المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية   
الجمعة 1432/2/24 هـ - الموافق 28/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:18 (مكة المكرمة)، 16:18 (غرينتش)

عرض/ عبد الحافظ الصاوي
يناقش الكتاب واحدة من القضايا الهامة في مسيرة المصارف الإسلامية، منذ نشأتها وحتى الآن، وهي قضية المسؤولية الاجتماعية، وإن كانت المناقشات السابقة لم تأخذ هذا المسمى الدقيق "المسؤولية الاجتماعية"، ولكن كان ولا يزال التساؤل المطروح هو ماذا أضافت المصارف الإسلامية إلى اقتصاديات البلدان التي تواجدت بها؟ هل ساعدت على تمويل خطط التنمية بها؟ هل غيرت من خريطة الفقر والبطالة والتخلف التكنولوجي؟

-الكتاب: المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية .. طبيعتها وأهميتها
-المؤلف: د. محمد صالح علي عياش
-عدد الصفحات: 164
-الناشر: البنك الإسلامي للتنمية, جدة
-الطبعة: الأولى/ 2010

وأوضح المؤلف بين دفتي الكتاب عدة منطلقات ليحدد مرامي كتابه، منها: أولا: أن المقصود بالمسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية ليس فقط قيامها بجمع الزكاة من المودعين أو من المساهمين وتوزيعها على مستحقيها، أو القيام والمساهمة في بعض الأعمال الخيرية -مع أهمية هذا الأمر- ولكن المراد هو مدى تحقيق المصارف الإسلامية -من خلال تعاملها مع المدخرين والمستثمرين- في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات التي تتواجد فيها.

ثانيا: أن البنوك الإسلامية جزء في منظومة الرؤية والتصور الإسلامي للمال، وأن القيمة العلوية في هذه المنظومة هي توحيد الله عز وجل وعبادته، وأن الإنسان هو خليفة الله في أرضه، وأنه مكلف في إطار هذه الخلافة بعمارة الأرض، ومن هنا فالمال له وظيفة محددة وهي عمارة الأرض، ينبغي أن يوظف في إطارها، سواء كان المال تحت تصرف الأفراد، أو المؤسسات.

نشأة المسؤولية الاجتماعية
تناول الكتاب مفهوم المسؤولية الاجتماعية في إطار الحضارة الغربية واقتصادها التقليدي، من كون المصطلح ارتبط بالشركات باعتبارها عصب الاقتصاد التقليدي، وأن الحديث عن المسؤولية الاجتماعية للشركات بدأ في العقد الأول من القرن العشرين، وأن هناك العديد من التعريفات للمسؤولية الاجتماعية لم يستقر المجتمع العلمي على تعريف محدد منها، وقد سرد المؤلف قرابة عشرة تعريفات للمسؤولية الاجتماعية، وعزا هذا التعدد إلى مجموعة من الأسباب أهمها، ارتباط المصطلح بفروع المعرفة المختلفة، مثل الإدارة والاجتماع والأخلاق والقانون.

وكذلك اختلاف السياق الزمني والمكان لتناول مفهوم المسؤولية الاجتماعية. وحتى يكون القارئ على بينة من الأمر نذكر أحد هذه التعريفات الواردة بالكتاب للمسؤولية الاجتماعية للشركات، وهو تعريف المنتدى العالمي لقادة شركات الأعمال: بأنها "ممارسات شركات الأعمال المنفتحة ذات الشفافية، والتي تكون مبنية على القيم والأخلاق واحترام العاملين والبيئة وأفراد المجتمع، وتهدف إلى تقديم القيمة المستدامة للمجتمع ككل، بالإضافة إلى حملة الأسهم في تلك الشركات".

كما بين المؤلف أن الغرب ليس على وتيرة واحدة في تبني مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات، فمنهم من رأى أن الواجب على الشركات أن ترعى بجانب مصالحها الاقتصادية، اعتبارات اجتماعية للعاملين لديها، والتركيز على مراعاة الجوانب البيئية والمجتمعية. بينما يذهب آخرون إلى أن المسؤولية الوحيدة للشركات هي مراعاة مصالحها الاقتصادية فقط، فالشركات ليست مؤسسات خيرية أو اجتماعية.

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية
بناء على المرجعية الإسلامية التي قامت عليها المصارف الإسلامية، وتصورها لدور المال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فإن دورها لا يقتصر على تحقيق مصالح مالكي الأموال، أو الالتزام بقواعد الحلال والحرام فقط، ولكن يضاف إلى ذلك ركيزة هامة، وهي مراعاة حق المجتمع في هذه الأموال.

وطرح المؤلف مجموعة من المؤشرات لقياس قيام المصارف الإسلامية بحق المجتمع فيما لديها من أموال، ومن هذه المؤشرات: المشاركة في خطط التنمية، وتوفير احتياجات المجتمع وترتيبها وفق سلم الأولويات في الإسلام (الضروريات، والحاجيات، التحسينيات)، وأن تسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للمجتمعات وتحسن من أداء ميزان المدفوعات بها، وأن تسهم في حل المشكلات الملحة بالمجتمع من إسكان وبطالة وأمن غذائي وخلافه، والعمل على تحريك الثروة وتداولها وتوزيعها بين أفراد المجتمع، وتنمية المناطق الجديدة، ومحاربة التلوث، والمساهمة في الرعاية الصحية والاجتماعية.

وبعد استعراض مفهوم التكافل الاجتماعي في الإسلام، وما حثت عليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة في هذا المضمار، والتفرقة بين التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي، والتكافل الاجتماعي، باعتبار التكافل الاجتماعي مسؤولية مجتمع، وهو أعم وأشمل من التأمين والتضامن الاجتماعيين، فإن التكافل الاجتماعي في حق المصارف الإسلامية يعد مقابلا للمسؤولية الاجتماعية للشركات في المفهوم الغربي، مع الأخذ في الاعتبار الدوافع المختلفة في كلا المنهجين. حيث تتميز المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية بوجود دوافع إيمانية، بجوار أهدافها التنموية.

"
قيام المصارف الإسلامية بمسؤوليتها الاجتماعية مع تحمل تبعتها ومراعاة متطلباتها يعد مندوبا في حقها، ولكنه يعد واجبا تعبديا أخلاقيا تجاه المجتمعات "

وبعد تعريف للأحكام التكليفية الخمسة في الفقه الإسلامي (الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام)، توصل المؤلف إلى "أن قيام المصارف الإسلامية بمسؤوليتها الاجتماعية مع تحمل تبعتها ومراعاة متطلباتها يعد مندوبا في حقها، ولكنه يعد واجبا تعبديا أخلاقيا تجاه المجتمعات المتواجدة فيها، قد يرتقي لدرجة الواجب التعبدي الأخلاقي الملزم، لأن القيام بهذه المسؤولية يعد من الوسائل لتحقيق مقصد عظيم، وهو المساهمة في رفع الحرج عن المجتمع وعن الأمة جمعاء، علاوة على أنه يعد وسيلة هامة لدعم التفاعل والتكامل والتكافل البناء مع مختلف الفئات والمؤسسات المجتمعية".

وانتهى المؤلف بتعريف للمسؤولية المجتمعية للمصارف الإسلامية، على أنها "التزام تعبدي أخلاقي يقوم على أثره القائمون على إدارة المصارف الإسلامية بالمساهمة في تكوين وتحسين وحماية رفاهية المجتمع ككل ورعاية المصالح والأهداف الاجتماعية لأفراده عبر صياغة الإجراءات وتفعيل الطرق والأساليب الموصلة لذلك، بهدف رضا الله سبحانه وتعالى والمساهمة في إيجاد التكافل والتعاون والتقدم والوعي الاجتماعي، وفي تحقيق التنمية الشاملة".

الإطار العملي للمسئولية الاجتماعية
يركز المؤلف في كتابه على ضرورة ملازمة التنمية الاجتماعية للتنمية الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي، وأن الإنسان هو أساس التنمية، فبالإنسان تقوم التنمية، وهو المستهدف بها، ومن هنا لا بد من تحديد الإطار العملي للمسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية، حددها المؤلف بفئات أربع، وذكر العديد من الوسائل لتحقيق ذلك، نذكر أهمها فيما يلي:

1- المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية تجاه المساهمين.

"العمل على تنمية حقوق الملكية باستمرار، وتحقيق المركز التنافسي المناسب للمصرف الإسلامي، وتطوير مجالات الاستثمار، والسماح للمساهمين بمتابعة أعمال المصرف والاطلاع على البيانات المطلوبة".

2- المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية تجاه العاملين بها.

"تفعيل نظام المشاركة في الأرباح، والاهتمام بنظم المعاشات الخاصة بالعاملين، وإمكانية امتلاكهم لبعض أسهم المصارف، وتوفير بيئة عمل مناسبة من حيث التدريب والتطوير، ووجود نظم عادلة بين العاملين بغض النظر عن السن والنوع".

"
المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية تجاه المتعاملين معها تقتضي المحافظة على شرعية وسلامة المعاملات المقدمة، والعمل على تحقيق رضا المودعين، وتسهيل إجراءات التعامل وكسب ثقتهم
"
3- المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية تجاه المتعاملين معها.

"المحافظة على شرعية وسلامة المعاملات المقدمة، والعمل على تحقيق رضا المودعين، تسهيل إجراءات التعامل وكسب ثقة المتعاملين، دراسة دوافع وسلوك المتعاملين بالمصرف على فترات متفاوتة، والاهتمام بشكاوى ومقترحات المودعين".

4- المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية تجاه المجتمعات المتواجدة بها.

"المساهمة في توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمع، ومحاربة الفقر والبطالة من خلال تمويل المشروعات الحقيقية الإنتاجية التي تخلق فرص العمل وتحقق قيمة مضافة، سواء كانت هذه المشروعات كبيرة أم صغيرة أم متوسطة. والمساهمة في تمويل مشروعات الرعاية الصحية والاجتماعية، وزيادة الوعي الادخاري لدى أفراد المجتمع، من خلال سهولة الوصول إلى الأوعية والأدوات الادخارية، خاصة لصغار المدخرين، والمساهمة في التأهيل العلمي والقضاء على الأمية، وزيادة الوعي المصرفي لأبناء المجتمع.

تطوير منتجات المصارف الإسلامية
يبن المؤلف أن المصارف الإسلامية لم تطور منتجاتها المصرفية، بما يتماشي مع الدور الملقى على عاتقها من توجيه دفة الاقتصاد في المجتمع، ومن هنا أصبح التمويل الإسلامي لا يعبر عن وجود حلول للمشكلات الاقتصادية المطروحة، وإنما أصبح مجرد صدى وانعكاس لهذه المشكلات.

ويؤكد المؤلف على أن اكتفاء المصارف الإسلامية بمحاكاة الأساليب التمويلية في المصارف التقليدية أوجد نوعًا من التشكك لدى المتعاملين معها لوجود تشابه كبير بين منتجاتها التمويلية ونظيراتها في المصارف التقليدية، وعزا المؤلف هذا القصور لدي المصارف الإسلامية لعدم اهتمامها بالإنفاق على البحوث والتطوير. وطالب القائمين على التمويل الإسلامي بتبني إستراتيجية تقوم على اكتشاف وتحليل الاحتياجات الحقيقية للعملاء، ثم العمل على تصميم المنتجات المناسبة لها، فالاستجابة لاحتياجات العملاء هي مصدر الإبداع والابتكار.

والدخول في ابتكار منتجات مصرفية تعكس المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية، كألا يكون تمويلها فقط قاصرا على تمويل الأنشطة الخدمية والتجزئة المصرفية، وأن تتجه لتمويل المشروعات الإنتاجية ذات النفع الاجتماعي، وأن تهتم بتقديم خدماتها المصرفية والتمويلية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وبذلك تكون هناك علاقة طردية بين تطوير منتجات المصارف الإسلامية ومسؤوليتها الاجتماعية.

"
المسؤولية الاجتماعية هي الدور الأساسي للدولة، وأن الدولة تقوم على مجموعة من المؤسسات، ومن بين هذه المؤسسات، المصارف الإسلامية، وبالتالي فدورها ملموس، ومؤسسي
"
نبه المؤلف في خاتمة الكتاب، إلى أن المسؤولية الاجتماعية هي الدور الأساسي للدولة، وأن الدولة تقوم على مجموعة من المؤسسات، ومن بين هذه المؤسسات، المصارف الإسلامية، وبالتالي فدورها ملموس، ومؤسسي، ويلزمها في إطار المرجعية الإسلامية بالقيام بمسؤوليتها الاجتماعية.

كما أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العصر، تفرض على المصارف الإسلامية تحديات جديدة، وعلى المصارف أن تواجه هذه التحديات بإرادة تجديدية وبوعي شامل، دون التخلي عن أصولها الفقهية والحضارية والأخلاقية، وإن لم تفعل ذلك فهي معرضة للذوبان والانهيار في خضم التحديات الحاصلة اليوم.

كما أوصى المؤلف بالقيام بدراسة تطبيقية على واقع تجربة المصارف الإسلامية للقيام بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه الأفراد والمجتمع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة