الوقف في العالم الإسلامي   
الاثنين 1432/6/28 هـ - الموافق 30/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)

عرض/محمد تركي الربيعو
يرى العديد من الباحثين العرب أن التاريخ الاقتصادي والمالي للولايات العربية العثمانية كان واحداً من المجالات الأقل حظا في الدراسة من بين الأبحاث التاريخية المتعلقة بهذه الفترة، والذي بقي يصور من قبل بعض الكتابات التاريخية العربية حتى فترة قريبة بوصفه شهد مرحلة انحطاط مستمر بعد القرن السادس عشر، في حين كانت المصادر والدراسات المعدة من قبل باحثين أتراك وغربيين تشير إلى وقائع مغايرة لهذه النظرة.

كما أخذ أبناء "التاريخ الجديد" العثماني ينبهون إلى أن هذا التاريخ بحاجة إلى أن يرسم على لوحة أكبر، وأن يدرس كجزء متكامل من الاقتصاد العالمي وخاضع لتقلباته كون هذه الدولة العالمية كانت تتبع في الواقع نماذج مختلفة جدا في التجارة وتدفق المدفوعات داخل منطقة تمتد من غربي أوروبا إلى المحيط الهندي.

-الكتاب: الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر
-المؤلف: محمد موفق الأرناؤوط
-عدد الصفحات: 295  
-الناشر: دار جداول, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى/ 2011

لكن رغم هذا التواضع في المعرفة التاريخية للحياة الاقتصادية للولايات العربية العثمانية من قبل جامعاتنا العربية، فإنه من غير الممكن الادعاء بأن العقود الثلاثة الأخيرة لم تشهد جهودا متميزة في إعادة كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لبعض المدن العربية العثمانية، لا بل وفي تأسيس مدارس عربية عثمانية جادة تنبع أهميتها من المصادر والوثائق الجديدة التي اعتمدت عليها بدءا بالسجلات الشرعية وسجلات الطابو، مرورا بالفتاوى ورحلات الغربيين وحتى الاعتماد على سجلات الأسعار لمطابخ الولاة والسلاطين العثمانيين إن وجدت، وفي مقدمة هذه الإسهامات تأتي الجهود المتميزة لكل من د. عدنان البخيت ود. عبد الجليل التميمي ود. عبد الكريم رافق.

ومن المحاولات الرائدة في هذا المجال أيضا نعثر على جهود أستاذ التاريخ بجامعة آل البيت بالأردن د. محمد الأرناؤوط، والذي انشغل على مدى عقدين من الزمن بالتأريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لبعض الولايات والمدن العثمانية، وأخص بالذكر ولايتي الشام والبلقان من خلال الاعتماد على وثائق الوقفيات كمصدر جديد للتأريخ لتلك المرحلة، ومن خلال الإتيان بنتائج تصعب بعض المصادر الأخرى على البوح بها، فيكفي مثلا أن يكتشف القارئ وهو يسير مع الأرناؤوط في رحلته حول التأريخ لبعض الأوجه العمرانية لمدينة دمشق حتى يدرك أن القسم الأكبر من الحمامات والأسواق والمدارس التي ما تزال موجودة إلى الآن ذات أساس وقفي عثماني في الأصل.

ومع العلم بأن الاهتمام بالأوقاف في بلاد الشام ليس عثمانيا، فإنه شهد في هذه الفترة طفرة حقيقية وخاصة بعد أن تغيرت رؤية الدولة لدورها في دعم البنية التحتية، ونقل هذا المهمة والدور للوقفيات التي أخذت على عاتقها مهمة الاستقرار السياسي للدولة والحفاظ على السلم الاجتماعي فيها.

"
أهمية الوقف كمصدر للتاريخ المحلي تنبع من طبيعة الوقف ذاته الساعي إلى تخليد الخير، ولذلك يحرص الواقف على تسجيل كل التفاصيل
"
وفي الحقيقة فأن أهمية الوقف كمصدر للتاريخ المحلي تنبع من طبيعة الوقف ذاته الساعي إلى تخليد الخير، ولذلك يحرص الواقف على تسجيل كل التفاصيل.

وبفضل هذا نجد في الوقفيات وصفا دقيقا للمحلات والخانات، بالإضافة إلى توضيح للأراضي الزراعية التابعة للوقف وحدودها مما يوفر لنا معطيات جديدة عن تلك المرحلة، ويسهم أيضا في التعرف على بعض الملامح الاقتصادية السابقة للفترة العثمانية وخاصة أن دمشق قد عانت كثيرا في القرن الأخير للحكم المملوكي بعد أن تعرضت للنهب سنة 1400م من قبل قوات تيمور لنك ونتيجة الأزمة الاقتصادية التي مر بها النظام المملوكي.

الأوقاف كمصدر للتاريخ الزراعي والتجاري
ففي الناحية الزراعية نجد أن بعض الوقفيات مثل وقفية سنان باشا مثلا تذكر بعض أنواع الضرائب والرسوم التي ترد في الوقفية مما يساعدنا في التعرف على المحاصيل التي كانت تزرع، وعلى الحيوانات التي كانت تربى مثل "رسم المرعى و"رسم النحل " وغيرهما من الضرائب التي كانت تجبى بشكل نقدي، مما يشير إلى ما تنبه إليه بعض الباحثين من تنام لاستخدام النقود في الفترة العثمانية ليس في المناطق المدينية فحسب وإنما أيضا بمشاركة واسعة من السكان الريفيين، وهو تطور شهده الريف الأوروبي في نفس الفترة، ولعل هذا ما يناقض العديد من الآراء الاقتصادية العربية الكلاسيكية التي ترى في الاقتصاد الريفي اقتصاد مقايضة.

أما في الجانب التجاري فإننا نعثر على صورة مهمة عن كيفية تطور الأسواق التجارية في مدينة دمشق خلال ثلاثة عقود من الزمن، وبما أن الوقف الخيري يحتاج إلى دخل دائم لتغطية النفقات لذلك كان يلجأ الواقف إلى إنشاء خانات وأسواق تؤمن باستثمارها الدخل الدائم للوقف.

وهكذا فقد عمد أحمد باشا إلى إنشاء خان عرف حينئذ باسم خان "الجوخ" بينما أصبح يعرف في نهاية العهد العثماني باسم خان "الخياطين" والذي مازال موجودا إلى الآن. وفي ملحق خاص بالوقفية سنة 1574م نشهد إنشاء سوق جديد آخر عرف باسم سوق "السيباهية أو سوق الأروام" الذي سيأخذ شكله لاحقا سوق "الحميدية " الحالي في دمشق.

أما في وقفية سنان باشا فإننا نجد قيام الواقف ببناء سوق "السنانية" حيث يحتوي على 74 دكانا مع 34 حجرة من الحجرات العلوية، وفي مكان حساس في طرف دمشق وبالتحديد عند باب الجابية الذي كان يعتبر الطريق الذي تدخل وتخرج منه قافلة الحج الشامي.

"
لا تكتفي الوقفية بحصر الدكاكين بل توضح أيضا ما يتم فيها من نشاط مهني أو تجاري مما يساعد في التعرف على الحرف التقليدية والجديدة في ذلك الوقت
"
كما لا تكتفي الوقفية بحصر الدكاكين بل توضح أيضا ما يتم فيها من نشاط مهني أو تجاري، مما يساعد في التعرف على الحرف التقليدية والجديدة في ذلك الوقت.

ففي السوق الجديد نجد إشارات متكررة إلى موضوع "البتان" والذي هو تعبير إسباني عن صنف من الأجواخ انتقل إلى المنطقة حوالي منتصف القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي مع قدوم واستيطان اليهود المهاجرين من إسبانيا نتيجة للاضطهاد الديني حيث نقلوا معهم من إسبانيا إلى بلاد الشام التقنية الجديدة في صناعة الجوخ.

وقف النقود
أما في الجانب الآخر المتعلق بعمليات التسليف فقد كان د. عبد الكريم رافق قد أشار في دراسته لبعض المظاهر الاقتصادية والاجتماعية لبلاد الشام -مثل لواء حماة- بالاعتماد على سجلات المحاكم الشرعية لفترة 1535-1536 م، إلى أن شبكة الإقراض كانت متسعة في تلك الفترة، لكن معظم هذه العمليات كانت من طبيعة القرض الحسن حيث لا فائدة تذكر في عقود القروض.

لكن مع النصف الثاني من القرن السادس عشر ظهر نوع جديد من التسليف يقوم على الفائدة من خلال عمل مؤسسة وقف النقود التي أسهمت في تنشيط الحياة التجارية لبعض المدن، ولعل في التطرق والتأريخ لهذا الوقف ما يعارض العديد من المسلمات المتعلقة بتاريخ الفائدة في العالم الإسلامي والذي مازال لا يحظى كذلك بأي اهتمام في ساحتنا العربية على الرغم من عودة الحديث بقوة عن الاقتصاد الإسلامي وعقد عشرات المؤتمرات والندوات في هذا الشأن خلال السنوات القليلة الماضية.

وتعتبر مؤسسة الوقف النقدي من بين المؤسسات العثمانية المميزة، وقد رآها البعض مثالا مهما على تفعيل القانون الوضعي في الشريعة الإسلامية، لا بل "ثورة في الفقه الإسلامي المتعلق بالوقف "وفق تعبير مؤلف الكتاب، حيث قام هذا الوقف على حبس مبالغ كبيرة تقدم "بفائدة محدودة" للتجار وصناع الحرف.

"
تعتبر مؤسسة الوقف النقدي من بين المؤسسات العثمانية المميزة، وقد رآها البعض مثالا مهما على تفعيل القانون الوضعي في الشريعة الإسلامية
"
وقد شهد هذا النوع من الأوقاف خلافا حادا بين الفقهاء بالقرن الخامس عشر، وأخذ هذا الأمر يتبلور على أعلى مستوى حين بادر الملا خسرو نفسه شيخ الإسلام خلال (1460-1480)م إلى تبرير هذا الوقف في كتابه "درر الحكام في شرح غرر الأحكام" الذي بقي المرجع الرسمي للفقه الحنفي بالدولة العثمانية عدة قرون.

وبرأي البعض فإن هذه الرؤية للفائدة قد ارتكزت على نقطتين أساسيتين:

الأولى: إن هذه الفائدة كان الهدف منها هو توفير دخل ثابت باستمرار لسد نفقات وحاجات المنشآت الخيرية وخاصة أن فلسفة الوقف تقوم على مبدأ الصدقة الجارية، أما النقطة الثانية فهي تعبر عن الرغبة في مواجهة حالات التضخم التي مرت بها السلطنة وخاصة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر والذي شهد فيه الوزن الفضي للوحدة العثمانية (الأقجة) في فترة محمد الثاني (1444-1481)م انخفاضا ست مرات بسبب ما سمي بمجاعة الفضة والسبائك التي ظهرت بأوروبا تلك الفترة والتي ترافقت كذلك مع سياسة حكومية عثمانية تعتمد على التدخل وعلى تكوين احتياطي كبير من الفضة والذهب.

وهذا يؤشر إلى حيوية الفقه الإسلامي تلك الفترة للتأقلم مع الظروف الاقتصادية بعكس ما تشهده اليوم بعض الدعوات المأخوذة بـ"سحر القول في الاقتصاد الإسلامي" والتي بخطابها تمارس ما أسماه الباحث الفرنسي أوليفييه روا بـ "الأنثربولوجيا الفقهية" حيث تغيب كافة التحليلات الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع المعاصر الذي لا يعاني برأي هذا الخطاب إلا من أزمة الأخلاق الرأسمالية.

وقد بقيت مسألة مدى الانتشار الجغرافي لأوقاف النقود في الأقاليم العربية غير واضحة، حيث يرى جون ما ندفيل في دراسته "المردود الخيري للربا" التي نشرت قبل سنوات في مجلة الاجتهاد العدد 43 المتوقفة حاليا حيث تناول الخلاف الدائر حول وقف النقود في الدولة العثمانية، بالقول إن هذا النوع من الأوقاف لا نعثر عليه في البلاد العربية إلا في القرن التاسع عشر أما قبل ذلك فهو نادر جدا، وكذلك الحال بالنسبة للمؤرخ التركي شوكت باموق الذي أثار في كتابه "التاريخ المالي للدولة العثمانية " الحديث عن وقف النقود لكن عند تأريخه لهذا النوع في الولايات العربية أشار فقط إلى أوقاف النقود في حلب.

ومن هنا تأتي أهمية دراسات الأرناؤوط في هذا الجانب ليصحح ويسد الفجوة الواضحة فيما يتعلق بتاريخ هذا الوقف في بلاد الشام.

وهكذا بالاستناد إلى بعض الوقفيات، فقد ظهر أول وقف للنقود في الشام بحلب عام 1556م على يد والي حلب السابق محمد باشا دوكاجين، وإلى تلك الفترة ذاتها لدينا ظهور آخر وأهم لوقف النقود في القدس حتى يمكن القول إن أهم انتشار لوقف النقود في بلاد الشام كان في القدس.

ونظرا لكون القدس قد حظيت باهتمام كبير خلال عهد السلطان سليمان القانوني وباتت مقرا لسنجق، فقد عرفت القدس وجودا إداريا وقضائيا جديدا كله تقريبا من "الأروام" الذين جاؤوا من عمق الدولة العثمانية.

"
ليس من المصادفة أن يكون الإقبال على وقف النقود مرتبطا برموز الإدارة العثمانية الذين كانت لهم تجربة مع وقف النقود في المناطق التي كانوا فيها قبل قدومهم إلى القدس
"

وهكذا ليس من المصادفة أن يكون الإقبال على وقف النقود مرتبطا برموز الإدارة العثمانية الجديدة الذين كانت لهم تجربة مع وقف النقود في المناطق التي كانوا فيها قبل قدومهم إلى القدس.

وفي هذا الإطار ليس من المصادفة أن يكون أول وقف للنقود في القدس قد أنشأه سنة 1556م أمير لواء القدس فروخ بك الذي أوقف آنذاك ستة عشر ألف درهم على أن تشغل كقروض بربح مقداره 15%، وأن ينفق الريع المتحصل منها على عشرة قراء للقرآن الكريم في الحرم الإبراهيمي بالخليل، ويلاحظ هنا أن الإقبال على وقف النقود في القدس بقي يتزايد حتى يمكن القول إنه قد شكل حوالي 50% من الأوقاف الخيرية التي أنشئت بالقدس خلال القرنين الأولين للحكم العثماني، وهذا ما لا نجده بأية مدينة عربية أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة