التقرير الإستراتيجي العربي (2005- 2006)   
الثلاثاء 1428/3/2 هـ - الموافق 20/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:04 (مكة المكرمة)، 13:04 (غرينتش)

عرض/ كمال حبيب
تناول التقرير الذي يصدر سنويا من مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام أحداث عام كامل بالرصد والتحليل تبدأ من أواخر العام 2005 حتى نهايات العام 2006.

- الكتاب: التقرير الإستراتيجي العربي (2005-2006)
- المؤلف: عدد من الباحثين
- رئيس التحرير: حسن أبو طالب
- عدد الصفحات: 496
- الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، مؤسسة الأهرام, القاهرة
-الطبعة: الأولى/أكتوبر 2006

ولأن العدوان الإسرائيلي على لبنان مثل الحدث الأبرز احتل صدر التقرير والافتتاحية التي أشارت إلى أن هذا العدوان لم يصب في الاتجاه الذي رغبته أميركا، وهو تشكيل شرق أوسط جديد منسجم مع المصالح الأميركية.

وإنما في اتجاه شرق أوسط مقاوم عربي إسلامي أكثر ثقة بالنفس في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية وأقل اكتراثا بقدرة الردع الإسرائيلية التي بدأ تآكلها أكثر وضوحا من ذي قبل رغم كل تقدمها التقني.

واعتبرت الافتتاحية أن الدعم الأميركي المطلق للعدوان الإسرائيلي على لبنان هو تعبير عن سياسة الفوضى الخلاقة التي تبنتها السياسة الأميركية عقب احتلالها للعراق.

واستنادا لاستطلاع رأي لـ100 من خبراء أميركيين (نشر في يوليو/ تموز 2006) تبين أن السياسات الأميركية تصب في عكس ما تريد.

وعلى الجانب العربي كشف العدوان الإسرائيلي على لبنان عن عمق الأزمات الهيكلية في النظام العربي التي تفرض البحث عن إستراتيجيات بديلة لا تستبعد الحرب وتستند إلى توظيف أوراق القوة العربية الاقتصادية للضغط على من يجب الضغط عليهم.

بدت المقدمة التحليلية التي كتبها السيد يس بعنوان "من صراع الحضارات إلى حوار الثقافات.. نحو نظرية عربية متكاملة" غير منطقية في سياق تقرير يتحدث عن الحرب والعدوان على العالم العربي والإسلامي وعن سياسات أصولية في جانب الثقافة والتفاعل الحضاري خاصة فيما يتصل بأزمة الرسوم المسيئة للنبي (صلى الله عليه وسلم) التي أشار التقرير إلى أبعادها وتداعياتها.

إضافة للافتتاحية والمقدمة احتوي التقرير على ستة عناوين رئيسية، هي العدوان الإسرائيلي على لبنان والتفاعلات الدولية والتفاعلات الإقليمية والقضية الفلسطينية والنظام الإقليمي العربي وجمهورية مصر العربية.

أولا: العدوان الإسرائيلي على لبنان
ظل زلزال اغتيال الحريري (14 فبراير/ شباط 2005) وتداعياته السياسية هو الضابط الأساسي للسياق العام للتفاعلات السياسية اللبنانية التي اتسمت بالجمود والاستقطاب بين الموالاة والمعارضة.

وجاءت الحرب الإسرائيلية على لبنان (12 يوليو/ تموز 2006) لتكرس الانقسام بين القوى السياسية اللبنانية بين تيارين، الأول يضم الأكثرية في مجلس النواب التي طالبت بنزع سلاح المقاومة وعدم استخدام لبنان ساحة لأغراض أخرى والثاني تمسك بسلاح المقاومة.

ويكشف التقرير عن فشل التقديرات الإسرائيلية بشأن الحرب التي كانت تخطط لتشكيل منطقة عازلة بجنوب لبنان تتراوح بين 20 و40 كيلومترا والقضاء الكامل على سلاح حزب الله.

"
بعد انتهاء العمليات العسكرية وصدور قرار مجلس الأمن 1701 اتضح أن غاية ما كسبته إسرائيل من الحرب على لبنان هو وجود القوات الدولية والجيش اللبناني في الجنوب بما يعني تقليص نفوذ حزب الله هناك, لكنها خسرت في المقابل هيبتها العسكرية
"
ولكن وبعد انتهاء العمليات العسكرية وصدور قرار مجلس الأمن 1701 اتضح أن غاية ما كسبته من الحرب هو وجود القوات الدولية والجيش اللبناني في الجنوب بما يعني تقليص نفوذ حزب الله هناك.

لكنها خسرت في المقابل هيبتها العسكرية وخسرت 158 قتيلا بينهم 116 جنديا وضابطا و40 مدنيا وأصيب نحو 1000 شخص بصواريخ حزب الله التي طالت العمق الإسرائيلي لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

وبدت إدارة أولمرت للحرب مرتبكة، وهو ما جعل غالبية الإسرائيليين بعد نهاية الحرب يطالبون رئيس الوزراء بالاستقالة (63%).

وبدت المواقف العربية تجاه الحرب منقسمة بين جناح الاعتدال وتيار المقاومة وعلى المستوى الإقليمي اعتبرت إيران الحرب مقاومة للمشروع الأميركي في المنطقة وحاولت تركيا أن تبحث لنفسها عن دور في الأزمة.

أما أميركا فقد كانت مشاركة لإسرائيل بالكامل وكالعادة كانت أوروبا بين موقف منحاز لأميركا مثلته بريطانيا وإيطاليا وألمانيا وموقف يتحسس مواقع أقدامه الأوروبية مثلته فرنسا وإسبانبا وفنلندا واليونان.

أما الأمم المتحدة فكانت تعبيرا عن العجز والموقف الروسي عبر عن توازن محسوب، وفي التحليل النهائي كشفت الحرب بين إسرائيل وحزب الله عن تآكل قدرة الردع الصهيونية وانكسار غطرسة القوة الصهيونية.

ثانيا: التفاعلات الدولية
رصد التقرير ثلاث رؤى نحو إستراتيجية الأمن القومي الأميركي في الفترة الثانية لرئاسة بوش، الأولى تتحدث عن التغيير في هذه الإستراتيجية نحو الواقعية والعمل من خلال المؤسسات الدولية.

بينما يركز الاتجاه الثاني على عناصر الاستمرارية في هذه الإستراتيجية التي تعتمد مبدأ الحرب الاستباقية والسيطرة على الواقع ويرونها إستراتيجية مفتوحة وليست مغلقة ومن ثم هناك عنصر استمرارية فيها.

أما الاتجاه الثالث فيتحدث عن التغيير في أجهزة صنع القرار الأميركي وانتقالها من وزارة الدفاع إلي وزارة الخارجية التي تقودها كوندوليزا رايس.

وهو ما يعني التوازن بين محاربة الإرهاب ومحاربة الطغيان لمحاولة ملء الفراغ بين القوة العسكرية التي تعبر عنها أميركا والسطوة الأخلاقية التي تفتقدها.

"
مثّل الاحتلال الأميركي للعراق عبئا على إدارة بوش الثانية التي تراجعت شعبيتها بسبب هذه الحرب وهو ما أدى إلى تغييرات في الإدارة وصناعة القرار, كما أدى لتغيير في العلاقة بين الكونغرس والإدارة فحواها الشك وعدم الثقة في المعلومات
"
ومثل الاحتلال الأميركي للعراق عبئا على إدارة بوش الثانية التي تراجعت شعبيتها بسبب هذه الحرب، وهو ما أدى إلى تغييرات في الإدارة وصناعة القرار.

كما أدى لتغيير في العلاقة بين الكونغرس والإدارة فحواها الشك وعدم الثقة في المعلومات وصدر عدد من التقارير في هذا السياق كان آخرها تقرير لجنة بيكر.

وبقدر ما حاول الحزب الجمهوري خلق مساحة بينه وبين سياسة بوش سعى الحزب الديمقراطي لتقديم نقسه بديلا أفضل للفوز في انتخابات الرئاسة عام 2008.

أما عن الاتحاد الأوروبي فإن الرفض الفرنسي والهولندي للدستور الأوروبي أدى لتراجع تيار الوحدة الأوروبية في مواجهة التيار الأطلنطي الذي يفضل الارتباط بأميركا وتيار العولمة المتوحشة.

وعرفت أوروبا صعودا لليسار في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، كما عرفت احتكاكات لليمين الأوروبي بالجالية الإسلامية التي تزيد على 20 مليون مسلم.

ومثلت أزمة الرسوم الدانماركية والكوارث الطبيعية عناوين لأزمات عولمية يتجاوز الحدث فيها تأثيره محليا ليشمل العالم كله.

وأطل التقرير على آسيا عبر أزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية والحركات الانفصالية في إقليم آتشه بإندونسيا وعودة طالبان في أفغانستان.

رابعا: التفاعلات الإقليمية
اعتبر التقرير أن إحدى السمات الهيكلية لإقليم الشرق الأوسط هي عدم الاستقرار، ولكنه يواجه في اللحظة الراهنة تدهورا قد يقوده إلى التفكك بسبب عدم قدرة المؤسسات أو الأطراف الرئيسية عن استيعاب التحولات التي يشهدها الإقليم.

فالإقليم يشهد تهديدات فوق تقليدية قد تعصف بمركزيته وأهميته في النظام الدولي، وهذه التهديدات تؤثر على جغرافية الإقليم فيما يتصل بعدم الاستقرار على تعريفه واستخدام القوة العسكرية ضد نظمه السياسية (العراق) ومحاولة المساس بأسس النظم السياسية القائمة والخروج عن نمط التفاعل المعتاد في الصراع (حالة حزب الله وحماس).

كما تؤثر هذه التهديدات غير التقليدية على سكان الإقليم بظهور مشكلة الأقليات واللاجئين والعمالة الآسيوية في الخليج وتؤثر أخيرا على موارد الإقليم فيما يتصل بالنفط والمياه.

"
إقليم الشرق الأوسط يواجه في اللحظة الراهنة تدهورا قد يقوده إلى التفكك بسبب عدم قدرة المؤسسات أو الأطراف الرئيسية على استيعاب التحولات التي يشهدها الإقليم
"
وتناول التقرير حالة إيران وأوضاعها بدءا من فوز الرئيس أحمدي نجاد الكاسح (يونيو/ حزيران 2005) وصعود القوى المحافظة وعلاقة إيران بالقوى الإقليمية المختلفة بدءا من دول الخليج وتركيا وفلسطين والملف العراقي وأميركا وإسرائيل وأزمة البرنامج النووي الإيراني.

أما عن القضية الفلسطينية فقد مثل فوز حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي ( 25 يناير/ كانون الثاني 2006) وقيامها بتشكيل أول حكومة لا تنتمي لمنظمة التحرير مؤشرا على خريطة سياسية جديدة.

كما قاد الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة إلى تغيير في الخريطة السياسية لإسرائيل بتأسيس حزب "كاديما" وفوزه في انتخابات الكنيست الأخيرة.

خامسا: النظام الإقليمي العربي
هشاشة النظام العربي هي السمة المميزة له، فهو أصبح أقل قدرة على الفعل المشترك لحماية مصالح أعضائه، كما بات أكثر عرضة للضغوط من خارجه سواء من أميركا أو من إيران التي تتبنى مشروعا للهيمنة فتح شهيتها له الغزو الأميركي للعراق وإخفاق الدول العربية الرئيسية عن ملء فراغ القوة الذي بات يميز المنطقة.

فعلى مستوى الجامعة العربية تراجع اهتمامها بمشاريع الإصلاح الداخلي ورغم محاولات لإصلاح الجامعة، ولكنها تقصر عن إحداث رفع جوهري لفعالية الجامعة التي صارت الحكومات العربية أكثر صراحة في فقدان الاهتمام بها.

وأما عن العملية السياسية في العراق فإنه رغم إقرار الدستور العراقي بشكل قانوني فقد واجه طعنا في شرعيته منذ اليوم الأول لا يجعله أساسا كافيا لتحقيق السلام الأهلي وبناء نظام عراقي يحظى بالإجماع.

كما أن الانتخابات البرلمانية العراقية جرى التحالف والاصطفاف فيها على أساس الدين أو الطائفة أو العرق أو العشيرة، ولذا ظل الاستقرار والأمن مطلبا عسير المنال ولا يزال.

"
النظام الإقليمي العربي أصبح أقل قدرة على الفعل المشترك لحماية مصالح أعضائه كما بات أكثر عرضة للضغوط من خارجه سواء من أميركا أو من إيران التي تتبنى مشروعا للهيمنة فتح شهيتها له الغزو الأميركي للعراق
"
وأما عن السودان وأزماته فهناك معضلة متصلة بقدرته على بناء السلام مع تفجر أزمة دارفور التي هي بالأساس أزمة سياسية عمقتها أطراف محلية وتلاعبت بها أطراف إقليمية ودولية.

وتبغي أطراف هذه الأزمة الحصول على مزايا مماثلة لإقليم الجنوب في علاقته بالحكومة المركزية، وهو ما يعرض وحدة السودان للتمزق.

وعرج التقرير على ما أطلق عليه "قضايا مغاربية"، حيث عالج الوضع في الجزائر الذي تمثل في تراجع دور الإسلاميين ومركزية دور مؤسسة الرئاسة كما عرض لأوضاع موريتانيا بعد الانقلاب والدور الفرنسي فيه وعلاقته بالإسلاميين الذاهبة لحال من التحسن.

سادسا: جمهورية مصر العربية
تناول التقرير الانتخابات الرئاسية المصرية (7 سبتمبر/ أيلول 2005) التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 22.95% وهي نسبة محدودة للغاية، ولكنها طرحت قضايا متصلة بالإصلاح السياسي مثل قضية المشاركة السياسية وضعف الأحزاب والانتقادات لتعديلات المادة 76.

ومثل فوز مرشح حزب الغد أيمن نور على مرشح الوفد نعمان جمعة إحدى أهم مفاجآت الانتخابات الرئاسية وترافق مع العملية الانتخابية ظهور حركات احتجاج شعبية (كفاية) وتزايد نشاط الإخوان المسلمين وتنامي دور مؤسسات المجتمع المدني.

أما الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمير/ كانون الأول على ثلاث مراحل فقد اتسمت بنسبة عالية من المشاركة في الترشيح ونسبة ضئيلة من المشاركة في التصويت من جانب المواطنين (27.5%).

"
يواجه التقرير السنوي معضلة رصد ما جرى وتحليله على مدار عام مضى بحيث يبدو لنا وكأن الأحداث قد تجاوزته, لذا فاستشراف المستقبل وسيناريوهاته يظل مطلوبا وبقوة من مثل هذه التقارير الإستراتيجية
"
وأشارت نتائجها إلى ضعف أداء مرشحي الحزب الوطني الحاكم (فاز 140 مرشحا فقط بنسبة 32.4%) وصعود مرشحي جماعة الإخوان المحظورة (88 نائبا) وضعف أحزاب المعارضة المدنية (9 مرشحين) وغياب شبه كامل لقوى اليسار.

وأشار التقرير للمواجهة بين القضاة والدولة التي تمحورت حول الإشراف القضائي على العملية الانتخابية وقانون السلطة القضائية والمواجهة بين نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى.

ويواجه التقرير السنوي معضلة رصد ما جرى وتحليله على مدار عام مضى، بحيث يبدو لنا وكأن الأحداث قد تجاوزته ولذا فاستشراف المستقبل وسيناريوهاته يظل مطلوبا وبقوة من مثل هذه التقارير الإستراتيجية.

فصلب الإستراتيجية هي فتح مغاليق المستقبل والتعرف على سيناريوهات ما قد يحدث لفتح أفق للتفكير السياسي والاجتماعي العربي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة