الثورة 2.0   
الخميس 1433/5/28 هـ - الموافق 19/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:47 (مكة المكرمة)، 11:47 (غرينتش)
عرض/ شرين يونس

يتميز كتاب الناشط المصري وائل غنيم، "الثورة 2.0"، بتوثيقه لفكرة الحشد الإلكتروني، المتوج بدور الفرد، فيظهر كيف كان للتعليق والصورة والفيديو والشعار والأغنية، تأثيرها في الدفع تجاه الثورة المصرية. وجاء عنوان الكتاب "الثورة 2.0"، أو المفهوم الجديد للثورة، ليؤكد أن الفكرة كانت هي القائد والرمز والمحرك، سواء في الثورة المصرية، أو غيرها من ثورات الربيع العربي.

كتاب غنيم الذي يأتي والثورة المصرية لم تكمل بعد تحقيق أهدافها، يضم تسعة فصول، ورغم أن تصنيفه تبعا للناشر "سيرة ذاتية"، إلا أنه مزج بين سيرة الكاتب، وسيرة دولة وشعب، فاستعان بالخلفية المجتمعية حينا، والسيرة الشخصية أحيانا أخرى لتوصيف الواقع.

أرض الخوف، والبحث عن منقذ، وكلنا خالد سعيد، ومن الإنترنت إلى الشارع، وثورة بميعاد، و25 يناير 2011، واسمي 41، والعصابة، وسقط الفرعون، عناوين رئيسية لفصول الكتاب، تبدأ بطبيعة الحال بتوضيح أسباب الثورة المصرية، المباشرة، والمتمثلة في "انتهاكات الأمن المصري".

أرض الخوف

-الكتاب: الثورة 2.0
-المؤلف: وائل غنيم
-عدد الصفحات: 316
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

وصف غنيم هذا الجهاز بأرض الخوف، المستندة على قانون الطوارئ، والمتدخل في كافة مجالات الحياة، فتراوحت مهامه ما بين التضييق السياسي على كل قوى المعارضة ورموز التيار الديني، ليشمل كذلك كل من له علاقة بالعمل العام، وحتى الجمعيات الخيرية، وكذلك في تعيينات المناصب الحكومية الحساسة، وأوائل الدفعات بالجامعات، إضافة لسيطرته على النقابات العمالية وأجهزة الدولة الرقابية والتشريعية.

في إطار هذا الجو القمعي، لم يكن اعتقال غنيم في يناير/كانون الثاني 2011 هو المرة الأولى التي يتعامل فيها مع الأمن المصري، حيث اعتاد على وضعه على قائمة ترقب الوصول منذ عودته من أميركا في 2001، بعد أحداث سبتمبر/أيلول، إضافة إلى استدعائه للتحقيق معه في 2007 حول نشاطه السياسي والفكري، وعن التزامه وزواجه من أميركية.

وتطرق غنيم إلى دور الإنترنت الكبير في صقل شخصيته وخبراته، فمن خلاله دخل إلى عالم الاتصالات وعمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، ونجح في بناء شبكة من العلاقات الاجتماعية الافتراضية مع أشخاص من مختلف دول العالم، لم يتح له رؤية الكثير منهم.

البحث عن منقذ
أخذت المعارضة شكلا ومناحي مختلفة في السنوات القليلة الماضية، خاصة مع نشأة حركة كفاية، التي رفعت شعار لا للتمديد، لا للتوريث في عام 2004، حيث كسرت الحركة الحاجز النفسي عند الكثير من النشطاء، ولكنها لم تمتد إلى الشارع بالشكل المرجو، بسبب أسلحة القمع الشامل التي كان النظام يستخدمها ضد معارضيه.

وبدأت الإضرابات العمالية بالظهور، خاصة خلال عامي 2006 و2007، ووصل الأمر إلى إضراب 26 ألف عامل في وقت واحد مطالبين بالعدالة الاجتماعية ولتحسين أوضاعهم المعيشية، وإحدى صفحات الإضراب على الفيسبوك انضم لها أكثر من سبعين ألف مشترك، وفي المحلة الكبرى تحولت مظاهرات العمال إلى اشتباكات عنيفة بين العمال المتظاهرين ورجال الأمن.

وانتقل غنيم للحديث عن دور التكنولوجيا في كشف الحقائق، خاصة بفضل انتشار الجرائد والمجلات والقنوات الفضائية الخاصة التي لم تخضع لقيود الإعلام الرسمي التابع للدولة.

وبالتوازي زاد معدل استخدام المصريين للإنترنت من 1.5 مليون شخص عام 2004 إلى 13.6 مليون في عام 2008، وازدهرت غرف الدردشة والشات والمنتديات والمدونات، مما أعطى للكثير الفرصة للتعبير عن أنفسهم، رغم اعتقال بعض المدونين من آن لآخر.

وطور الجهاز الأمني فرعا خاصا للإنترنت، وكون الحزب الوطني لجنة إلكترونية تحوي عشرات أو مئات من الشباب، هدفها التأثير على رأي الشباب على الإنترنت.    

ويتحدث غنيم عن عودة البرادعي، قائلا إن انتقادات البرادعي للنظام طرحت اسمه كبديل قوي، مما دفع أحد الشباب لتكوين مجموعة إلكترونية على موقع الفيسبوك بعنوان "البرادعي رئيسا لمصر 2011"، والتي تجاوز عدد أعضائها المائة ألف في فترة قصيرة.

ويروي غنيم كيف أنه لم يكن مستعدا للمواجهة المباشرة مع النظام، فلديه وظيفته المرموقة وأسرته التي يعولها، بالإضافة إلى إيمانه بأن التغيير في مصر سيتطلب الكثير من الوقت، ولكنه قرر استخدام خبرته في دعم البرادعي، منشئا صفحة "محمد البرادعي" على الفيسبوك لتكون منبرا رسميا يستخدمه للتواصل مع مؤيديه عبر الإنترنت.

يرى المؤلف أن القمع الإعلامي والقمع في الشارع جعل من العالم الافتراضي على الإنترنت بديلا مهما لنشر قضية خالد سعيد والتعريف بها ودعوة الشباب لدعمها، مستخدما كافة الوسائل

انتشرت الصفحة بشكل سريع، معتمدة بشكل رئيسي على نشر مقتطفات من حوارات الدكتور البرادعي، مع التركيز على رؤيته الإصلاحية لمصر. ورغم أن الكتابة على الصفحة كانت رسمية، ولا تعبر عن رأي شخصي لغنيم، فقد كانت بمثابة تدريب مهم في كيفية إدارة صفحات الفيسبوك، وكانت من علاماتها المهمة استخدامها لاستطلاعات الرأي عبر الإنترنت، لتحديد خطة العمل.


كلنا خالد سعيد

عرف وائل غنيم بعد اعتقاله من قبل الأمن المصري بأنه كان أدمن صفحة خالد سعيد، التي ساهمت بشكل أساسي في الدفاع عن قضية الشاب السكندري الذي راح ضحية عنف الأمن، ثم ما كان لها من دور في الحشد للنزول يوم 25 يناير.

سرد غنيم قصة الصفحة التي حولت قضية خالد سعيد لقضية رأي عام، وكيف استخدمها لفضح الممارسات الفاسدة لوزارة الداخلية، والتي اعتبرها غنيم فرصة للعمل على إيقاف التعذيب والممارسات القمعية.

يرى غنيم أن القمع الإعلامي والقمع في الشارع جعل من العالم الافتراضي على الإنترنت بديلا مهما لنشر القضية والتعريف بها ودعوة الشباب لدعمها، مستخدما كافة الوسائل من تدوين ونشر الحقائق، وفن، وفيديوهات التعذيب التي كانت منتشرة على الإنترنت، وتصميمات فنية، وأيضا الوقفات الصامتة التي لاقت قبولا وتفاعلا كبيرا بين الجمهور، وقابلها رجال الأمن بمزيد من العنف.

وكرد فعل بدأت بعض الصحف القومية في الهجوم على الفيسبوك، وادعت أنه مملوك لوكالة الاستخبارات الأميركية، وأن الكثير من الجواسيس والأعداء يستخدمونه لغسل دماغ الشباب المصري.

من الإنترنت إلى الشارع
يرى غنيم أن الوقفات الصامتة أثبتت أن العمل على الأرض يزيد من التفاعل بين الأعضاء على الصفحة وأنه مهم وحيوي لاستمرارها، بل وصل الدعم لخارج حدود مصر، فقامت مجموعات شبابية من دول مختلفة مثل تونس واليمن بإنشاء صفحات لدعم القضية.

وكان أهم ما يميز صفحة كلنا خالد سعيد، بحسب غنيم، اعتمادها على الديمقراطية في اتخاذ معظم القرارات، خاصة فيما يتعلق بالأنشطة على الأرض، مما ساهم بشكل كبير في نجاحها، فكانت المشاركة والتفاعل هما المبدأين الأساسيين للصفحة.

في سبتمبر/أيلول 2010 وصلت الصفحة إلى ربع مليون عضو، وتحولت إلى منبر إعلامي يضاهي في قوته الجرائد ووسائل الإعلام الرسمية، من حيث الأعداد. وساهمت الصفحة كذلك في أنشطة أخرى بالتعاون مع صفحات أخرى، كتغطية انتخابات مجلس الشعب، وفضح انتهاكاتها، بالتعاون مع صفحة "رصد برلمان 2010".

نجاح الصفحة وفعالياتها، دفع بعبد الرحمن منصور إلى اقتراح القيام بنشاط ما في عيد الشرطة الموافق 25 يناير/كانون الثاني.

ثورة بميعاد
روى غنيم أن النقاش حول كيفية الاحتفال بعيد الشرطة لم يكن بنفس مستوى ما تمناه، ولكن بدءا من 13 يناير/كانون الثاني، كانت الأحداث في تونس دافعا قويا وأملا لتكراره بمصر.

مع ازدياد نشاط الدعوة للثورة على الصفحات الإلكترونية زادت الاشتراكات الوهمية التي قام بها أعضاء اللجنة الإلكترونية للحزب الوطني، للإيهام بوجود معارضة شديدة لفكرة النزول

كانت لدى غنيم العديد من المخاوف، فبحسب قوله، لم يكن ثائرا ولا متحمسا لفكرة إقناع الناس بالقيام بشيء عواقبه غير مأمونة، وليست لديه الخبرة للتعامل مع أعداد كبيرة من الناس إذا حدث ونزلوا للشارع، كما كان متخوفا من فشل اليوم وصدمته على الحالمين في التغيير.

ولكنه بدأ في حملة مضادة على دعاة الإحباط لتقليل تأثيرهم على باقي الأعضاء في الصفحة، فبدأ في وضع بعض الرسائل والتعليقات التي وضعها الأعضاء في الصفحة كتشجيع على المشاركة، وبالفعل كانت الاستجابة للحدث سريعة.
 
ومع ازدياد نشاط الدعوة للثورة زادت بشدة الهجمات الإلكترونية على الصفحة، والاتهامات بالخيانة والعمالة والتخريب، وكانت هناك المئات من الاشتراكات الوهمية التي قام بها أعضاء اللجنة الإلكترونية للحزب الوطني لإيهام أعضاء الصفحة بوجود معارضة شديدة لفكرة النزول.

ولم تكن الحملة مقتصرة على صفحة كلنا خالد سعيد، فصفحات أخرى -وبخاصة صفحة 6 أبريل- كانت تسير معها بالتوازي، وقامت مجموعات من الشباب بحشد أنفسها على الإنترنت ومن ثم طباعة الأوراق والمنشورات للدعوة لليوم، وإرسال رسائل بنفس المعنى على الهواتف المحمولة.

وفي يومين وصلت الدعوة للنزول إلى نصف مليون مصري على الإنترنت، وأكد الحضور أكثر من 27 ألفا، ووصل أعضاء الصفحة إلى 375 ألف عضو في 18 يناير/كانون الثاني.

25 يناير 2011
جمع غنيم كل المعلومات عن يوم 25 يناير في وثيقة تسهل طباعتها ونشرها على الإنترنت، حول سبب التظاهر وسر اختيار اليوم، وأماكن المظاهرات والهتافات الموحدة، وكذلك أرقام هواتف النشطاء المسؤولين عن غرف العمليات لدعم المتظاهرين.

دخل أكثر من خمسين ألف شخص على النسخة الرسمية للورقة، وانتشر نصها على مختلف المنتديات والمواقع، كما زاد معدل الصور التي تصل الصفحة وغيرها من الصفحات، ويعبر فيها أصحابها عن نيتهم في النزول.

بالتوازي، زاد نشاط اللجنة الإلكترونية للحزب الوطني بشكل أكبر وملحوظ في منتصف يوم 24 يناير على هيئة اشتراكات جديدة في الصفحة، عليها صور أحزاب معارضة  كالوفد وحركات سياسية مثل الإخوان وحركة 6 أبريل، وغيرها، كانت تحاول أن تثبط من عزائم الناس وتصف اليوم بمؤامرة على مصر لتخريبها مثل العراق ولبنان.

شارك في الترويج لليوم أيضا العديد من الكتاب، وكذلك بعض الشخصيات المعروفة في المجتمع، وبخاصة من لم يكن لهم صوت معارض من قبل، مثل بعض الفنانين والمطربين، وغيرهم، الذين قرروا المشاركة.

ثم تلا غنيم روايته عن يوم 25 يناير، وتحول الشعور من اليأس في بداية اليوم لقلة المشاركة والأعداد الكبيرة للأمن الذي أحاط تجمعات المتظاهرين، حتى وصل إلى التحرير ليرى مشهد آلاف المتظاهرين وملاحقات واشتباكات بين عناصر الأمن وبينهم.

استطاع الشعب أن ينجز الفصل الأول من القصة بنجاح، واستطاع أن يسقط الفرعون، ولكنها قصة لم تنته ولن تنتهي حتى تصبح مصر دولة من دول العالم المتقدمة

اعتقال وإفراج
تحدث غنيم عن نجاح يوم 25 يناير، وانتشار الصور والفيديوهات على الإنترنت كانتشار النار في الهشيم، ووصول أعضاء رصد إلى ربع مليون عضو في 24 ساعة.

ومرة أخرى تعود الدعوة للنزول يوم 28 يناير، ولكن يعتقل غنيم قبلها، ليقضي نحو 11 يوما معصوب العينين ومقيد اليدين. وخارج مكان اعتقاله كما كان دوره الإلكتروني سببا في اعتقاله، فقد كان أيضا آلية للإفراج عنه، من خلال ما قام به شباب الثورة وكثير من النشطاء في حشد الجهود للعثور عليه، سواء على الإنترنت أو خلال البرامج الحوارية، وحتى مجهودات شركة جوجل التي يعمل لديها.

وفور الإفراج عنه، أدرك غنيم أن قدرة الصفحة على الحشد انتهت بانتهاء يوم 28 يناير/كانون الثاني، فالقوة تحولت إلى الشارع ومن فيه، وأصبحت بعيدا عن صفحات الإنترنت التي لن يمكنها سوى تغطية الأحداث ومحاولة التأثير فيها تأثيرا محدودا.

وبالفعل استطاع الشعب أن ينجز الفصل الأول من القصة بنجاح، واستطاع أن يسقط الفرعون، ولكنها قصة لم تنته ولن تنتهي حتى تصبح مصر دولة من دول العالم المتقدمة، على حد قول غنيم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة