الجزائر، المغرب العربي: الرهان المتوسطي   
الجمعة 1427/7/2 هـ - الموافق 28/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
يعرض هذا المؤلف الجماعي ومن زوايا متخصصة مختلفة لمسألة مهمة، وهي معوقات التكامل الإقليمي في المغرب العربي وبين هذا الأخير وأوروبا في إطار فضاء غرب المتوسط.

المغرب العربي وغرب المتوسط
يقول نور الدين عبدي، عالم اجتماع جزائري وباحث في المركز الوطني للدراسات العلمية (باريس)، في مقدمته إن هذا الكتاب محاولة لتحديد تموقع الجزائر مغاربيا وفي غرب المتوسط وذلك بحكم انتمائها المزدوج، وهو يأتي في وقت تحكم فيه أميركا قبضتها على الشرق الأوسط بعد غزو العراق واحتلاله، ما يؤكد عجز العالم العربي عن التصدي للمشاريع العدوانية الأميركية.


- الكتاب: الجزائر، المغرب العربي: الرهان المتوسطي
- المؤلف: تأليف جماعي
- تحرير نور الدين عبدي
- عدد الصفحات: 323
- الناشر: باريس المتوسط/ معهد العالم العربي
- الطبعة: الأولى 2006

يعتبر عبدي أنه من المهم التطرق لمسالة بناء المغرب العربي والبناء المتوازي لمنطقة غرب المتوسط، من خلال "مبادرة محلية المنشأ، جزائرية على وجه الخصوص".

ويرى أنه لا يجب اعتبار غرب المتوسط منطقة فاصلة أو منطقة التقاء بين الشمال والجنوب بل إطارا للتكامل الإقليمي.

ويشدد على أهمية البناء الإقليمي الذي يتوسط البعدين الدولي والعالمي لما يمنحه من مجال للتعبير للمجتمع المدني.

ويحمل الكاتب الجزائر والمغرب الوضع الراهن مغاربيا، والمتميز بالغياب شبه الكامل للمغرب العربي والمتوسط كإطارين إقليميين، مشددا على الدور الريادي الذي يجب أن تتبوأ به الجزائر وعلى أهمية العملية الديمقراطية لإطلاق التكامل المغاربي-المغاربي من جهة، والمغاربي-الغرب متوسطي من جهة أخرى.

أما عبد الكبير الخطيبي (أستاذ بجامعة محمد الخامس- الرباط) فيبدأ مساهمته بالتساؤل عن أسباب العطل الحالي في البناء المغاربي الذي حال دون بروز قطب إستراتيجي إقليمي.

بعد الإشارة إلى وجود عجز في الاتصال بين المغاربة يقول إن "فرصة مغرب عربي حقيقي تبدأ بالوجه-وجه، بالقناعة، بالاستقامة وبالمرونة الإستراتيجية"، متسائلا "هل نحن مستعدون للحوار؟" ويعتبر أنه لم يعد الوقت يسمح لأن يضمر جار الحقد لجاره، بل للعمل سويا لبناء فضاء مشترك.

ويخلص إلى جملة من الاستنتاجات، أولها أنه ما دامت إستراتيجية الجوار لم يتم العمل بها فإن كل ما في الأمر هو هروب إلى الأمام من قبل صناع القرار.

ثانيها أنه بإمكان المغرب العربي أن يكون ولمصلحته الخاصة، مخبرا إقليميا يسهم في العولمة.

ثالثها يفترض هذا أن القرار السياسي سيكون قادرا على تجاوز الحدود الموروثة عن قومية ما بعد الاستقلال بالخوض في عمل تكاملي.

رابعها أن المغرب العربي مرتبط بالسياسة الأوروبية خاصة من خلال "المشروع الافتراضي للمنطقة الأورو-متوسطية".

وهنا يشاطر الخطيب زميله عبدي لما يقول إن إقامة هذه المنطقة مرهون أيضا بوجود كيان مغاربي ذي مصداقية.

"
المغرب العربي لا هو يوتوبي ولا هو نكبة، ولكن فرصة لشعوبه، خاصة أن كل العوامل (اقتصاد السوق والمجتمع المدني والعولمة..) تنجه نحو دعم التجمع الإقليمي المغاربي
"
ويرى أن "المغرب العربي لا هو يوتوبي ولا هو نكبة، ولكن فرصة لشعوبه"، خاصة أن كل العوامل (اقتصاد السوق، المجتمع المدني، العولمة...) تنجه نحو دعم التجمع الإقليمي المغاربي.

في مساهمة بعنوان "جزائر مغاربية، جزائر أورو-متوسطية"، يعرض المجري لاسزولي ناغي (الأستاذ بجامعة أتيليا جوزيف المجرية) لتحليل تاريخي لعلاقات الجزائر مع جوارها المغاربي والمتوسطي من عشرينيات القرن الماضي إلى العقد الحالي، موضحا كيف ظهر الاهتمام باكرا في أوساط الحركة الوطنية في شمال أفريقيا بفكرة بناء المغرب العربي المستقل، وكيف أن التطورات السياسية لاسيما في الخمسينيات مع حرب التحرير الجزائرية، واختلاف تجارب البلدان المغاربية الثلاثة (تونس والجزائر والمغرب) جعلت النخب الحاكمة تسلك بعد الاستقلال نهجا مغايرا حيال موضوعة البناء المغاربي، متبعة سياسات محلية لبناء الدولة-الأمة بعيدا عن أي إستراتيجية فعلية لإنشاء كيان مغاربي.

ولم يكلل تأسيس اتحاد المغرب العربي بالنجاح، إذ بقي هذا الكيان مشلولا بسبب اختلاف وجهات نظر أعضائه حول بعض القضايا الأساسية مثل الصحراء الغربية.

أما مساهمة عمر بغزوز (الأستاذ بجامعة باتنة الجزائرية) فركزت على أهمية التوافق الجزائري-المغربي لبناء كيان مغاربي يسمح لبلدان المنطقة بالانخراط من موقف قوة في عملية العولمة/ الأقلمة، معتبرا أن دور المحرك والمنشط لاتحاد المغرب العربي يعود وبامتياز للجزائر والمغرب، متسائلا أليس من الممكن الاعتماد عليهما –رغم نزاع الصحراء الغربية– لبناء المغرب العربي كما تم بناء أوروبا بفضل الثنائي الفرنسي-الألماني؟

يرى أنه يعود للجزائر والمغرب (بحكم إمكاناتهما الاقتصادية والإستراتيجية والدبلوماسية..) جر وقيادة بقية الدول المغاربية في دينامية تكاملية.

بعد عرضه لحالة الانقسام مغاربيا وإمكانات الجزائر والمغرب التي ترشحهما لقيادة المنطقة يتحدث عن القواسم والتحديات المشتركة بين البلدين وعن مؤهلاتهما لتحريك آلية التكامل الإقليمي، ويرى أن التغير الإيجابي في علاقاتهما سيكون له بالغ التأثير في مسار اتحاد المغرب العربي.

في الختام يشدد الكاتب على أهمية محور الجزائر-الرباط في بناء العمل المغاربي المشترك مثله مثل محور باريس-بون (ثم برلين) في بناء الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى الدور الإيجابي الذي قد تلعبه قوى خارجية في حث البلدين على تفعيل الاتحاد المغاربي.

الاندماج الإقليمي المغاربي
"
تهميش المغرب العربي الأوسط (تونس والجزائر والمغرب) فيما تنمو حركة الأقلمة تغذيه قلة الانسجام بين دوله, أما عملية برشلونة فلم تنعكس عليه إيجابا حتى الآن
"
يقول ياسين فرفرة (أستاذ الاقتصاد في جامعة الجزائر مدير مركز البحوث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية) وزميله يوسف بن عبد الله (أستاذ الاقتصاد في جامعة الجزائر الباحث في نفس المركز)، في مداخلتهما بعنوان "أي تكامل إقليمي في المغرب العربي؟" إن المغرب العربي لم يبرز ككيان اقتصادي جراء الاختلافات السياسية والاقتصادية بين دوله.

وبعد عرضهما لتجربته التكاملية وفشلها وضحا مدى ضعف الاتحاد المغاربي وبعده عن أدنى مستويات التكامل مقارنة مع التجمعات الإقليمية في العالم.

يعوزان ذلك إلى ضعف البنية التحتية في مجال النقل والاتصالات ما يحد من التبادل البيني، وعدم استقرار العلاقات السياسية والحواجز التعريفية وغيرها، هذا إضافة إلى المعوقات السياسية (قضية لوكربي والأزمة الاقتصادية والسياسية الجزائرية وتوتر العلاقات الجزائرية-المغربية).

وعليه فالعامل الجغرافي والقواسم المشتركة (اللغة والثقافة والروابط التاريخية) التي تشكل عناصر قوية مؤسسة لهذا الاتحاد لم تسمح بتغيير مواقف دوله التي أبرم بعضها اتفاقات شراكة منفردة مع أوروبا وتهتم جميعها بمناطق أخرى غير محيطها المغاربي.

وبالإضافة إلى غياب الإرادة السياسية مغاربيا، يفتقر الاتحاد الأوروبي لأي إرادة لدعم التكامل المغاربي.

فالوضع في صالحه، إذ يستحوذ على أغلبية المبادلات الخارجية المغاربية واتفاقات الشراكة تخدم شركاته. ومن المرجح أن تزيد هذه الاتفاقات من تدني حجم المبادلات المغاربية مع بقية العالم (خارج أوروبا).

يختتم المؤلفان تحليلهما بالقول إن تهميش المغرب العربي الأوسط (تونس والجزائر والمغرب)، فيما تنمو حركة الأقلمة تغذيه قلة الانسجام بين دوله. أما عملية برشلونة فلم تنعكس عليه إيجابا حتى الآن، بل إنه من المفارقة أن الاستثمارات الأوروبية تتجه أكثر فأكثر نحو مناطق بعيدة يبقى حجم مبادلات أوروبا معها ضعيفا جدا.

أما مختار خلادي (أستاذ الاقتصاد بجامعة بجاية الجزائرية) فخصص مساهمته لما يمكن للمغرب العربي أن يقدمه للاتحاد الأوروبي، بمعنى الإمكانات المغاربية التي ستزيد من قوة أوروبا في إطار عملية تكاملية أورو-مغاربية.

أهمية أطروحته تكمن في أنها عكست المنطق السائد أي ما يمكن لأوروبا أن تقدمه للمنطقة من مساعدات.. لتركز على الإمكانات المغاربية وأهميتها في زيادة ثقل أوروبا وتدعيمها وفق عملية تكاملية متبادلة الصالح.

"
بإمكان المغرب العربي الالتحاق بالاتحاد الأوروبي ليس كعبء وإنما كفاعل نشط يأتي بقيمة مضافة لأوروبا
"
ويعدد الكاتب إمكانات المنطقة في: المساحة الجغرافية الشاسعة التي تسمح بإقامة زراعة تكاملية وبالتالي تنويع منتجات الاتحاد الأوروبي لينافس أميركا وغيرها في مجال بعض المحاصيل التي تفتقر إليها أوروبا يحكم مناخها وصغر سن التركيبة السكانية المغاربية، فيما تعاني المجتمعات الأوروبية من الشيخوخة، بيد أنه رغم العجز في اليد العاملة تتعذر أوروبا بالاعتبارات الأمنية لغلق أبواب الهجرة، فهي تقبل في إطار اتفاقات الشراكة مع الدول المغاربية بتنقل البضائع بينما ترفض تنقل الأشخاص، مصادر الطاقة (خاصة الشمسية) التي يزخر بها المغرب العربي، لاسيما أن حاجيات أوروبا من النفط والغاز في نمو مستمر، وجود نوع من التكامل الاقتصادي في منطقة غرب المتوسط ما يسهل العملية التكاملية الشاملة بين الضفتين، إذ إن دولا مغاربية مثل تونس هي أكثر اندماجا في الاقتصاد الأوروبي منها من بعض أعضاء الاتحاد أنفسهم.

ويختتم خلادي مساهمته بالقول إنه بإمكان المغرب العربي الالتحاق بالاتحاد الأوروبي ليس كعبء وإنما كفاعل نشط يأتي بقيمة مضافة لأوروبا.

قضايا الأمن الإقليمي مغاربيا ومتوسطيا
في مساهمة بعنوان "الجزائر، أوروبا والحلف الأطلسي: نحو هندسة أمنية شاملة في المتوسط ؟"، يحلل عبد النور بن عنتر (الباحث المشارك في مركز البحوث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية- الجزائر)، القضايا الأمنية في المتوسط مبينا كيف أن المنطقة انتقلت في ظرف زمني قصير نسبيا من مناخ الإدراك المتبادل للتهديد والحشد العسكري الأورو-أطلسي في المتوسط إلى إقامة أطر للتعاون والتشاور في المسائل الأمنية الإقليمية.

ويحلل الكاتب الحوارات الأمنية التي شرع فيها الأوروبيون والحلف الأطلسي مع الدول المتوسطية –كلها عربية باستثناء إسرائيل- مبينا كيف أطلقت أساسا تدعيما للعملية السلمية العربية-الإسرائيلية ما جعلها رهينة مدها وجزرها.

ويتوقف عند الحوار المتوسطي للحلف الأطلسي محللا محتواه ودوافعه وأهدافه، مشيرا إلى أهمية الانخراط فيه للإفادة منه قدر الإمكان ومحذرا في نفس الوقت من مغبة توظيف الجزائر والدول العربية الأخرى من خلال هذا الحوار لخدمة مصالح الغير وتحقيق مآرب أخرى لا علاقة لها بالعمران الأمني في المتوسط.

إذ يحلل الكاتب مسألة انضمام الجزائر المتأخر للحوار الأطلسي-المتوسطي ومغزاه بالنسبة للجزائر وللأطلسي على حد السواء.

وهنا يحذر المؤلف من مغبة السقوط في فخ النرجسية السياسية والدولة المحورية ما يجعل الجزائر توظف وقتيا لمصالح الغير، مشددا على ضرورة التحلي باليقظة الإستراتيجية خدمة لمصالح الجزائر العليا، وعلى أهمية تنويع الشراكات الإستراتيجية لتقوية موقفها التفاوضي دوليا.

أما الباحث الإسباني كارلوس إيشيفريا (الأستاذ المشارك في جامعة مدريد) فيركز في مساهمته المعنونة "الجزائر: فاعل أساسي في التعاون الأورو-متوسطي: حالة مكافحة الإرهاب"، على التعاون في هذا المجال بين الجزائر والبلدان الأوروبية.

"
بعد عمليات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وعولمة مكافحة الإرهاب اتضح أن التعاون الإقليمي وما دون الإقليمي يكتسي أهمية بالغة في هذا المجال, وقد جاءت هذه العمليات لتعمق من الحوار الأمني في منطقة المتوسط
"
بداية يشير المؤلف إلى حالة العزلة الدولية التي عاشتها الجزائر بين 1991 و1994، التي تبعتها مرحلة التطبيع التدريجي بين 1994 و1999، وأدت مع نهاية العقد إلى تطور ملحوظ في علاقات الجزائر مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
ويحلل كيف استعادت الجزائر دورها الريادي والنشط متوسطيا وأفريقيا.

ولدى تطرقه للتعاون في مجال الإرهاب توقف بالتحديد عند التعاون الجزائري-الإسباني، لا سيما في إطار مجلس وزراء داخلية دول غرب المتوسط.

ويلاحظ أنه بعد عمليات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وعولمة مكافحة الإرهاب اتضح أن التعاون الإقليمي وما دون الإقليمي يكتسي أهمية بالغة في هذا المجال، وقد جاءت هذه العمليات لتعمق من الحوار الأمني في منطقة المتوسط.

ويختتم بالقول إن الجزائر قطعت وفي مدة زمنية قصيرة أشواطا كبيرة في مجال التعاون الثنائي (مع بلد مثل إسبانيا التي تشاطر الجزائر نفس التقييم لمسألة مكافحة الإرهاب) والمتعدد الأطراف (مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة