف على حقيقة هذا الواقع، وعلى مدى الاختلاف والتباين الشديدين بينه وبين واقعنا الثقافي الاجتماعي الذي نعيش فيه.

فلا وجه للمقارنة بين الأوضاع التاريخية الثقافية السياسية الاجتماعية للمجتمعات الأوروبية التي ظهر فيها هذا المصطلح وبين الأوضاع التاريخية الثقافية الاجتماعية السياسية للمجتمعات الإسلامية.

لما ساءت الحال في أوروبا في القرون الوسطى، و بلغ الظلم والاستبداد بالمخلوقات مبلغا لم يبلغاه في أظلم عصور التاريخ القديم، ثار الناس على هذه الأوضاع فنادى مارتن لوثر بالإصلاح الديني واتبعه الكثير من الناس.

لهذا نشأ المذهب البروتستانتي وكان من آثاره رغبة الشعوب في التحرر من سلطان الملوك، وقامت الثورات ومنها الثورة الفرنسية، فنادى المفكرون والحكام بفصل أمور الدين عن أمور الدنيا.

إن الإسلام كشريعة ومنهاج يختلف عن غيره من الرسالات والشرائع السابقة عليه بما يتضمنه من أنساق للعلاقات والمعاملات بين الناس ومن قدرة على التشريع لقيادة الحياة العامة في المجتمع المسلم وبما يقرره من أحكام وقواعد ومعايير تؤسس للاجتماع السياسي وتجعل من الشورى مبدأ أصيلا من مبادئ الحكم في المجتمع المسلم، تجذر الأخوة والمساواة، وتقيم العدل بين الناس وتنشر الإحسان بينهم.

وهذا ما يجعل للإسلام مكانة خاصة به دون غيره من الرسالات عند الكلام عن الوصل أو الفصل بين الدين والدولة، أو عند الحديث عن علاقة الدين بالسياسة في الإسلام أو عند الحديث عن دور الدين في الحياة العامة للمجتمع المسلم، فهو الدين الخاتم، الجامع، المهيمن ، المحفوظ، الخالد، العالمي.

الإسلام دين وليس سياسة، ولكنه دين يؤسس للسياسة فيضع لها من المبادئ والأحكام والقيم والمعايير ما يمكنها من إقامة المجتمع السياسي على أسس وقواعد تحقق له الوحدة والقوة والعزة والمنعة وتقيم الأخوة والمساواة بين أفراده والعدل بين الناس.

فالقرآن نزل من أجل إرساء أنساق الحلال والحرام، والخير والشر، والحق والباطل، والفجور والتقوى، والصلاح والفساد، ومن أجل تأصيل و تجذير مبادئ الأخوة والمساواة والعدل وحرية الرأي والشورى ليوجه من خلال ذلك الأفعال الاجتماعية، ويشكل الأطر العامة للتوجه السياسي للمجتمع.

بل هو الذي يحدد أحيانا طبيعة الفعل السياسي أو يوجه إليه، بما يضعه من مبادئ دينية أخلاقية سياسية، تفرض أشكالا من التعامل دون غيرها في مواقف معينة، كالتعامل مع الدول والمجتمعات الأخرى ووضع مبادئ السلم والحرب، وطرق معاملة الأسرى ووضع الاتفاقيات والمواثيق والعهود.

لذلك فإن العلاقة بين الدين والدولة لم تنفصم في يوم من الأيام، قد تضعف، و قد لا تكتمل ولكنها لا تنفصل ولا تنفصم.

ولم تكن العلاقة بين الدين والدولة مثار تساؤل ولم يكن هناك أحد يتوقع في المجتمع المسلم أن تقوم سلطة أو نظام أو أن تؤسس دولة دون أن تكون موصولة بالدين، ودون أن تكون في خدمة الدين، ودون أن تعمل على تحقيق مقاصد الدين في المجتمع.

"
لم ينص القرآن على نظام محدد للمجتمع من حيث أداة الحكم وطرقه، بل ترك ذلك للناس ولاجتهادهم، ولم يضع أحدا حجة على غيره يفرض كيفية معينة أو نظاما دون آخر
"
بناء الدولة
السلطة المطلقة أو الحكم المطلق شأن إلهي يختص به الله وحده لا شريك له فهو الآمر الناهي وهو الحق الحكم العدل، ومع ذلك هناك حكم جزئي أو سلطة سياسية اجتماعية (في الواقع الإرادي)، الواقع الذي سخره الله للإنسان وأمره بإعماره، وهو تخويل من الله سبحانه وتعالى للناس أجمعين ليلتئم شملهم وينتظم أمرهم، والمستخلفون في هذا الحال مسؤولون عن تنفيذ هذا التخويل.

لم ينص القرآن على نظام محدد للمجتمع الجديد من حيث أداة الحكم والطرق، بل ترك ذلك للناس ولاجتهادهم، ولم يضع أحدا حجة على غيره يفرض كيفية معينة أو نظاما دون آخر.

لكن التجربة السياسية التاريخية أو الإلزام التاريخي غير المحكوم بنص لبناء السلطة السياسية أو لاختيار نوع النظام السياسي أو لاختيار أداة الحكم، محكوم بحكم التطور التاريخي نفسه للفكر الإنساني السياسي الاجتماعي وكذلك محكوم بحركة الإنسان في الواقع السياسي الاقتصادي الثقافي الاجتماعي المتغير، وبقدرته على تطوير آلياته وأدواته السياسية وطرائقه التي يتوصل إليها تنظيم المجتمع وبناء الدولة.

بناء الدولة كآليات أو كمؤسسات وهيئات وهياكل سياسية أو إدارية أو شعبية أو مهنية هو ما يجب أن يخضع للتطور التاريخي، ويحكمه تقدم المجتمعات وتطور المعارف والعلوم من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة ومن مجتمع إلى مجتمع.

هذه الآليات تنشأ وتتحقق في المجتمع بحسب الحاجة إلى مثل هذه المؤسسات، بل إن هذه الحاجة كثيرا ما تدفع إلى ظهور آليات ومؤسسات جديدة يمكن أن تسهم بشكل أكثر فعالية في تنظيم المجتمع.

والإناء بما فيه ينضح، لأنه محايد وما فيه هو ما يظهر عليه، وكذلك آليات الدولة، كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات الديمقراطية والسياسية، فهي مؤسسات محايدة في ذاتها، ولذلك لا يجوز أن نحكم عليها بالحلال والحرام أو بأنها موافقة للدين أو متعارضة معه إلا من خلال استخدامها، وما يوضع فيها من أفكار وقضايا للنقاش، بل من خلال ما يصدر عن هذا الاستخدام من قوانين وقرارات ومواقف واتجاهات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية، وليس من خلال ما يتعلق بها في ذاتها كآليات أو أدوات من تسمية أو تنظيم.

وعندما نتحدث عن الديمقراطية أو عن البرلمانات والمؤسسات فنحن نتحدث عنها كآليات ومؤسسات لا كمبدأ من مبادئ النظرية السياسية الغربية، فلا يجوز اعتبارها من الإحداث الديني، فهي ليست بدعة مذمومة أو محظورة لا ينبغي الأخذ بها أو الالتفات إليها أو الاستفادة منها، ليست ضلالة لأنها ليست مضمونا، بل هي مجرد آليات تنظيمية تمنح الفرص والإمكانيات للحد من سلطة الحاكم ومن استبداده وطغيانه، وتوفر الأسلوب الصحيح للناس لتنظيم شؤونهم السياسية ولممارسة حقهم في التعبير وفي المشاركة السياسية وتحقيق المساواة بينهم وحفظ حقوقهم السياسية.

ولكن ما يصدر عن هذه المؤسسات يجب البحث فيه من حيث الفصل أو الوصل بالدين، وهو ما يجب أن يقيد بالشريعة وبمقاصد الدين، فلا يخرج عنها ولا يخالفها، وهو المضمون الذي يجب أن نتعامل معه في مسألة الفصل أو الوصل بالدين وليس الديمقراطية.

"
الشورى كمبدأ سياسي اجتماعي وكقيمة سياسية اجتماعية بل كقيمة أخلاقية أيضا هي ما يجب أن يتصف به المؤمنون بل ويعملون به في تفاعلهم وتعاملهم وفي اتخاذ مواقفهم وقراراتهم
"
الشورى والديمقراطية
يلحظ الباحث في تاريخ مفهوم الشورى وفي أشكال حضوره المختلفة في الكتابة السياسية المعاصرة ظاهرتين جديرتين بالانتباه، أولاهما أننا لا نجد في نصوص الأقدمين اهتماما بموضوع الشورى في الإسلام بل تكاد لا تشير إليه نصوص السياسة الشرعية المرجعية، وثانيهما أننا لا نكاد نعثر في ما حرره المثقفون الإسلاميون في الموضوع على رصيد فكري في التنظيم لمسألة الشورى.

لكن الشورى كمبدأ سياسي اجتماعي وكقيمة سياسية اجتماعية بل كقيمة أخلاقية أيضا هي ما يجب أن يتصف به المؤمنون بل ويعملون به في تفاعلهم وتعاملهم وفي اتخاذ مواقفهم وقراراتهم التي يصلون إليها من خلال ذلك.

وفي الحديث عن الديمقراطية وعن علاقتها بالشورى نتحدث عن ديمقراطية محايدة، أوعن أجهزة ديمقراطية محايدة في ذاتها، ولا نتحدث عن ديمقراطية علمانية أو رأسمالية أومسيحية أوغربية، ولا نتحدث عن قيم ملحقة بها أو تابعة لها، بل نتحدث عن الديمقراطية كآلية لا كمضمون، كمنهج للممارسة السياسية لا كموضوع للممارسة.

فالديمقراطية ليست قانونا قطعيا صارما، إما أن يطبق كله بما يحمله أو بما يلحق به من أفكار وقضايا وفلسفات سياسية اجتماعيـة أخلاقيـة، أو يترك كله بما فيه من أجهزة وآليات وأدوات لممارسة العمل السياسي.

إضافة إلى ذلك فإن العلاقة بين الديمقراطية والشورى لا ينبغي أن تصل إلى حد التماهي، لأن للشورى خصوصيتها الثقافية الأخلاقية السياسية الاجتماعية، وللديمقراطية أيضا خصوصيتها في وسطها الذي ظهرت فيه، خصوصيتها الفلسفية السياسية الاجتماعية.

ولذلك يجب أن تكون العلاقة أو هذا التأسيس على مستوى الآلية لا على مستوى المضمون، حيث يمكن أن تستوعب الشورى (كمبدأ أو كقيمة) الديمقراطية كآلية، فتتأسس بذلك الشورى على طرائق وأدوات وآليات ديمقراطية، وتنشأ علاقة منهجية بين المفهومين، ويندمج المفهومان في حركة واحدة ومنهج واحد ومؤسسة واحدة للرأي والقرار.

فتتحول الشورى بذلك من مبدأ أو من قيمة سياسية اجتماعية أخلاقية إلى آليات وأدوات وطرائق للعمل السياسي، ثم إلى آلية سياسية ثم إلى مؤسسة للشورى.

"
التنكر لأهمية وصل الدين بالدولة من حيث المضمون تجاوز غير منطقي للواقع الديني الثقافي الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية وهو في نفس الوقت محاولة تعسفية لإبعاد الدين من الحياة العامة وإهمال متعمد لشخصية الفرد المسلم ولشخصية المجتمع
"
مستوى المضمون (مستوى الوصل)
إن ما يختص به المجتمع وما تختص به السلطة وبتطبيقه من الأحكام والمبادئ والقيم والقواعد والأوامر والنواهي ومن الواجبات الشرعية يشكل في ذات الوقت جزءا من الواجبات الشرعية التي يؤمن المسلم بأنه مكلف شرعا بتطبيقها، ومكلف شرعا بمطالبة السلطة بتطبيقها في المجتمع، لأنها على هذا النحو من الواجبات الشرعية التي يجب أن يقوم بها المجتمع الذي هو أحد أفراده أو أن تقوم بها السلطة التي تحكم المجتمع الذي هو أحد أفراده.

والمسألة تتعدى أن يقوم المسلم بواجباته الدينية إلى ضرورة قيام المجتمع نفسه أو السلطة التي تحكم المجتمع بتهيئة الفرص المختلفة للأفراد للقيام بهذه الواجبات وحثهم عليها، بل وإجبارهم عليها كما في حالة الزكاة إذا امتنع الناس عن أدائها إلى غير ذلك من الواجبات التي لا يستطيع المسلم الفرد القيام بها تجاه الآخر.

وفي الإسلام لا نستطيع فصل جانب عن جانب، لا نستطيع فصل جانب العبادات عن جانب المعاملات أو عن جانب الأخلاقيات ولذلك لا يجوز لأحد أن ينقص شؤون السياسة والسلطان من تكاليف شرع الله ولا أن يعزلها عن عبادته، فالالتزام بشرع الله يعني أن نتعبد الله في كل ما نعمله في الصلاة والزكاة والحج وفي السياسة والاقتصاد وفي الثقافة والاجتماع وفي الحرب والسلم.

إن وصل الدين بالدولة يقوم على مستوى المضمون وليس على مستوى الآلية، ليس على مستوى المؤسسات والهياكل السياسية أو الديمقراطية أو المؤتمرات الشعبية أو النقابية أو المهنية في ذاتها كآليات وأدوات وأبنية وتراكيب محايدة تخضع لكيفية استخدامها، وبالتالي فإن الوصل الذي يجب أن يتحقق في المجتمع المسلم هو الوصل على مستوى المضمون.

إن التنكر لأهمية وصل الدين بالدولة من حيث المضمون أو من حيث الموضوع أو المحتوى السياسي الاقتصادي الثقافي الاجتماعي للدولة من قبل السلطة في المجتمعات الإسلامية إنما هو تجاوز غير منطقي للواقع الديني الثقافي الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية وهو في نفس الوقت محاولة تعسفية لإبعاد الدين من الحياة العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..إلخ، وإهمال متعمد لشخصية الفرد المسلم ولشخصية المجتمع الدينية والثقافية والاجتماعية على السواء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة