من يصوت؟   
الخميس 1428/7/19 هـ - الموافق 2/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:35 (مكة المكرمة)، 12:35 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة

يحاول المؤلفان في هذا الكتاب تحليل ظاهرة تراجع عدد المشاركين في الانتخابات العامة في الولايات المتحدة، وهي ظاهرة تشمل جميع الدول الديمقراطية، وتهدد عدالة الحكم والاختيار والتمثيل السياسي.

ويجري المؤلفان تحليلات لعينة واسعة وشاملة من بيانات المسوح الانتخابية التي أجراها مكتب الإحصاء الأميركي والارتباطات المتصلة بالإقبال على الانتخابات، مثل التعليم والدخل والعمر والمهنة والجنس والحالة الاجتماعية والعرق ومكان الإقامة.

- الكتاب: من يصوت؟
- المؤلف: ريموند وولفينغر وستيفن روزنستون
- المترجم: فؤاد سروجي
- عدد الصفحات: 207
- الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع، عمان
- الطبعة الأولى/ 2007

الحالة الاجتماعية والاقتصادية والانتخابات
يقول المؤلفان إنه ربما يكون أفضل اكتشاف معروف عن الإقبال على التصويت هو أن المواطنين الذين ينتمون لمنزلة اقتصادية واجتماعية أعلى يشاركون أكثر في الحياة السياسية.

وينطبق هذا التعميم أيضا على التعليم ومستوى الدخل، وقد يساعد ذلك في صياغة أسئلة وافتراضات عدة تدور حول سؤال أساسي، وهو لماذا يصوت الناس؟

فربما تكون البيئة الاجتماعية المباشرة التي تثمن المشاركة المدنية في الحياة السياسية أكثر ارتباطا بمهنة الشخص، وقد يساعد ذلك على الإجابة عن سؤال لماذا يصوت البعض أكثر من غيرهم؟

لقد أظهرت دراسة الانتخابات أن حوالي 60% من خريجي الجامعات يجسدون حسا قويا بالواجب الوطني مقارنة بنصف خريجي الشهادة الثانوية وبحوالي 40% من الذين حصلوا على تعليم أقل.

فالتعليم يزيد الضغط الأخلاقي الذي يدفع إلى التصويت، ويزود المواطنين بالمعرفة بشأن المسائل السياسية التي تمكنهم من المساهمة الإيجابية والإحساس بالعالم السياسي.

ويميل المتعلمون إلى الاشتراك في القيمة الجوهرية للتصويت، وإلى الشعور بالرضا العاطفي حين ينتخبون.

ووجد الباحثون علاقة إيجابية بين الدخل والإقبال على المشاركة في الانتخابات، إذ يزيد الإقبال بزيادة الدخل، ولكن تفسير الظاهرة قد يكون مختلفا عليه أو يصعب تحديده على الأقل.

ويمكن حسب تقدير المؤلفين وضع عدة أسباب لذلك، فالفقراء مشغولون بالكفاح اليومي للبقاء على قيد الحياة، وليس لديهم الوقت والدافع للمشاركة في قضايا تبدو أقل أهمية، ويميل الأغنياء أكثر إلى اكتساب المهارات والمصالح التي تقود إلى المشاركة في الحياة السياسية، كما أن الدخل يحدد البيئة الاجتماعية التي قد تكون مشجعة أو غير مشجعة على المشاركة في الحياة السياسية.

ويمتاز الأغنياء بارتباط مصالحهم بالنظام السياسي، وهذا يشكل دافعا للمشاركة في الحياة السياسية لتحديد الخيارات الصحيحة أو المرغوب فيها للنظام السياسي، وهذا لن يكون بالطبع دون المشاركة فيه عن طريق الانتخابات.

ويلاحظ المؤلفان أيضا، في سياق تحليل العلاقة بين الحالة الاجتماعية والاقتصادية وبين المشاركة السياسية، أن الاختلاف في الإقبال على المشاركة بين المهن لا يتعلق بالمنزلة الرفيعة أو المتدنية لنوع المهنة.

ولكن يمكن القول إن الاختلاف الأكثر أهمية مرتبط بخواص معينة لبعض المهن غير المرتبطة بمنزلة المهنة بل بخصائص معينة للخبرة العملية.

وتكشف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأميركية عن اتجاهات المواطنين نحو الحزبين الرئيسين.

"
التعليم يزيد الضغط الأخلاقي الذي يدفع إلى التصويت ويزود المواطنين بالمعرفة بشأن المسائل السياسية التي تمكنهم من المساهمة الإيجابية والإحساس بالعالم السياسي
"
وبعامة فإن مدلولات تحليل نتائج وطبيعة المشاركة في الانتخابات تؤكد أن التعليم يرفع المهارات الإدراكية التي تسهل الاطلاع على الأمور السياسية، إذ التعليم يزيد قدرة الفرد على الفهم والتعامل مع قضايا معقدة ومجردة غير محسوسة مثل موضوع السياسة.

وبالتالي فإن التعليم يشكل مصدرا يقلل تكاليف التصويت بواسطة إعطاء الأفراد المهارات الضرورية لمعالجة المعلومات السياسية ولاتخاذ القرارات السياسية.

ويزيد التعليم احتمال حصول المتعلمين على تعليم أفضل على مزيد من الرضا الذاتي نتيجة المشاركة السياسية، كما يزيد احتمال حصولهم على الحس بالواجب الوطني والضغط الأخلاقي للمشاركة في التصويت وعلى استقبالهم لفوائد معبرة من التصويت.

كما يمنح التعليم الخبرة بطائفة من العلاقات البيروقراطية، مثل متطلبات التعلم، وملء النماذج والطلبات والانتظار في الصف من أجل التغلب على المعوقات الإجرائية والمطلوبة للتسجيل ثم التصويت.

ويبدو أن الإقبال على الانتخابات يتزايد مع تقدم العمر، وربما لا يكون التقدم في العمر معزولا عن ارتباطه بالتقدم الاقتصادي والتعليمي، ولكنه يزيد أيضا على نحو مستقل من نسبة المشاركة في الحياة السياسية.

وبشكل عام فإنه يبدو في الولايات المتحدة الأميركية أن الشباب أقل إقبالا على المشاركة في الانتخابات من الكبار في السن.

القوانين والانتخابات
تؤدي قوانين وأنظمة التسجيل للانتخابات إلى رفع كلفة التصويت والمشاركة، فالتسجيل عادة أصعب من التصويت نفسه، ويحتاج إلى إجراءات أكثر تعقيدا، مثل إثبات مكان الإقامة وتقديم الوثائق الأساسية اللازمة.

وتتعلق أحيانا بالتسجيل منظومة من الإجراءات والقوانين مثل الضرائب والمشاركة في الانتخابات السابقة والغرامات ومواعيد عمل المكاتب المختصة وإغلاق التسجيل.

كما أن التسجيل يتضمن معلومات غامضة ورحلة أطول ووقتا أصعب من أجل استكمال الإجراءات المعقدة، ويجب أن يتم قبل أن يبلغ الاهتمام بالحملة الانتخابية ذروته مما يجعل عملية التسجيل تجري في حالة أقل زخما إعلاميا وسياسيا من الانتخابات نفسها.

يقول بعض المعلقين من الباحثين في مجال الانتخابات: "من الصعب علينا أن ننسى يوم الانتخابات، ولكن عملية التسجيل تجري في حالة مبهمة، وربما لا يدرك أغلب الناس أن هناك موعدا نهائيا للتسجيل، كما أن قليلا من الناس يعرفون متى وأين يجب أن يذهبوا".

وبالطبع فإن إصلاح القوانين المنظمة للتسجيل والانتخاب يساهم في زيادة المشاركة، وهو أمر تؤكده أيضا استطلاعات الرأي التي أجراها مكتب الإحصاءات العامة عن أسباب عدم التسجيل للانتخابات.

"
تراجع الإقبال على التصويت يدعو إلى اتهام النظام السياسي، وإلى القلق على الديمقراطية نفسها
"
وتتطلب قوانين التسجيل مجموعة من الشروط مثل الإقامة إقامة فعالة، وكذلك فإن المكاتب المختصة بالتسجيل ومواعيد عملها تتضارب في كثير من الأحيان مع مواعيد عمل المواطنين وظروف إقامتهم، فمثلا يجب أن تعمل هذه المكاتب في أيام العطل وفي ساعات المساء.

وكلما كانت قوانين التسجيل أكثر تساهلا، والحصول على المعلومات سهلا، كلما زادت نسبة المشاركة في التسجيل وزادت بطبيعة الحال المشاركة في الانتخابات.

وقد يكون من الحلول المقترحة أن ينتقل عبء التسجيل من الفرد إلى الحكومة.

الرهانات السياسية والثقافة السياسية
هل تؤثر الثقافة والبيئة السياسية السائدة على التصويت؟ يتساءل المؤلفان ويلاحظان أن العلاقة بين العرق والإثنية وبين الإقبال على الانتخابات ليست ثابتة ولا حتمية، ولكنها متعلقة بفرص المشاركة السياسية العامة.

ولكن يبقى السؤال لماذا يكون امتناع الموطنين عن التصويت تحديا كبيرا وأمرا مهما؟

إن تراجع الإقبال على التصويت يدعو إلى اتهام النظام السياسي، ويشكل قلقا على الديمقراطية نفسها، وربما تكون المشكلة أكبر في حالة مشاركة عدم المقتنعين بجدوى التصويت وحكمته لأنها مشاركة ستقود إلى الخيارات الخاطئة.

ولذلك فإن المشاركة يجب أن تبقى مرتبطة بثقافة سياسية ترى أهمية المشاركة وتدرك الفوائد والمصالح المترتبة عليها.

وهناك سؤال يثيره المؤلفان حول الاختلافات بين نسبة المشاركين في التصويت وبين جميع المواطنين، ونسبة الذين يحق لهم الانتخاب بالنسبة لجميع السكان.

وبشكل عام فإن مجتمع الناخبين يبدو مختلفا عن المجتمع الكلي في تركيبته الديموغرافية وفي اتجاهاته ومواقفه السياسية، والاختلاف نفسه يبدو واضحا عند النظر إلى الناخبين الأغنياء والمتزوجين والفرق بين حجمهم الانتخابي ونسبتهم العددية من مجموع السكان.

ويلاحظ في الولايات المتحدة أن السكان البيض والمتعلمين والذين يتمتعون بمستوى معيشة جيد وذوي العمر المتوسط والمتزوجين والشماليين وموظفي الحكومة والمستقرين في سكنهم يشكلون نسبة أكبر بين الناخبين من نسبتهم بين جميع السكان، ومن ثم فإنهم يقررون وجهة السياسة والحكم والمواقف والتشريعات.

صحيح أن الناخبين ربما لا يكونون عالما صغيرا بالنسبة للجسد الكلي للمواطنين، إذ يقول المؤلفان إنهم يمثلون عينة مشوهة لا تعبر بعدالة عن المواطنين وجميع السكان.

وتمارس بعض فئات الأميركيين نصف قوة التصويت التي يمكن الحصول عليها إذا ما كانت ثمة فرص متساوية وعادلة لجميع المواطنين.

وهناك فئة تتمتع بقوة انتخابية أكبر من نسبتها العددية الحقيقية بنسبة تصل إلى 25%، وهكذا فإن فئة من المواطنين مثل الشباب وغير المتزوجين والذين يغيرون أماكن إقامتهم لا يحصلون على تمثيل كاف في الانتخابات والنتائج المترتبة عليها.

وعندما يختفي التنوع في الإقبال على الانتخابات فإن مواقف فئات معينة كالفقراء والمطالبين بالعدالة الاجتماعية والضريبية لا تجد فرصة كافية للضغط والتأثير في الحياة السياسية.

"
الإقبال المتدني على الانتخابات يعكس استياء شعبيا من الخيارات المتوفرة، إذ لو وصل المرشحون الصحيحون والأحزاب الصحيحة إلى الترشيح فإن الشعب سيندفع إلى مراكز الاقتراع
"
وقد انعكس هذا الواقع في الولايات المتحدة إيجابيا على حصة الجمهوريين في الانتخابات ليحصلوا على أكثر من نسبة تأييدهم بين المواطنين، لأن غياب فئات واسعة لن تصوت للجمهوريين لو شاركت في الانتخابات لأدى ذلك على نحو غير عادل إلى تحقيق تقدم سياسي للجمهوريين.

وأظهرت نتائج استطلاعات الرأي حول الإقبال المتوقع على الانتخابات أن نسبة المشاركة الفعلية تقل بنسبة تتراوح بين 5% و7% عن نتائج استطلاعات الرأي، وقد وصلت الفجوة في بعض السنوات وفي بعض الولايات بشكل خاص إلى نسبة عالية بلغت أكثر من 11%.

وقد يعود تفسير هذه الفجوة بين التقديرات والنتائج الفعلية إلى أن استطلاعات الرأي لا تصل إلى فئات لا تميل عادة إلى المشاركة في الانتخابات أو يصعب عليها ذلك، مثل طلبة الجامعات المقيمين في المنازل الداخلية وسكان المحميات والمناطق العسكرية والمقيمين في دور كبار السن وبعض المجموعات السكانية والعرقية والإثنية.

ويعتقد بعض المعلقين السياسيين أن الإقبال المتدني على الانتخابات يعكس استياء شعبيا من الخيارات المتوفرة، فإذا وصل المرشحون الصحيحون أو الأحزاب الصحيحة إلى الترشيح فإن الشعب الأميركي (وكل الشعوب بالطبع) سيندفع إلى مراكز الاقتراع.

ولكن المسوحات أظهرت أن المواطنين الذين يشككون في السياسيين والحكومة يشاركون في التصويت بنفس النسبة التي يشارك فيها الذين يثقون بالنظام السياسي وبنوايا السياسيين.

ويلاحظ من النتائج والمسوحات التي أجريت على الانتخابات أن السود في شمال الولايات المتحدة يصوتون بنسبة أعلى من مشاركة السود في الجنوب بحوالي 13%، وربما يعود ذلك إلى الحالة الاقتصادية والاجتماعية للسود وتفاوتها بين الشمال والجنوب.

وفي جميع الأحوال يجب النظر إلى الانتخابات والمشاركة فيها بعناية كبيرة لأنها الطريقة التي تختار بها الشعوب في الدول الديمقراطية حكوماتها، كما أنها مصدر شرعية الحكومة، والوسيلة التي يؤثر بها المواطنون على السياسة العامة.

وفي غالب الأحيان يكون التصويت هو الشكل الوحيد للممارسة السياسية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة