الصهيونية عدو اليهود الحقيقي   
الخميس 1431/11/7 هـ - الموافق 14/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:34 (مكة المكرمة)، 13:34 (غرينتش)

عرض/زياد منى
ألن هارت شخصية إعلامية معروفة في بلاده، حيث كان صاحب برنامج "بانوراما" في القناة التلفزيونية التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ومن بعد ذلك عمل مراسلا لقناة التلفزيون المستقلة البريطانية "آي تي إن"، وبالتالي فهو يمتك خبرة واسعة في الموضوع، وكان في وضع يمكنه من الاطلاع على كم كبير من المعلومات الخفية المتعلقة بعمله ومجال تخصصه.

وقد أهله موقعه في القنوات الإعلامية التي تعد مرموقة في الغرب للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، فصار شخصية عامة مشهورة، مما يعطي لآرائه وزنا أثقل من رديفها لدى من لا يتمتعون بتلك المنزلة الإعلامية.

- الكتاب: الصهيونية عدو اليهود الحقيقي
- المؤلف: ألن هارت
- عدد الصفحات: 1034 (ثلاث مجلدات)
- الناشر: كلرتي برس، أطلنطا-الولايات المتحدة/إصدار خاص
- الطبعة: الأولى 2010

وقد حظي كتاب هارت هذا بمديح كتاب وسياسيين ورجال دين يهود مهمين، منهم إيلان بابيه صاحب كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" الذي قال إن عنوان الكتاب يلخص الحقيقة في سبع كلمات "
Zionism, the Real Enemy of the Jews" (الصهيونية هي العدو الوحيد لليهود).

ومنهم كذلك الحاخام البريطاني أهارون كوهين من طائفة ناطوري كارتا المعروف بنقده للصهيونية لكونها في رأيه معادية لروح اليهودية. كما نال الكتاب مديح عدد من السياسيين الغربيين.

يدخل هذا الكتاب في تفاصيل أمور قد لا تبدو مهمة لتاريخية الصراع، ولكنها مهمة لإثبات وجهة نظر الكاتب التي لخصها عنوان الكتاب الرئيسي والعناوين الفرعية.

عوائق السلام
والرسالة الأساسية التي يحويها هي أن الصهيونية هي العائق الأساسي "للسلام العادل" في المشرق العربي، وأن استمرار دعم الغرب للكيان الصهيوني ضار بالطرفين وباليهود وسيقود حتما إلى كارثة.

الكتاب الموجه إلى القارئ الغربي أساسا، وربما اليهودي الأوروبي على نحو خاص، يدين إسرائيل على نحو استثنائي ويحمل قادتها، ومعهم قادة الغرب مسؤولية الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني واستمرار النزاع الدموي.

والمؤلف يشدد على أن إسرائيل ليست دولة يهودية وإنما صهيونية، والأخيرة حركة علمانية تلحق أشد الأخطار باليهود في مختلف أنحاء العالم، لأنها بسياساتها العدوانية تثير اشمئزاز كثير من شعوب العالم وتوقظ "معاداة اليهود" الكامنة، خصوصا بعد ما لحق بهم على يد النظام النازي، علما بأنه يرفض توظيف المصطلح "محرقة" لوصف ذلك لأنه، في رأيه، حصلت أكثر من 70 حربا بعد ذلك وفيها محارق كثيرة.

من النقاط المهمة التي يبرزها المؤلف في مدخل الجزء الأول قناعته بأن الشعب الأميركي لو عرف حقيقة أسباب الصراع في المشرق العربي لضغط على حكومته مطالبا إياها بتغيير سياساتها تجاه العرب.

وضمن هذا المجال، فإن الكتاب لا يخلو في أجزائه الثلاثة من التشديد المستمر على القيم والأخلاق الحميدة للمجتمعات الغربية، والأميركية على نحو خاص، ولا ينسى كيل المديح كلما سنحت الفرصة لليهودية وقيمها والدور المنوط باليهود ليكونوا نور هذا العالم.

وهو يميز دوما في هذا المقام الصهيونية من الديانة اليهودية، بل يصف الأولى بأنها ما يعرف في التراث العربي والعربي الإسلامي بـ"المسيح الدجال"، أو "المسيح الكاذب"، وهو عنوان الجزء الأول من الكتاب.

ولو لم يكن المؤلف نفسه يهوديا لما تجرأ على هذا القول، أو لنقل إنه لولا انتماؤه للديانة اليهودية لما مر نقده اللاذع والقوي من دون محاسبة في الغرب المتصهين، علما بأنه لا يعترف بشرعية الكيان الصهيوني، ويشدد على أن الضحية أي الشعب الفلسطيني هو الطرف الوحيد القادر على منح ذلك الكيان شرعية، ولذا على الأخير الاعتراف بحقوقه.

يسير الكتاب حسب تسلسل تاريخي، يبدأ من الحرب العالمية الأولى وينتهي بعهد باراك أوباما.

"
إسرائيل ليست دولة يهودية وإنما صهيونية، والأخيرة حركة علمانية تلحق أشد الأخطار باليهود في مختلف أنحاء العالم لأنها بسياساتها العدوانية تثير اشمئزاز كثير من شعوب العالم وتوقظ "معاداة اليهود" الكامنة
"
عناوين ذات دلالة

ومن المفيد هناك ذكر عناوين بعض الفصول لتوضيح ما قد يبدو أحيانا التباسا في التعامل مع بعض الأمور.

في الكتاب الأول (المسيح الدجال) نداء إلى شعب الولايات المتحدة الأميركية، بانتظار القيامة (هر مجدو/جبل مجدو)، صوت من القبر (عن غولدا مائير)، بريطانيا تلعب الورقة الصهيونية في نهاية المطاف، بريطانيا تخون العرب، ما سبب لعب بريطانيا الورقة الصهيونية، أحد هاعام والمسيح الدجال، الصهيوني الأمين (عن ونستن تشرتشل)، "انتحار" فورستال، وغيرها.

الكتاب الثاني (داود يستحيل جالوت)، خرافة الإبادة (عن حرب تقسيم فلسطين وإزالة الاسم من الخريطة السياسية)، اغتيال "الحركة الصهيونية" مندوب الأمم المتحدة إلى فلسطين السويدي الكونت فولك برنادوت، إسرائيل تقول: "لا للسلام"، تحويل جمال عبد الناصر إلى عدو، وداعا موشيه شاريت.. انتصار "الشيطان"، المواجهة الكبرى التي لم تحصل، المنعطف: اغتيال جون كندي، وغيرها.

الكتاب الثالث (صراع بلا نهاية): أميركا تنحاز وتحارب جمال عبد الناصر وخلق إسرائيل الكبرى، قضية السفينة "لبرتي"، وداعا لاستقامة مجلس الأمن الدولي، عندما توافرت إمكانية السلام، (معركة الكرامة) لحظة تقرر المصير، يقظة الوعي الوطني الفلسطيني، الولايات المتحدة تدعم الحصان الرابح فقط، اغتيال وصفي التل.. الهدف والنتائج، حرب تشرين (يطلق عليها الاسم الصهيوني "حرب يوم الغفران/ يوم كفور")، إرهاب الدولة يضحي قاعدة سلوك إسرائيل، وغيرها.

وينهي المؤلف الكتاب الثالث بفصل ختامي عنوانه (هل السلام ممكن؟)، علما بأنه يميل إلى الإجابة بالنفي.

معلومات مفيدة
يحتوي الكتاب -بأجزائه الثلاثة- كما كبيرا من المعلومات المهمة نطلع عليها للمرة الأولى، استحضرها المؤلف لخدمة هدفه الذي أعلن عنه في الإهداء بالقول "قصة ملحمية مهداة إلى كل من يعمل من أجل العدالة والسلام في الشرق الأوسط"، لكن من دون تحديد ما المقصود بالعدالة، أهي عدالة للضحية أم للضحية والجاني أيضا؟

وقد أورد الكتاب، الذي لا يمكن التعامل معه على أنه عمل أكاديمي، بل عمل إعلامي، حقائق متفرقة استحضرها لتأكيد وجهة نظره بخصوص قضية محددة، منها أربع قضايا خصص لثلاث منها فصلا منفصلا، أود ذكرها باختصار.

القضية الأولى مرتبطة بانتحار وزير الدفاع الأميركي وليم فورستال في عهد الرئيس باري ترومان الذي قتل نحو نصف مليون نفس بشرية، رجالا ونساء وأطفالا، في ثوان محدودة بوساطة القنبلتين الذريتين اللتين أمر بإلقائهما على المدينتين اليابانيتين هيروشيما وناغازاكي.

"
الوزير الأميركي المنتحر كان يعارض تحويل قضية فلسطين إلى عامل داخلي يحدد السياسات الأميركية وطالب مرارا الحزبين الديمقراطي والجمهوري بالكف عن الزج باليهود والحركة الصهيونية في السياسة الداخلية الأميركية
"
لقد كتب الكثير بأسلوب السخرية عن قضية انتحار وزير الدفاع الأميركي وعلاقة ذلك بموقف إدارة كل من روزفلت وترومان من قضية فلسطين، ولكن صاحب المؤلف يوضح العلاقة الوطيدة بين المسألتين، وأن الوزير المنتحر كان يعارض تحويل قضية فلسطين إلى عامل داخلي يحدد السياسات الأميركية وطالب مرارا الحزبين الديمقراطي والجمهوري بالكف عن الزج باليهود والحركة الصهيونية في السياسة الداخلية الأميركية، بل إنه وقف إلى جانب أخذ وجهة النظر العربية عند رسم خطوط السياسة الأميركية تجاه فلسطين، ولكن من دون جدوى.

القضية الثانية مرتبطة بالأسباب الحقيقية لقيام الطيران الحربي الإسرائيلي بمهاجمة سفينة التنصت الأميركية لِبرتي. لقد قيل الكثير عن المسألة وصدرت كتب عديدة عن الحادثة، لكن يبدو أن ما أورده ألن هارت كان الأقرب إلى المصداقية.

فقد رأى المؤلف أن سبب مهاجمة سلاح الجو الصهيوني السفينة الحربية الأميركية كان تتنصتها على الاتصالات بين قيادة الجيش الصهيوني (موشيه دايان بالدرجة الأولى) ومختلف القطاعات العسكرية للتأكد من التزام إسرائيل بالاتفاق مع القيادة الأميركية بخصوص محدودية الحرب والتأكد من عدم احتلالها أراضي سورية أو خاضعة للسلطة الأردنية.

وبغض النظر عن هذا الأمر، من الواضح أن عدوان العام 1967 كان عملا مشتركا بين القيادتين السياسيتين الأميركية والصهيونية هدفه إسقاط الزعيم العربي جمال عبد الناصر، بما يفسح المجال لانهيار الوضع العربي واستسلامه علانية لشروط التحالف الغربي الصهيوني.

ونحن على علم بمشاركة قطاعات من سلاح الجو البريطاني في العدوان، تماما كما شاركت قطاعات من القوات البريطانية الخاصة المسماة (إس إيه إس) في حرب أكتوبر/تشرين إلى جانب قوات العدو الإسرائيلي.

القضية الثالثة مرتبطة بعرض حسني الزعيم تحويل محادثات الهدنة إلى محادثات سلام وإبدائه الاستعداد للقاء بن غوريون وتوقيع اتفاق سلام دائم مع دولة الاغتصاب وتوطين مائة ألف فلسطيني مقيمين في سوريا، إضافة إلى توطين مائتي ألف آخرين طردوا إلى دول عربية أخرى مقابل موافقة إسرائيل على منح سوريا نصف بحيرة طبرية. ويضاف إلى القائمة النقراشي والملك فاروق وغيرهما، حتى لا ننسى عبد الله بن الحسين بن علي.

القضية الرابعة مرتبطة باغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل الذي كان، مثل ولي نعمته، يشكل رأس حربة معاداة المقاومة الفلسطينية، والذي اغتيل في القاهرة يوم 28/11/1971.

لقد قيل الكثير في الموضوع واتهمت جهات عديدة بتنفيذ عملية الاغتيال، كالقيادة المصرية وملك الأردن حسين بن طلال ومنظمة "أيلول الأسود".

لكن المؤلف يقول إن من قتله كان أحد حراسه الأردنيين، ويعيد ذلك -اعتمادا على حديث مع خالد الحسن الذي كان عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح- إلى خشية ملك الأردن منه ومن خططه للإطاحة به. كما يوحي المؤلف بأن جهات أميركية كانت وراء ذلك، ويوحي بأن المقصود هنري كيسنغر.

إضافة إلى ذلك يورد المؤلف، أيضا اعتمادا على حديث له مع خالد الحسن، أن وصفي التل اغتيل عشرين دقيقة قبل توقعيهما اتفاقا رعاه الملك السعودي فيصل يقضي بعودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى العمل السياسي في الأردن بعد تصفية وجودها المسلح هناك في أعقاب مجازر أحراش جرش وعجلون، وإعلانها تخليها عن "الكفاح المسلح" وتفويض الملك حسين بن طلال التفاوض مع إسرائيل على السلام اعتمادا على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، ومن ثم تسليمها للمنظمة لتقيم عليها دولتها الكاريكاتورية.

"
الكتاب مهم في الصراع الإعلامي مع العدو لأنه يخاطب العقل الغربي من طرف خبير به ينتمي إلى تلك الجامعة الثقافية، وهو مهم للقارئ العربي لأنه يطلعه على أسرار مفيدة ويمسح ما بدا لكثير منا أنه بدهيات
"
مع عدم نبذ صحة المعلومة عن مشاركة أحد حراسه الأردنيين في قتله، ربما بطريق الخطأ، لكن ثمة معلومات أخرى تفيد بأن الراحل الكبير أبو إياد أقسم بأن يعاقب وصفي التل بسبب غدره وعدم التزامه بتعهده عدم إدخال قوات النظام الأردني مدينة عمان في حال تسليم قيادة فتح سلاح المليشيا، وهو ما حصل.

في الوقع أنه من المستحيل تقريبا معرفة الحقائق في القضية الفلسطينية، حيث لا تزال أطرافها مشتبكة وتثير كثيرا من العواطف والعواقب.

ولتوضيح ذلك يمكننا هنا السؤال: من قتل جون كندي؟ وهل سرحان سرحان هو من قتل روبرت كندي أم أنه قتل برصاص أحد حراسه بطريق الخطأ حيث أثبت التشريح غير المعلن بأن الرصاصة القاتلة أتت من الجهة المقابلة للمكان الذي كان يقف فيه المدان؟

ومن قتل مارتن لوثر كنغ؟ ومن قتل مالكولم إكس؟ ومن قتل المهدي بن بركة؟ ومن قتل القائد أبو جهاد؟ ومن ومن ومن ومن؟

كلمة أخيرة
الكتاب مهم في الصراع الإعلامي مع العدو لأنه يخاطب العقل الغربي من طرف خبير به ينتمي إلى تلك الجامعة الثقافية، وهو مهم للقارئ العربي لأنه يطلعه على أسرار مفيدة ويمسح ما بدا لكثير منا أنه بدهيات.

في الوقت نفسه علينا عدم المبالغة في أهمية دور أي كتاب في تحديد مسار أي نزاع وتذكر أمر رئيسي هو أن الصراع مع العدو لن يتقرر في ميدان الإعلام أو السياسة أو المفاوضات التي لم تجلب لنا بدورها، في ظل ميل ميزان القوى لصالح العدو سوى الخراب والإذلال والمزيد من الانقسام والهزائم.

فالعدو خرج من لبنان طردا، جارا وراءه أذيال الخيبة والهزيمة، ليس بسبب الدعاية وإنما لأنه كان عليه دفع الثمن الغالي الذي فرضته عليه المقاومة اللبنانية الوطنية والإسلامية. والقوات الأميركية ومعها قوات حلف الأطلسي فرت من لبنان في عام 1982 بسبب ما تكبدته من خسائر ألحقته بها تلك المقاومة. وقوات الغزو الأميركي خرجت من الصومال لأن المقاومة هناك طردتها وألحقت بها هزائم نقلتها القنوات الفضائية مباشرة على الهواء.

وقوات حلف الأطلسي تستجدي الآن انسحابا "مشرفا" من أفغانستان بسبب الخسائر التي تتكبدها يوميا، وبدء طردها من العراق المحتل سببه ليس دماثة أخلاق الرئيس الأميركي أوباما ولا شعوره هو وشعبه بالإنصاف والعدالة تجاه الشعب العراقي المنكوب، وإنما ما ألحقته به المقاومة العراقية من خسائر وإذلال.

والأمر هذا يسري على الهزائم السابقة التي مني بها الغرب في مختلف أنحاء العالم وفي المقدمة فيتنام.

فقط عندما يشعر الغرب الاستعماري أن مصالحه في خطر، وعندما تشعر شعوبه بعدم جدوى فقدان أبنائها وأموالها في حروب لا طائل منها، يمكننا التقدم نحو تحرير بلادنا والسير في طريق التقدم. وكل ما عدا ذلك وهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة