رمال في العيون   
الأحد 16/7/1426 هـ - الموافق 21/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:51 (مكة المكرمة)، 8:51 (غرينتش)

عرض/نزار رمضان

"مأزق التقدم في المجتمعات العربية" هو محور النقاش في الكتاب النقدي الجديد "رمال في العيون" حيث يحاول الكاتب من خلاله رصد عوامل وفشل عمليات التغيير في المجتمعات العربية كافة وبقاء الأوضاع  تراوح مكانها أمام القضايا التي طرحها مفكرو النهضة في القرن التاسع عشر.

 

فالكثيرون يزعمون انطلاقاً من نظرة عنصرية أو جاهلة تنطلق من  شيوع التعثر في مضمار ترقي المجتمعات العربية كافة أن العطب جوهري في الأمة أو في الدين الإسلامي الذي تؤمن به الأغلبية الساحقة من الأمة.

 

ولهذا ينبري الكاتب في الرد على هذه المزاعم ويدحضها، إذ يبين أن عوامل التخلف في هذه البقعة من العالم اجتماعية تاريخية يتحمل وزرها النظام الاستعماري الذي قيد المجتمعات العربية بقيود التبعية.

 

- العنوان: رمال  في العيون

- عدد الصفحات: 141

- المؤلف: سعيد مضيه

- الناشر: اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس

- تاريخ النشر: 2005

البعد الثقافي

يعرض الكتاب بشكل مكثف قضايا الأمة من بعدها الثقافي، منطلقا من أن الأزمة التي تشل المجتمعات العربية كافة هي ثقافية من حيث الجوهر، تطال أحزاب الحكم وأحزاب المعارضة وأحزاب المحافظة وأحزاب التقدم، بل تطال الحكام والمحكومين، إنها أزمة شاملة ومركبة.

 

يفرد الكاتب باباً للوضع العربي العام، والباب الثاني للحالة الفلسطينية نموذجاً، فيدمج النكسات والنكبات النازلة بالمجتمع الفلسطيني وبقضيته الوطنية بمجمل الأوضاع المأزومة والمتعثرة في المجتمعات العربية كافة، معتبرا أن المأساة الفلسطينية بعض أعراض التخلف العربي.

 

ويؤمن الكاتب بهذا الدمج ويخلص في نهاية الكتاب الباحث عن الخلاص إلى القول إن "الحالة الفلسطينية مندمجة بلا فكاك بالحالة العربية. فإما إلى مستقبل محفوف بالمخاطر والنكبات، ثم الخروج من التاريخ، وإما إلى حداثة تنقذ من المصير الفاجع والواقع المتخلف، تتضافر  خلالها مهمات التحرر والديمقراطية والتنمية والتقدم في عملية تاريخية واحدة تنقل المجتمعات العربية إلى حياة العصر".

 

"
إذا كان الاستبداد السياسي هو القاسم المشترك بين الأنظمة السياسية العربية فإن الركود الاقتصادي وعجز البرجوازية العربية عن إنجاز مشروعها النهضوي
هو القاعدة التي انبنت عليها هياكل التخلف الاجتماعي
"
أوجه التخلف

في الفصل الأول يستعرض الكاتب أوجه التخلف في المجتمعات العربية، تلك التي كشفت عنها هزيمة حزيران 1967، حيث كشفت الهزيمة عن "وهن عام في البنية الاجتماعية العربية بشتى أركانها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. إذ أنه حين تتهاوى الجبهات العسكرية وتنهار المشاريع التنموية فذلك مؤشر على اختلال الجبهة السياسية وابتذال الثقافة".

 

هنا يلقي الكاتب الضوء على خطأ شائع يدعي أن الثقافة العربية هي خط الدفاع الأخير، معتبرا أن الخطأ يكمن في تجاهل اندماج الثقافة بمختلف التراكيب، مع أن عجزها جلي في تداعي التراكيب الاجتماعية كافة، كما أن خلل الثقافة يوجب الشروع في رعاية ثقافة التحرر واستنهاضها من أجل استنهاض عملية التغيير الشامل لمختلف التراكيب الاجتماعية.

 

وحسب المؤلف فإنه إذا كان الاستبداد السياسي هو القاسم المشترك بين الأنظمة السياسية العربية فإن الركود الاقتصادي وعجز البرجوازية العربية عن إنجاز مشروعها النهضوي ثم ارتباطها بعلاقة تبعية للمراكز الرأسمالية هو القاعدة التي انبنت عليها هياكل التخلف الاجتماعي.

 

ويرى أن جذر التخلف يمتد في واقع معلول تشكل في العصر الوسيط وتواصل حيث يقول: "تشكل وضع اجتماعي مأزوم في العصور الوسطى تميز بالفتن والحروب بين الدويلات التي تقاسمت الدولة العربية ـ الإسلامية، مما قلص التجارة وأدى إلى تباطؤ دوران عجلة الإنتاج".

 

ويتمظهر تخلف المجتمعات العربية حسب ما يراه الكاتب في أعطاب عدة تقف على رأسها المكانة المهينة للإنسان وإخضاعه لعلاقة القهر والرضوخ.

 

فالسادة الذين "تكيفوا مع السيطرة الكولنيالية الوافدة واظبوا عبر العقود على تنمية عقد النقص والدونية ونفسية الانسحاق لدى الجماهير المقهورة، وسخروا مناهج التعليم وقنوات الإعلام وعززوا تأثيراتها عبر الممارسات اليومية لأدوات القمع البوليسة".

 

الطبقة أو الطبقات المهيمنة على المجتمعات العربية تكيفت مع البنية الكولنيالية دون أن تقطع الصلة مع القديم و "دون ولادة جديدة ينبت فيها جذور جديدة".

 

"
تجربة عقود من النضال العربي التحرري تثبت استحالة إنجاز الديمقراطية بدون تحرير الجماهير من علاقة القهر والتهميش
"
أحزاب التغيير

في الفصل الثاني يطرح الكاتب مشكلة أحزاب التغيير العربية وإجماعها على نبذ الديمقراطية، سواء في أنظمتها الداخلية أو في طروحاتها السياسية، إذ أنها جميعها تنظيمات حداثية شكلاً عتيقة من حيث الجوهر، تمارس الفكر والسياسة والتنظيم وفق قيم العصر الوسيط ومفاهيمه وعلاقاته الاجتماعية.

 

وقد بينت تجربة عقود من النضال العربي التحرري استحالة إنجاز الديمقراطية بدون تحرير الجماهير من علاقة القهر والتهميش، وبدون رفع يد السلطة عنها واحترام كرامة الفرد التي هي فرض رباني، والسماح للجماهير الشعبية بالانضمام إلى مختلف الهيئات النقابية والتنظيمات السياسية بدون وصاية من السلطة. وهذا ما لم تفطن إليه الأحزاب السياسية، حيث اقتصر طلب كل منها على حريته كتنظيم سياسي.

 

ويرى أن مسؤولية أحزاب التغيير العربية تتضح في ضعف النزوع إلى الديمقراطية داخل المجتمعات العربية لدى عقد المقارنة مع مجتمعات أميركا اللاتينية. ففي الوقت الذي وصل أليندي إلى الحكم بأصوات الجماهير على رأس تحالف وطني ديمقراطي كانت الانقلابات العسكرية والنظم الأمنية القاهرة سبل التغيير في الأقطار العربية.

 

ثقافة العولمة

وحسب الكاتب فقد ضاعفت من البلوى ثقافة العنف التي تعهدتها بالرعاية ممارسات الكولنيالية ثم ثقافة العولمة. وهذا مضمون الفصل الثالث.

 

فطوال عهود السيطرة الكولنيالية ظل العنف أحد أدوات المحافظة الاقتصادية والسياسية، حيث الإرهاب هو سمة سياسة الرأسمالية الاحتكارية وأداتها لفرض هيمنتها على شعوب قارات آسيا وأفريقيا وأميركا. وغدا العنف أحد مستلزمات العولمة التي توصلت إلى اقتناع بعجز النظام الرأسمالي عن تحرير شعوب القارات الثلاث من الفقر والتخلف وبعجزه أيضاً عن ضمان استمرارية مجتمع الرفاهية في البلدان الرأسمالية المتقدمة.

 

وينقل الكاتب عن عالم الاقتصاد البريطاني أشتفان  ميساروش في دراسة تحليلية للأساس الاقتصادي للعولمة قوله "إن منطق التسلط الأميركي يتفق مع منطق رأس المال في المرحلة التاريخية الراهنة من التطور الكوني. وهو في ما يتعلق بالظروف المطلوبة لاستمرار بقاء الإنسانية، أكثر أشكال اللامنطقية تطرفاً في التاريخ، بما في ذلك المفهوم النازي للسيطرة على العالم".

 

"
القيادات الفلسطينية تعاملت مع الغزوة اليهودية بالعفوية وسوء التخطيط، فغاب التفكير الإستراتيجي وشبّ الفعل السياسي على الارتجال وعدم الاسترشاد بالواقع، مما ورط القضية الفلسطينية في النكسات قبل تشكل السلطة الفلسطينية وبعدها
"
الحالة الفلسطينية

يستهل الباب الثاني "الحالة الفلسطينية نموذجاً" بوصف مسار التردي في الحالة الفلسطينية، وتعقد ملابساتها وتدني سقف تطلعاتها تحت وطأة نهج الاقتلاع والإحلال المتبع من قبل الغزوة اليهودية منذ أيامها الأولى.

 

وينقل الكاتب مقتطفاً عن دراسة أعدها الكاتب اليهودي إيهود بن أليعيزر وردت في كتاب "العودة إلى الصحراء" جاء فيها أنه "يمكن القول بوجود حقبة تاريخية مبكرة لم تتبلور فيها النوايا الإحلالية في الثقافة العبرية. إلا أنها حقبة انتقالية، وشأن كل الحقب الانتقالية أن لا تترك بصمة على الثقافة العبرية في فلسطين.. باتت الصهيونية مقاتلة فعالة في التاريخ وصراعها مع العرب حتمي".

 

ويتابع المؤلف: "هبت موجات الاقتلاع مثل زوابع صحراوية لا غيث فيها، تذر الكثبان المتكونة وتبقي الجماهير الفلسطينية في حالة من الضياع في بيداء مترامية، عاجزة عن معرفة وجهة سيرها".

 

بالمقابل تعاملت القيادات الفلسطينية مع هذه الغزوة بالعفوية وسوء التخطيط، فغاب التفكير الإستراتيجي وشبّ الفعل السياسي على الارتجال وعدم الاسترشاد بالواقع، مما ورط القضية الفلسطينية في النكسات قبل تشكل السلطة الفلسطينية وبعدها.

 

أما السلطة فقد "اضطلعت بإدارة قضايا مجتمع تابع تفرخ مشاكله داخل دفئات من صنع إسرائيلي بفعل تبعيته للاحتلال، فلم تتخذ أي إجراء وقائي يعزز الأمن الوطني، وبدلاً من ذلك اختطت السلطة نمط الإدارة الأوامرية بما يتخللها من تعسف تجاه المواطن واتكاء على الأجهزة الأمنية المعفاة من المساءلة والمحاسبة. كما أغفلت التنمية الاقتصادية والبشرية.

 

لم يجر التفكير في توفير العمل المحلي للأيدي العاملة فترك الأمر لرغبات السلطات المحتلة واعتباراتها، بكل ما تمثله من مخاطر أمنية واقتصادية وسياسية، وأفرطت السلطة الوطنية في إضعاف الجبهة الداخلية وتوتير سخط القاعدة الشعبية".

 

وفي الفصل الأخير يرجع الكاتب إلى دراسة للبروفسور دونالد واغنر أستاذ الأديان بجامعة نورثباك في شيكاغو ورئيس مركز دراسات الشرق الأوسط حول نشأة الأصولية المسيحية وتطورها وارتباط انتعاشها بظهور الحركة الكولنيالية. وفي طفرتها الجديدة تندمج المسيحية الأصولية بالعولمة ونهجها العدواني المغامر.

 

أشكال النضال

في الفصل الثاني من الباب الثاني يطرح الكاتب منهجية يراها علمية لمقاربة الحالة الفلسطينية، من شأنها أن تجنب الشعب الفلسطيني سطوة العنف المسلح وهو يواصل حركته التحررية ويستشرف تطلعاته المشروعة. فالمقاومة لا تقتصر على العنف المسلح. وعبر التاريخ تبين أن نضال اللاعنف مثل شكلاً ناجحاً للمقاومة في عديد من الحالات.

 

وأشار الكاتب إلى أن تجارب الحياة تؤكد أن الصراع حالة اجتماعية ملازمة للحياة الاجتماعية. وما من بيئة اجتماعية تخلو من صراع الإرادات من أجل تحقيق الذات.. وهذا يناقض الزعم القائل بأن المقاومة تقتصر على الشكل المسلح  إذ النضال السلمي يوفر المناخ النفسي لتثقيف الجمهور عبر الممارسة العملية للنشاط الاجتماعي.

 

ومن خلال الجهود المثابرة لملايين البشر وتنوع الأساليب يكسب نضال اللاعنف الجمهور قوة معنوية واحترام الذات والثقة بالمجموع.

 

ويلقي الكاتب الضوء على ظاهرة "الفلتان الأمني" المستشرية في المجتمع الفلسطيني المحتل، فيقول إن "الانتفاضة ببعدها الشعبي تحرك جماهيري ضمن شروط اختلال التوازن مع القوة المدججة بأرقى تقنيات التسلح. وهي تواجه همجية القوة بقوة معنوية ينبغي معرفة سبل استثمارها. المقاومة بمختلف أشكالها تتطلب الضبط والمستوى العالي من الثقافة. فلتحقيق قدر عال من الانضباط والالتزام ينبغي توفير قوة الفكر قاعدة للتنظيم المانع لجموح القوة المفتونة بوهم قدرتها غير المحدودة. والتنظيم والتثقيف وجهان لعملة واحدة. ومن المتعذر إخضاع ذوي الثقافة الضحلة لضرورات التنظيم والانضباط الذاتي."

 

"
مجرد عدالة القضية أو نبل الأفكار لا يضمن لها التفوق والنجاح، لأن مصير الفكر يتوقف على سلوك حامله الاجتماعي وقدرته على تجميع عناصر القوة بجانبه
"
الانتصار التلقائي

 يخلص الكاتب من كل ما تقدم إلى دحض الحتمية الساذجة بانتصار القضايا العادلة تلقائياً. ويستهل  الفصل الأخير بالقول "درج الأدب السياسي على استشراف أفق وردي لحركة التحرر والتقدم، معتبراً ذلك حتمية تاريخية مزعومة. وبينت النتيجة الكارثية لأول تجربة لبناء المجتمع الجديد الخالي من القهر ومن استغلال الإنسان للإنسان أن التفاؤل المطلق بلا تحفظ رؤية وحيدة الجانب، إذ يوجد بديل صادم ومخيب للآمال يجب الاحتراس منه".

 

وقال إن مجرد عدالة القضية أو نبل الأفكار لا يضمن لها التفوق والنجاح. ومصير الفكر يتوقف على سلوك حامله الاجتماعي وقدرته عل تجميع عناصر القوة بجانبه.

 

وهذا ما تخفيه دعاية التحالف الأميركي الإسرائيلي، إذ تضع معيار عدالة القضية في أحذية العساكر.

 

وبسبب سوء رصد الوقائع والخلل في تقييم المعطيات ومن ثم خداع الذات نزلت بالشعب الفلسطيني نكبات وكوارث، لأنه خالف ضرورات النصر. والشعب الفلسطيني يختلف عن بقية شعوب العصر لأنه يدفع من تراب وطنه وكذلك عن حريته وحقه في تقرير المصير.   

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة