حكم العسكر   
الأربعاء 28/5/1436 هـ - الموافق 18/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:25 (مكة المكرمة)، 14:25 (غرينتش)

عرض/حسين نشوان
بصرف النظر عن المكونات التاريخية للأمم، يخضع تأسيس الدولة بالمفهوم القومي الذي أقره مؤتمر وستفاليا (1648) لشروط غير التاريخ والجغرافيا أو اللغة والثقافة، فهو يقوم على نوع من "التراضيات" والاستحقاقات السياسية التي تفرضها المصالح الخارجية والداخلية.

وربما تكون مصر من أكثر الدول التي خضعت لاشتراطات الاستحقاقات التأسيسية لنفوذ العسكر ومصالحهم، وحضورهم في النسيج الاجتماعي.

ومنذ تأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي باشا (1805-1848)، لم يغب الجيش عن المشهد كقوة محركة وصانعة للأحداث، وكان المحرك الرئيس للحال السياسي في مصر، ولكن ما لا يعرفه سوى القلة أن الجيش غدا يمثل البيئة المدنية أيضا من خلال سيطرته على الاقتصاد وإدارة المجتمع المحلي من خلال "المحافظين" وهو ما جعل العسكر بمثابة الحزب الأكثر قوة، والقبيلة الأصلب شوكة، وبات حضوره عميقا في المجتمع المصري، بما يملك من تنظيم وانضباط يفوق أي مؤسسة أخرى.

-العنوان: حكم العسكر.. التكوين التاريخي والطبقي (تجربة مصر)
-المؤلف: سامح المحاريق
-الناشر: البيروني ناشرون وموزعون
-عدد الصفحات: 135
-سنة النشر: 2015

ومن المهم التذكير بأن الأبنية التي تم تنظيم الدولة المعاصرة على أساسها وأسس لها الضابط الألباني محمد علي وفق طموحاته السياسية، كان يريد منها أن تشكل قوة لحمل مشروعه التوسعي، ومن هنا رفع عدد المجندين، وأتاح لمختلف الطبقات التي كانت محرومة في عهود سابقة الدخول في السلك العسكري، ووفر البعثات الدراسية العلمية في شتى الحقول لاكتساب العلم من أوروبا، وفي إطار تعزيز القوة العسكرية أقام المصانع العسكرية، وأنشأ برنامجا تدريبيا معاصرا.

لعل بروز النزعة العسكرية التي تمثل النخاع الشوكي للدولة في مصر لا يعود سببها إلى النزعة التوسعية الجغرافية، بل إلى البعد التاريخي الذي يتصل بالحقب والدول، وأنظمة الحكم الثيوقراطية التي مرت على وادي النيل منذ الفراعنة، ولم تختلف عن ذلك طبيعة الحقب اللاحقة التي تجلت في المؤسسات العسكرية المملوكية والفاطمية والتركية.

التكوين التاريخي للمؤسسة العسكرية
هذه المقدمة يمكن أن تمثل إضاءة على التكوين التاريخي للمؤسسة العسكرية في مصر التي تناولها بالدراسة الباحث والإعلامي سامح المحاريق، في كتاب "حكم العسكر.. التكوين التاريخي والطبقي ".. تجربة مصر. الصادر عن دار البيروني ناشرون وموزعون.

وينقسم الكتاب الذي يقع في 135 صفحة من القطع المتوسط، ويشتمل على مقدمة، ومحاور: مهنة الحرب، تجسد شخصية العسكر في التاريخ الإسلامي، مصر بستان العسكر، والعسكريتاريا.. الصعود للهاوية.

في المقدمة يلقي المؤلف الضوء بمهاد حول الموقف الشعبي من العسكر على مدار خمسة عقود، لافتا أن الجماهير ضاقت ذرعا بالعسكر، "بسبب الإحساس بالخديعة من الطبقة التي أولوها ثقتهم منذ البيان الأول لثورة يوليو 1952"، ورغم صعود الإخوان المسلمين الذين كانوا الأكثر جاهزية للوصول للحكم، فإن مرور عام من "الحكم المشتت والتائه، الذي أسهمت في تعميق أزمته شخصية الرئيس محمد مرسي"، حدا بالمصريين إلى أن "يستنجدوا بالعسكر".

يقول الكاتب إن مجريات الأحداث في الأشهر الأخيرة من حكم مرسي التي مهدت لاستعادة الحكم بواسطة العسكر تشكل تحديا أمام المختصين في علم نفس الجماهير"، وإن الجيش بوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي "نجح في استعادة دور العسكر أكثر مما تمكن من إزاحة الإخوان المسلمين"، متسائلا عن دور مصر التي تقف على مفترق طرق بين هويتها الفرعونية والعربية، ولا يمكن أن ينسى العالم أو يتناسى مصر ليمنحها فرصة النضوج والتطور.

لعل بروز النزعة العسكرية التي تمثل النخاع الشوكي للدولة في مصر لا يعود سببها إلى النزعة التوسعية، الجغرافية، بل إلى البعد التاريخي الذي يتصل بالحقب والدول، وأنظمة الحكم الثيوقراطية التي مرت على وادي النيل منذ الفراعنة

الكتاب هو محاولة لاستشراف مستقبل مصر بعد تدخل الجيش لمرتين متتاليتين في الحياة السياسية المصرية، في ظل تغيب المجتمع المدني والشروط الأساسية اللازمة لإطلاق تجربة بناء دولة معاصرة.

فشل الحياة السياسية
يعالج الفصل الأول من الكتاب موضوعا راهنا يتعلق بالاستقطاب بين الحكم الديني والعسكري ليعالج الطرف الغائب الحاضر في المعادلة ويقدم دراسة عن حكم العسكر في غمرة الانشغال بدراسة تجربة الإخوان المسلمين ومختلف جماعات الإسلام السياسي.

كما يناقش تطور دور العسكر بين الأمني الداخلي والدفاعي والعدواني التوسعي، مستعرضا التجارب الفارسية والرومانية، لافتا إلى أن مصر تاريخيا لم تكن دولة توسعية، بشكل عام، وسبب ذلك أن الجيش في مصر الفرعونية لم يكن يمثل وحدات تتبع لقادة عسكريين محترفين، بل تخضع للفرعون وفق الولاء الديني، بخلاف الإمبراطورية اليونانية التي كانت تعتبر القتال حرفة، و"وظيفة حيوية" و"طبقة عسكرية".

في الفصل الثاني يبدأ الكتاب من تحليل تاريخي لارتباط ظهور الطبقة ودخولها فاعلا سياسيا مع تزايد التهديدات لبنية الدولة في العصور القديمة، ويمضي في استعراض دور هذه الفئة التي تحولت إلى طبقة لاحقا في التاريخ الإسلامي، مستعرضا صعود ونهوض المماليك في مصر متتبعا تطور الجيش المصري وطبيعة علاقته مع مختلف فئات المجتمع في مصر ابتداء من عصر محمد علي حتى ثورة يوليو 1952 التي يضعها بداية لعصر جديد في المنطقة العربية ككل.

وينطلق الكاتب من تلك المحطة المفصلية لتوصيف وتحليل المتغيرات الاجتماعية في مصر، خاصة ما ارتبط منها بالإزاحات الطبقية التي تبعت الثورة وتجددت في عصري الرئيسين السادات ومبارك مستقرئا مقدمات ثورة يناير 2011 التي وعدت بتحول ديمقراطي ومدني سرعان ما تحول إلى صراع متعدد الأطراف أعاد نموذجا جديدا من الحكم العسكري.

بستان العسكر
في الفصل الثالث، الذي حمل عنوان "مصر بستان العسكر" يستعير المؤلف مقولة تاريخية في وصف الشام التي كانت بستان المدينة"، بمعنى باب رزقها، ليسقطها على الطبقة العسكرية في مصر التي تشكلت على مدار خمسين عاما.

ويشير المؤلف إلى أن تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بثورة يوليو 1952 لم يكن ممثلا للنخبة العسكرية فحسب بل للنخب المصرية"، وأن الإخوان المسلمين تمكنوا من الحصول على جناح خاص بهم، ولكن "التنظيم بعامة كان هلاميا"، بمعنى أنه اندمج في الجسم العسكري، "وكان من المؤيدين له"، وتحديدا بعد الانقلاب على الملك فاروق الذي تأسس الجيش في عهده على أسس طبقية، وتجرع الكثير من المآسي، ومنها هزيمة 1948 في فلسطين، ويفسر أن حدوث الانقلاب العسكري غالبا يرتبط بالهزائم العسكرية المريرة، وقد كان الجيش المصري يعاني "من ذروة الاغتراب" التي تجلت في أحداث 1951، وكان المصريون قبل بيان الثورة يتوقعون "أن يكون ثمة تغيير بطيء أو تدريجي بقيادة حزب الوفد أو الإخوان المسلمين"، فاغتنمها العسكر لأن "السلطة بعد حرب فلسطين كانت ملقاة على قارعة الطريق كما وصفها الكاتب محمد حسنين هيكل.

في الفصل الأخير يعاين المؤلف تحول السلطة العسكرية إلى مؤسسة مترامية النفوذ على الجوانب المدنية، فلها نفوذ سياسي واجتماعي، وامتداد في القطاع الصناعي الذي مثل دولة داخل الدولة.

يقول المؤلف "بدأت تظهر في مصر طبقة جديدة من الضباط أخذت دورا واسعا على أساس ثقة الرئيس جمال عبد الناصر بكل واحد منهم، وليس على أساس الكفاءة الشخصية، وهو ما ساعد هذه الطبقة في السيطرة على مجموعة مهمة من المفاصل المهمة في الدولة، ومنها إدارات الحكم المحلي، ووسائل الإعلام، في المقابل غياب القيادات البيروقراطية وهشاشة الطبقة الأكاديمية، وعمليات الإقصاء التي نفذها الضباط الأحرار تجاه الفاعلين سياسيا من الأحزاب الأخرى".

إقصاء وتهميش
بعد مجيء السادات كان من الواضح أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تقبل برئاسته للدولة، ولكنها لا ترى فيه قائدا عسكريا مميزا، وبالأحرى "الحامي لمصالحهم"، و"بدت علاقة السادات مضطربة مع قيادات الجيش المصري، وتعمقت الهوة بعد توقيعه لمعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1977، وكان السادات في ذلك الوقت "يستمد شرعيته من الرضا الأميركي"، وليس من التفاعلات الطبيعية في الشارع المصري على اختلاف توجهاته وانتماءاته، وبالتالي لم تمثل عملية اغتياله الكثير للمؤسسة العسكرية التي كانت ترى أنه (خان مصالحها بشعارات الانفتاح التي أبرزت طبقة الوكلاء وحيتان السوق).

أما الرئيس محمد حسني مبارك، الذي جاء من الصفوف الأولى للمؤسسة العسكرية فقد كان مدركا لتراجع مكانة الجيش ودوره في عهد السادات، ومدركا لتململ القيادات العسكرية، ليركز على الاهتمام بالقيادات وتحسين وضعهم الاقتصادي، وفي فترة "السلم" مع إسرائيل وسع دور الجيش التنموي لبناء الجسور والأنفاق والإنتاج الاستهلاكي.

كانت أبرز التحديات التي واجهت حكم الإخوان عدم التفاتهم لقوى الشد العكسي التي كان من مصلحتها إثارة الفوضى، وتهميش مرسي للمجلس العسكري، وتزامن ذلك مع تخوف دول عربية من "المشروع الإخواني" وعدم إدراك الحكم الجديد للبنية العميقة للدولة المصرية
وقدر دارسون حجم الإنتاج المدني للمؤسسة العسكرية المصرية في مجمل الإنتاج بنحو40% من حجم الاقتصاد الكلي، وإن كان مبارك لم يمتلك "كاريزما" عبد الناصر ولا "فهلوة" السادات، فقد كان "موظفا جيدا"، ولكن المشكلة في توسيعه لدور الأمن الداخلي الذي حول مصر إلى دولة بوليسية في ظل انتشار القيم الاستهلاكية، والفقر والبطالة.

لم يكن الجيش ينظر بعين الرضا لما يجري، ولكنه في الوقت نفسه لم يكن ليتدخل في الأمور الداخلية، خصوصا أن مصالحه لم تمس، وبقي يراقب من بعيد، وجاءت موجة الحرب على الإرهاب لتعيد جهاز المخابرات الذي يتولاه عمر سليمان إلى واجهة الدولة، ولم يقتصر دوره على الملف الأمني بل تطور للعب دور عربي، و"المشاركة في صياغة مستقبل مصر"، وبرزت فكرة التوريث، بل إن جمال مبارك كان يمثل رئيس الظل الذي عرَّض ثروات مصر للنهب، وكان الجيش يناهض فكرة التوريث.

لاحقا عاد الجيش ليتصدر المشهد، ولكن من خلال التخلي عن مبارك، وفي الوقت نفسه إطالة زمن الفوضى ومراقبتها لعقد صفقة -حسب المؤلف- مع الحزب الأكثر تنظيما في مصر، (الإخوان المسلمون) لتقاسم السلطة، ولكن السرعة التي اندفع بها الرئيس مرسي "للإطاحة بأعضاء الفريق العسكري الذي أسهم بتمكين الإخوان من الحكم، وتحديدا المشير محمد حسين طنطاوي، والفريق سامي عنان، أديا إلى وجود تخوف من شخصية مرسي ونواياه".

أمراض النخبة والسلطة
كانت أبرز التحديات التي واجهت حكم الإخوان عدم التفاتهم لقوى الشد العكسي التي كان من مصلحتها إثارة الفوضى، وذهاب مرسي إلى تهميش المجلس العسكري، وتزامن ذلك مع تخوف دول عربية من "المشروع الإخواني" وعدم إدراك الحكم الجديد لبنية الدولة المصرية خاصة ما عرف بالدولة ذات البناء العميق، وإحساس المعارضة بالتهميش، وتحديدا الشباب الذين أحسوا بأن الثورة أضاعتهم، فلجؤوا للجيش.

هل تمثل عودة الجيش للسلطة -خصوصا في تشابه الظروف مع مقدمات ثورة يوليو- استعادة لزمام الأمور بعد أن اتسعت الهوة بينهم وبين الشعب، لانسلاخهم عن المجتمع؟ هل سيتمكن الجنرالات الذين سيتولون المرحلة من إخراج المجتمعات العربية من "الدائرة الملعونة التي تجعل من الشعوب مضطرة للتعايش مع أمراض النخبة والسلطة القائمة"، ثمة أسئلة كثيرة وكبيرة تحيط بعودة الجيش لإدارة مؤسسة السلطة، ولا أحد يدري نتائجها، ولكنها تثير المخاوف والتوجسات.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة