الإعلام والهجرة إلى العصر الرقمي   
الأربعاء 14/5/1436 هـ - الموافق 4/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:28 (مكة المكرمة)، 14:28 (غرينتش)

عرض/ وليد الزبيدي
يزداد اهتمام الباحثين والدارسين بموضوع الإعلام الرقمي بصورة مطردة، وتزخر المكتبة العربية بالعديد من الكتب التي تبحث في زوايا عديدة من هذا العالم، ويطلق الكثير من الباحثين والدارسين على هذا العصر تسمية "العصر الرقمي" لمحاولة تمييزه عن حقبة الإعلام التقليدي.

وبالتأكيد ستكون ثمة نقاشات وطروحات وأفكار تحاول اللحاق بقطار هذا الإعلام الذي يشهد طفرات سريعة يحاول الكثير من الباحثين للإمساك بها، لكن أغلبية الجهود البحثية تسعى لتأسيس فهم دقيق لهذا العالم، مما يساهم في فتح آفاق جديدة للبحث والدراسة في ميدان الإعلام الرقمي.
- العنوان: الإعلام والهجرة إلى العصر الرقمي
- المؤلفان: حارث عبود ومزهر العاني
- الناشر: دار الحامد للنشر والتوزيع/ الأردن
- الطبعة: 2015
- عدد الصفحات: 275


الهجرة
لا أعرف مدى دقة مفردة "الهجرة" التي استخدمها الباحثان الدكتور حارث عبود والدكتور مزهر العاني عندما اختارا عنوانا لكتابهما، هو: "الإعلام والهجرة إلى العصر الرقمي"، لأن الهجرة غالبا ما توحي بالمغادرة التي تقترب من قطيعة الحقل أو المكان السابق، في حين يصعب الجزم بأن دخول العصر الرقمي يعني انقطاعا تاما عن الحقول الإعلامية التقليدية، والدليل هو أن الكوادر العاملة في الحقل الإعلامي الرقمي أغلبيتها -إن لم يكن جميعها- من العاملين في الإعلام التقليدي.

لكن قد يقصد الباحثان بمفردة "الهجرة" الإيحاء بأن الفروق الشاسعة بين الوسائل السابقة والجديدة تمهد الطريق لقطع الصلات العملية مع جميع أنواع الإعلام التقليدية، وإذا كان هذا هو قصدهما فإن الأمر قد يكون دقيقا في ضوء تراجع الصحافة الورقية على سبيل المثال أمام الصحافة الإلكترونية.

من بين صفحات الكتاب البالغة 275 صفحة يخصص الباحثان 45 صفحة فقط للحديث عن عصر ما قبل الإعلام الرقمي، وهو ما يتضمنه الفصل الأول الذي يركز على ثنائيتين، هما: الاتصال والإعلام، والحاسوب والإنترنت، ويجول الكتاب على الواقع الاتصالي قبل ظهور الحاسوب والإنترنت، واستدعى ذلك التعريف بالكتاب المطبوع والصحافة المطبوعة، ومن ثم وكالات الأنباء والسينما والإذاعة والتلفزيون.

البداية
بداية الهجرة إلى العصر الرقمي انطلقت مع حقبة ما بعد ظهور الإنترنت، وقبل أن يتعمق الباحثان في هذا العالم ذكرا أن ثمة مؤتمريْن قد عُقدا في الربع الأخير من القرن العشرين لا بد من التوقف عندهما: الأول عُقد عام 1990 في القاهرة لمناقشة الإعلام العربي والبث المباشر، وخلص فيه الباحثون إلى أن ليس أمام العرب غير ثلاثة طرق للتعامل مع التحولات الكبيرة والسريعة في تقنيات الإعلام، وهي: مواجهته والتصدي له، أو مجاراته والانقياد إليه، أو مواكبته وقبول تحدياته.

المؤتمر الثاني أقامه عام 1995 مركز بحوث المستمعين والمشاهدين التابع لاتحاد الإذاعات العربية في بغداد تحت عنوان "الإعلام، التربية، المستقبل"، وخرج بخلاصة مفادها أن ضرورات التطور المعاصر تقتضي التمسك بالأصالة والمعاصرة.

لا شك أن الكثير من الباحثين والمهتمين والعاملين في حقل الإعلام لم يتوقعوا هذا التسارع في العالم الرقمي، لكن ذلك لم يمنع من التكيف معه والتعاطي مع مفرداته والتفاعل معه، دون إضاعة فرصة الاستفادة من عوالمه الكثيرة والجديدة.

ثلاث فئات
لم تدخل فئة جديدة في الإعلام منذ عدة عقود، وعندما ظهرت الإذاعة في بدايات القرن العشرين حصلت نقاشات وحوارات عن إمكانية تأثير ذلك على الصحافة المكتوبة، ومثل ذلك الأمر حصل مع ظهور التلفزيون وانتشار السينما، لكن ما حصل خلال عقود طويلة هو أن جميع العاملين في وسائل الإعلام تلك هم فئة واحدة يجتمعون حول مائدة واحدة عنوانها الإعلام.

الكثير من الباحثين والمهتمين والعاملين في حقل الإعلام لم يتوقعوا هذا التسارع في العالم الرقمي، لكن ذلك لم يمنع من التكيف معه والتعاطي مع مفرداته والتفاعل معه، دون إضاعة فرصة الاستفادة من عوالمه الكثيرة والجديدة

إن العقود الثلاثة المنصرمة -كما يقرر الباحثان- قد سببت ظهور ثلاث فئات: الأولى، فئة أغمضت عينيها عما يجري من تحولات في البيئة الاتصالية، وأدارت ظهرها للتطورات المتجددة في هذا الحقل.

والثانية، فئة هاجرت إلى العصر الجديد القائم على تكنولوجيا العصر، وأتقنت بعض مهارات التعامل مع مبتكراته الرقمية. والفئة الثالثة، انتقلت بوعيها كله وانتمائها إلى العصر الجديد.

يقرر الباحثان أن الفئتين الثانية والثالثة (وهما المهاجرة والأصيلة) وجدتا نفسيهما في لجة صحراء من الرماد المتحركة يسمونها العصر الرقمي، أو تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، أو الحضارة الرقمية، أو المجتمع الإلكتروني، وتسميات أخرى تظهر من المجهول أكثر مما تظهر من المعلوم، لكنها الطريق الوحيد الذي لا بد منه للعبور إلى المستقبل.

ورغم أن عنوان الكتاب يبدو أنه يقرر بصورة شبه قطعية مغادرة العالم التقليدي إلى الرقمي، فإن الباحثين يحاولان تصنيف الفئات مع التأكيد على أن الرمال المتحركة قد تتوقف عن العالم الرقمي دون غيره، وهو ما تشي به جميع التطورات المتسارعة التي يشهدها هذا العالم.

اشتراطات
لكل حقبة إعلامية اشتراطاتها التي تتحكم في عوالم هذا الإعلام، وتمنحه الديناميكية للتحرك في فضاء واسع بهدف إيصال الرسالة وتوثيق العلاقة بين الوسيلة الإعلامية والجمهور المستهدف، وبما أن الإعلام الرقمي قد دخل حديثا -سواء الوافد منه أو المنتج محليا- في واقعنا العربي فإن الاشتراطات تحدد الإطار وتتحكم في الجوهر أيضا.

ويؤكد الباحثان أن الوسيلة الإلكترونية الحديثة قد فرضت -بخصائصها وإمكاناتها المتطورة- واقعا جديدا يلقي بظلاله على محتوى الرسالة وطريقة عرضها، بصورة أصبحت معها الرسالة منقادة -أو محكومة على الأقل- من قبل الوسيلة وقدراتها السحرية التي خطفت أبصار الجمهور بما تمتلكه من قدرات العرض المبهر على حساب عمق المضمون.

إن الحكم الذي جاء في الكتاب على المضمون قد يصح في حيز ولا يصح في حيز آخر، إذ لا تهتم وسائل الإعلام الرقمية أو الإلكترونية جميعها بالإبهار على حساب عمق المضمون، وقد تلجأ إلى ذلك وسائل الإعلام التي تعمل بطريقة الإبهار أكثر من الاهتمام بالمضمون.

لكن التجارب الإعلامية التقليدية والحديثة أثبتت -بما لا يقبل الشك- أن الجمهور يرصد ويمحص ويدقق، وقد ينجر فترة إلى الإبهار، لكنه لن يستمر طويلا في متابعة مثل هذه وسائل الإعلام، وتعمل وسائل إعلام إكترونية كثيرة على الاستفادة من تقنيات الإبهار الحديثة لجذب الجمهور، دون أن تتنازل عن أهمية العمق في المضمون أو تفرط فيه.

ويخلص الكتاب -في مسألة الاشتراطات- إلى أنه قد أصبح لزاما على جميع العاملين في الصحافة الرقمية إتقان مهارات استخدام التكنولوجيا الحديثة للتعبير عن أفكارهم بشكل يؤثر في الجمهور.

العصر الرقمي
عند الحديث عن العصر الرقمي في الإعلام لا بد من عرض السمات الأساسية للبيئة الاتصالية الجديدة، وما قدمته تكنولوجيا الاتصال والمعلومات من تحسينات للإمكانات التقنية في وسائل الإعلام التي كانت مهيمنة قبل ذلك، والإمكانيات الاتصالية المبتكرة التي اعتمدت بالكامل على تقنية الحاسوب والإنترنت.

أثبتت التجارب الإعلامية التقليدية والحديثة -بما لا يقبل الشك- أن الجمهور يرصد ويمحص ويدقق، وقد ينجر فترة إلى الإبهار، لكنه لن يستمر طويلا في متابعة وسائل الإعلام التي تعتمد على الإبهار وحده

لم يقتصر الاهتمام على وسائل الاتصال بالجمهور التي فرضتها أو قدمتها التقنيات الحديثة، بل إن الأمر يشمل الشكل أيضا، فهناك التصميم الحديث ودخول التقنيات فيه واستخدام شكل الحرف وسهولة تغيير ذلك واستبداله في أي وقت يشاء القائمون على الوسيلة الإعلامية.

كما أن التقنيات قد وسّعت دائرة العاملين والمشاركين في وسائل الإعلام المختلفة، إذ أصبح المواطن قادرا على المشاركة في صناعة الخبر إذا صادف حدثا مثيرا وتمكن من الانفراد بالتقاط صور له، فإن تلك الصور سرعان ما تتصدر الشاشات وتتناقلها الفضائيات.

ورغم المآخذ الكثيرة على ما ينشره الناس في وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه لا ينكر أحد أنها تصل إلى شرائح كثيرة وتؤثر فيهم، ولذا غالبا ما نسمع بحظر بعض تلك الوسائل في دول مضطربة.

إن الإعلام الرقمي يشجع على تطور سريع تشهده الأدوات المستخدمة في ميدان الصوت والصورة وتحسين البث وتقليل الكلف، وهذا يفتح الباب أمام هجرات متنوعة وكثيرة نحو هذا الإعلام وقد تكون أسرع مما يتصوره الكثيرون.

كتاب "الإعلام والهجرة إلى العصر الرقمي" يحاول المزج بين الكتاب المعرفي لما يتضمنه من معلومات وطروحات عميقة وواسعة ومتميزة، والكتاب التعليمي الذي يحتاجه طلبة الدراسات العليا في حقل الإعلام والاتصال وجميع الباحثين والمهتمين بوسائل الإعلام الحديثة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة