الجريمة الغربية   
الخميس 1426/7/6 هـ - الموافق 11/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:13 (مكة المكرمة)، 11:13 (غرينتش)

عرض/كامبردج بوك ريفيوز

يعرض هذا الكتاب، من تأليف الكاتبة والناقدة الأدبية في جريدة "لوموند" الفرنسية، لمسؤولية الغرب في محنة اليهود ثم الإسرائيليين والفلسطينيين. ومن هذا المنطلق تعالج مأساة الشرق الأوسط من زاوية مسؤولية الغرب، باعتبار أن الإسرائيليين والفلسطينيين هم ضحايا تاريخ أوروبي.

 

-اسم الكتاب: الجريمة الغربية

- المؤلف: فيفيان فورستر

- عدد الصفحات: 244

- الطبعة: الأولى 2005

- الناشر: فايار – باريس

رفض اليهود وتصديرهم

تقول المؤلفة إن القوى الأوروبية والولايات المتحدة لم تحرك ساكناً أمام جرائم النازية وهمجيتها بداية من عام 1933، وإن "الحرب ضد النازية لم تحدث"، بل إن ما تم هو محاربة ألمانيا الغازية.

 

ولما نظمت تلك القوى عام 1938 مؤتمري أيفيان وميونيخ، للنظر في رفع حصصها لاستقبال المزيد من اليهود ضحايا الهمجية الهتلرية، وفي الوقت الذي كان فيه هتلر ينادي بهجرة يهود ألمانيا، رفضت الدول الغربية استقبالهم، رغم أن هذه الهجرة كانت بمثابة خلاصهم الذي كان حينها ممكناً.

 

وتعتبر المؤلفة هذا الرفض تواطؤا مع النازية، وفهمته ألمانيا تبريراً لسياستها... ولما دخلت الديمقراطية الغربية الحرب كانت تحارب ألمانيا التوسعية وليست همجية النازية، مبقية على حدودها مغلقة في وجه اليهود، حيث شدد الخناق عليهم حتى خلال سنوات الحرب.

 

وعوض معاقبة المسؤولين عن الجرائم في حق اليهود، تمت معاقبة السكان العرب الفلسطينيين الذين كانوا غائبين تماماً عن هذه المأساة، التي ستصبح بشكل ما مأساتهم.

 

رغم علمهم بما يجري في المعتقلات النازية، رفض الحلفاء قصفها أو قصف المناطق المحيطة بها وتدمير خط السكة الحديدية المؤدية إليها، لأن قصف معتقل أوشفيتز طبعاً يعني أيضاً قصف المعتقلين، لكن المسألة لم تطرح بهذه الصيغة، بل برر هؤلاء الحلفاء رفضهم بحجج تقنية عسكرية.

 

وبعد نهاية الحرب فتحت، في المناطق الألمانية والنمساوية الواقعة تحت سيطرة الحلفاء، مراكز لـ"لأشخاص المهجرين"، أي اليهود الذين نجوا من المحرقة. وقد أعلن حينها ديفد بن غوريون أن "خير دعاية بريطانية لصالح الصهيونية تبقى مركز الأشخاص المهجرين في برغن-بلسن".

 

هكذا بقيت الحدود مغلقة في وجه اليهود، رغم أن الحرب قضت على ملايين منهم، فكان مشروع دولة ذات سيادة لليهود نتيجة منطقية لهذا الوضع.. يشكل ذنب الغرب أحد محركي مأساة الشرق الأوسط الأساسيين.

 

وهنا تقول المؤلفة إن الفلسطينيين والإسرائيليين ليسوا ضحايا بعضهم البعض، بل ضحايا تاريخ لا يعنيهم، تاريخ أوروبا، ليسوا فيه لا الجلادين ولا الجانين.

 

فالعرب تلقوا عبء كارثة وعقابها بينما هم غرباء عنها تماماً، أما اليهود ضحايا هذه الكارثة، فشُجعوا، إن لم يكونوا أقحموا في دور الدخيل... هكذا أصبح الغرب يلعب دور الحكم بينهم بعدما تخلص من العبء على الأقل رمزياً، بنقل المشكلة إلى منطقة جغرافية بعيدة.

 

"
من البساطة بالنسبة للأمم المسيطِرة أن تمنح أرضاً يسكنها محتقرون لمحقرين آخرين، وليتدبروا أمرهم، حتى وإن اقتتلوا
"
الاستعمار ومنح أرض الفلسطينيين

في سياق تصرف القوى الاستعمارية كما يحلو لها في أرض الغير، بدا للأمم المتحدة أن هناك أرضاً جاهزة يعيش عليها عرب تحت السيطرة الأجنبية، وأنه من البساطة بالنسبة للأمم المسيطِرة أن تمنح أرضاً يسكنها محتقرون لمحتقرين آخرين، وليدبروا أمرهم، حتى وإن اقتتلوا.

 

إسرائيل في موقف أقوى لأنها "جزء، لكن على هامش النادي الغربي، وستقوم بالنسبة إليه مقام سارية في المنطقة". وعليه ففي 1948كان من السلوكيات السياسية السائدة أن يستحوذ المسيطِر على أرض سكان يعتبرهم "قابلين للاستعمار بطبعهم"، وأن يخص نفسه بحق توزيعها.

 

وفي هذه الحالة، منح للغير قسماً من الأراضي العربية، نزولاً عند الرغبة الصهيونية، أو ليهود أوروبا الذين ضحت بهم أوروبا، إذ قررت أوروبا أن "تجعل من فلسطين، المحددة حصراً كموطنهم السالف، ملجأً ودولتهم الخاصة بهم"، وهكذا تحمَّل العرب ديناً يقع على عاتق الغربيين دون سواهم.

 

وباعتراف الأمم المتحدة بدولة إسرائيل، أراد الغرب أن يظهر أنه "استخلص دروس الحرب، وأن اليهود أصبح معترفا بهم" اليوم وأن الغرب يسعى جاهداً "لحبهم".. "لكن في موضع آخر، في فلسطين".

 

إنها "نعمة بالنسبة للغرب أن يتمكن من تلاوة توبة عبر طرف ثالث غير مباشر"، وأن يخلص ضميره وأراضيه من قضية مهاجرين غير مرغوب فيهم (أي تفادي منح وطن لليهود في أوروبا)، وبأن يحتفظ بموطئ قدم في الشرق الأوسط.

 

البقاء للأصلح

تقول المؤلفة إن الصهاينة أعطوا الأولوية لإقامة دولة إسرائيل على حساب إنقاذ اليهود الأوروبيين، وإن كان مستحيلاً، فبن غوريون مثلاً يصرح سنة 1942 بأن "النكبة التي تواجهها اليهودية الأوروبية ليست شأني". وقد احتقروا من نجوا من الجرائم النازية. فها هو موشي شاريت، يشكو عام 1940 من قبول "عتاد إنساني" غير مرغوب فيه، متأسفاً على غياب الانتقاء بين خيرة اليهود وأراذلهم.

 

مع بداية العهد النازي، قام بعض الصهاينة بالتفاوض مع الرايخ الثالث للسماح لهم بإخراج عدد معين من اليهود من المعتقلات، حيث قام الصهاينة بإيفاد مبعوثين كلفوهم بانتقاء "الرواد اليهود الشباب". وقد صرح إسحاق غرونبوم، سنة 1943 بأنه من الأفضل إنقاذ 10 ألاف يهودي تم اختيارهم حسب أهليتهم لبناء دولة إسرائيل، من إنقاذ مليون منهم قد يصبح "عبئاً أو في أحسن الأحوال ثقلاً ميتاً".

 

"
المشروع الصهيوني يفتقر للحامل البشري، لأن أغلبية الصهاينة كانت اختارت فلسطين، في حين أن أميركا كانت قبلة المهاجرين اليهود الأوروبيين
"
وهنا تذكر المؤلفة أن غرونبوم كان واحداً من مسؤولي الوكالة اليهودية المكلف من قبل بن غوريون بإنقاذ يهود أوروبا. وبعد نهاية الحرب، اعتبر الصهاينة من نجوا من أوشفيتز والحرب "عتاداً إنسانياً"، "بقايا"، بل وحتى "نفايات" لأنهم لم يهاجروا سابقاً إلى فلسطين.

 

واعتبر بن غوريون أن يهود ألمانيا لم ينصتوا إلى الصهاينة وهاهم الآن جاؤوا بموتاهم "لإجهاض الحلم الصهيوني". ما كان يهم الصهاينة هو مشروعهم وليس مآسي اليهود رغم استغلالهم لها.

 

لم يناضل الصهاينة ضد معاداة السامية في أوروبا سياسيا، تماما مثل هرتزل الذي كانت له علاقات مع وجوه أوروبية معروفة بمعاداتها للسامية، وربما برر هرتزل بشكل ما معاداة السامية إلى درجة أن معادي السامية وجودوا في بعض مواقفه حججاً لخطابهم العنصري.

 

فهرتزل كان يقول إما باعتناق اليهود المسيحية أو المنفى، بإقامة دولة في كندا أو الأرجنتين أو فلسطين، مع تبلور فكرة دولة يهودية أعلن عنها رسمياً في مؤتمر بال الصهيوني عام 1897، لكنه اتضح أن المشروع الصهيوني يفتقر للحامل البشري، إذ كانت أغلبية الصهاينة اختارت فلسطين، في حين أن أمريكا كانت قبلة المهاجرين اليهود الأوروبيين.

 

"ترانسفير" شعب

بعد الادعاء بأن فلسطين أرض بلا شعب، تعين على الصهاينة مواجهة الواقع الذي يظهر أن فلسطين العربية كان لها سكانها، ومن هنا بدؤوا في تنفيذ خطة أعدت في نهاية القرن 19 تقوم على الاستحواذ ومصادرة الأراضي بالهدوء، وبالحيل تفادياً لسخط العرب، وذلك لقلب المعادلة السكانية بتكثيف الهجرة اليهودية لتحييد الأغلبية الساحقة العربية تماماً. وعندها بدأت بعض المفردات مثل "مصادرة"، "ترانسفير" تشق طريقها..

 

الاستيلاء على الأرض كان السبيل الوحيد لإقامة الدولة حسب الصهاينة، الذين رفضوا سنة 1943 تحويل جزء من أموال الصندوق القومي اليهودي المخصصة لشراء الأراضي العربية في فلسطين، لإنقاذ يهود أوروبا. بل اعتبروا مثل هذا التحويل "عملاً معادياً للسامية".

 

بتنفيذهم خطتهم اكتشف الصهاينة في فلسطين بلداً حقيقياً يعيش فيه العرب منذ قرون، وهو وطنهم بالمعنى الحقيقي المعيشي والحياتي للكلمة، وبشعور عميق لا يحتاج لا لنشيد وطني، ولا لدستور، ولا تسمية خاصة.. أما العرب فلم يكن في وسعهم مواجهة المشروع الصهيوني، فقد فكانوا منقسمين على أنسفهم، وضعفاء يقبعون تحت السيطرة الأوروبية ولا يفهمون ألاعبيها، بينما كان الصهاينة بحكم غربيتهم يتقنون التعامل مع القوى الغربية.

 

"
المفارقة في التصور الصهيوني، أنه يربط حاضر اليهود بعهد توارتي غابر، وكأن قرونا من التاريخ لم تمر، فيما يتنكر لحاضر الفلسطينيين ووجودهم
"
استيطان دائم ومسألة نقد إسرائيل

لم يكن هدف الصهاينة الاستحواذ على ثروات إضافية وقوة لفائدة المركز، وإنما أن يجعلوا هذه الأرض وطنهم. فلو تعلق الأمر بمستوطنين عاديين، لكان السكان العرب بمثابة مخزون بشري يُستغل إلى ما لا نهاية، لكن الهدف هنا ليس استغلال السكان، وإنما الإحلال محلهم والإقامة مكانهم.

 

وقد تفطن العرب لهذا المشروع كما اتضح من الـ"نداء العام للفلسطينيين"  (1914) الذي ناشدهم عدم بيع أرضهم كبضاعة، حتى لا يصبحوا عبيداً، للصهاينة الذين جاؤوا ليخرجوهم من ديارهم.

 

وتقول المؤلفة إن "الدينامية الصهيونية كانت تسير بالفعل في هذا الاتجاه". ولما اقترحت اللجنة الملكية البريطانية قانون 1937 لتقسيم فلسطين، قبل الصهاينة –الذين لم يُمنح لهم حينها إلا 20% من الأراضي- بسرعة بالفكرة، فيما رفضها العرب.

 

وقد انتقدوا لموقفهم الرافض وتجاهلت القوى الغربية رفضهم تماما، مع أنه منطقياً، لم يكن هناك أي دافع يجعلهم يقبلون تقاسم الأرض مع الصهاينة.

 

وبإقرار الصهاينة أنفسهم، كان العرب محقين في مخاوفهم، لأن هذه اللجنة منحت للصهاينة موطئ قدم في فلسطين يتخذونه قاعدة شرعية للانقضاض على بقية فلسطين، فبن غوريون كتب في نفس السنة يقول إن الأرض التي خصصتها لنا "ليست غاية في حد ذاتها" بل ستسمح لنا ببسط سيطرتنا بسهولة "على كامل فلسطين".

 

وترى المؤلفة أنه لم يكن معقولاً قبول العرب بأن يسمح الاستعمار الأوروبي لنفسه بأن يمن عليهم بمنحهم جزء من أرضهم، فيما يمنح الجزء الآخر لغيرهم.

 

وتلاحظ المفارقة في التصور الصهيوني، الذي يربط حاضر اليهود بعهد توارتي غابر، وكأن قرونا من التاريخ لم تمر، فيما يتنكر لحاضر الفلسطينيين ووجودهم.

 

تقول المؤلفة إنه مع بداية نهاية الحقبة الاستعمارية وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام وضع جديد، استعمار دائم. بقرار من القوى الغربية أصبح جزء كبير من أراضيهم، من وطنهم "وطن سكان آخرين يشكلون أقلية شديدة".

 

واتضح هنا أن الأمر لا يتعلق بإعادة النظر في وجود الأمة والدولة الإسرائيليتين الذي لا جدال فيه، وإنما بتوضيح الظروف التي أنشئت فيها هذه الدولة.

 

هذا التكوين التاريخي يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار، وهذا لا يؤذي إسرائيل، فحقوقها واضحة، مثل حقوق الفلسطينيين. إن أي نقد لسياستها ليس تهديداً لوجودها.

 

وتلاحظ المؤلفة أن الصهاينة أضفوا صبغة خاصة على إسرائيل، فاعتبروا من ينتقد الصهيونية، أو هدفها "عدواً للصهيونية بل وللشعب اليهودي ككل". واليوم كل من ينتقد سياسة الحكومة الإسرائيلية، يتهم في كثير من الأحيان بمعاداة السامية.

 

إن إسرائيل لاتزال تفتقر إلى هذا اليقين الراسخ بأنها دولة أقر بها وأمة مؤكدة، ولذا فهي ترى نفسها ضحية أوروبا التي تخلطها بالشرق الأوسط حيث تتبوأ مكانة رسمية. ومن هنا يأتي الخلط بين معاداة السامية وكل نقد لسياسة إسرائيل.

 

"
تم تحميل فلسطين مآسي وجرائم أوروبية هي بريئة منها، وتخلصت أوروبا من مسؤوليتها أمام التاريخ بإلقاء العبء على العرب
"
المجازفة بالسلام

هكذا تم تحميل فلسطين مآسي وجرائم أوروبية هي بريئة منها، وتخلصت أوروبا من مسؤوليتها أمام التاريخ بإلقاء العبء على العرب. وليس من المعقول أن يسود الصمت عن مسؤوليتها في الصراع الدائم في الشرق الأوسط.

 

وحيث أهملت أوروبا، أقحم السكان العرب، رغم أنفهم وبعدهم كل البعد عما حدث، في مصير اليهود في الغرب... ولهذا كله ترى المؤلفة أنه على الإسرائيليين والفلسطينيين الانعتاق من الوصاية الغربية في مفاوضات السلام، والأخذ بزمام الأمور، وأن يجعلوا التفاوض بينهم على أساس القانون الدولي وبمساعدة الأمم المتحدة، عبر وساطة دولية حقيقية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة