تأثير الجزيرة   
الجمعة 1432/8/1 هـ - الموافق 1/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:38 (مكة المكرمة)، 11:38 (غرينتش)

عرض/محمد عيادي

"لا تخاض معركة كسب العقول والقلوب في منطقة الشرق الأوسط في شوارع بغداد فقط بل في نشرات الأخبار وبرامج الجزيرة الحوارية"، بهذا مهد فيليب سيب لكتابه، مؤكدا أن الأساليب التقليدية لصنع السياسة الدولية قد تم تجاوزها بفعل تأثير الإعلام الجديد والبث الفضائي وأدوات أخرى عالية التقنية.

وقال سيب في الكتاب الذي ألفه بالإنجليزية سنة 2006، وترجمه للعربية الأستاذ عز الدين عبد المولى ونشره مركز الجزيرة للدراسات، إن "الجزيرة رمز لهذا العالم الجديد المتمركز حول الإعلام، فهي تؤثر في السياسة والثقافة العالميتين وبشكل أساسي عبر تعزيز نفوذ العالم الإسلامي"، مشيرا إلى أن رسالتها منسجمة مع مضامين مواقع إسلامية على شبكة الإنترنت إلى جانب مدونات ومعروضات أخرى، مما يجعلها تساعد في تشكيل مجتمع إسلامي بشكل لم يسبق له مثيل.

الجزيرة تغير المشهد الإعلامي العربي
اعتبر المؤلف أن الجزيرة تمثل نموذجا لتأثير الإعلام الجديد، ذلك أنه قبل عشر سنوات انتشر الحديث عن تأثير "سي إن إن" بناء على نظرية قائلة بأن التغطية الإخبارية خصوصا القصص البصرية تؤثر في اتجاهات السياسة الخارجية عبر العالم، لكن تأثير الجزيرة يذهب لمدى أبعد من ذلك بكثير.

-الكتاب: تأثير "الجزيرة: كيف يعيد الإعلام العالمي الجديد تشكيل السياسة الدولية"
-المؤلف: فيليب سيب
-عدد الصفحات: 255
-الطبعة: الأولى 2011

ويوضح أن أي تقييم لأهمية العناصر الكثيرة المؤثرة في العلاقات الدولية يجب أن يتضمن تقديرا دقيقا لدور الإعلام، لأن تأثير المعلومات يتطلب إعادة التفكير في تقييم الظواهر، فضلا عما يطرحه ذلك من تحديات على الحكومات.

وشكلت -يقول سيب- حرب الخليج سنة 1991 آخر أنفاس الهيمنة الاتصالية الغربية، حيث كان شعار قناة "سي إن إن" يومها "العالم يشاهد "سي إن إن"، لأن الناس لم تكن لهم خيارات كثيرة.

لكن بعد الحرب بفترة بدأ عاملان اثنان ينخران الوضع السائد من حيث تزايد عدد القنوات الفضائية خارج العالم الغربي مثل "الجزيرة"، وتنامي دور الإنترنت بما أتاح للمشاهدين فرصة الاختيار بين "نحن" والآخر" وخيارات الالتفات عن الغرب والتمركز بدلا من ذلك حول مزودي أخبار قد يكونون أقل مهارة ولكنهم أكثر استحقاقا للثقة.

وظهر بوضوح أن هذه القنوات الإخبارية الفضائية تؤثر في السياسة بعدما شرعت في تكوين جمهور، وأصبحت التقارير الإخبارية عن انتفاضة 2000 تصل للجمهور العربي مباشرة دون الخضوع لتصفية العدسات الغربية، والمرور عبر أجهزة الرقابة الحكومية، وتعذر مراقبة أغلب ما يتدفق على شاشات الأخبار وشبكة الإنترنت، بما نوع وجهات النظر أمام الجمهور العريض، وطور مستويات جديدة من النقاش العام.

وأظهرت استطلاعات للرأي أجرتها مؤسسات بحثية أن اتجاهات الرأي في أوساط المسلمين وغير المسلمين تظل قابلة للتغيير بنسب عالية، وأن الجميع يستفيدون من تدفق المعلومات التي توفرها وسائل الاتصال وأجهزة الإعلام الحديثة، معتبرة أن الجزيرة تبقى أبرز هؤلاء المزودين.

وقال فيليب سيب "إذا أردنا أن نفهم تأثير الجزيرة فلا ينبغي أن ننظر إلى القناة بمنظار صانعي السياسة الغربيين الذين لا يرون فيها إلا مصدرا للضجيج الحاقد وإنما بمنظار جمهورها العربي الذي ينظر لها باعتبارها تكثيفا في الوقت نفسه لسخطهم ولتطلعاتهم المشتركة وناقلا للحقيقة.. فالجزيرة تظل مصدرا موثوقا لتسجيل المصالح العربية وروايتها".

وأوضح أن الرد الذي تثيره الجزيرة لدى الجمهور يعكس بوضوح الطبيعة الشعبية للسياسة بالمنطقة.

وشدد على أن محطة الجزيرة لعبت دورا تاريخيا في تغيير المشهد الإعلامي ليس في الشرق الأوسط فحسب وإنما على الصعيد العالمي أيضا، مؤكدة إمكانية النجاح في تحدي هيمنة المؤسسة الإعلامية الغربية، وهو ما نجحت فيه بالفعل وقدمت نموذجا إعلاميا ذا حضور وتأثير قوي داخل العالم العربي وخارجه.

"
محطة الجزيرة لعبت دورا تاريخيا في تغيير المشهد الإعلامي ليس في الشرق الأوسط فحسب وإنما على الصعيد العالمي أيضا
"
وساق سيب أمثلة على تأثير الجزيرة من قبيل تغطيتها لحرب إسرائيل على لبنان عام 2006، حيث كان العالم العربي يشاهد كل ليلة كما أشارت لذلك "واشنطن بوست" صراعا دمويا أكثر إيلاما وتدميرا مما كان يراه بقية العالم، وهي التغطية التي قوت النقد للحكام (عبر التعليقات في المنتديات)، لأنهم لم يؤيدوا حزب الله في حربه ضد إسرائيل.

منافسون دخلوا على الخط
رأى المؤلف أن تأثير الجزيرة بدأ يظهر في مناطق بعيدة عن الشرق الأوسط، فقبل ظهور الجزيرة لم يكن الكثير من المثقفين العرب يعبؤون بالتلفزيون ببلدانهم، ويقبلون على القنوات الغربية البريطانية والأميركية لمتابعة الأخبار والأحداث.

ولم يكن يخطر ببالهم أنهم سيجدون بغيتهم وغذاء من هذا القبيل في قناة عربية إلى أن جاءت الجزيرة ووفرت لهم هذا الغذاء، على حد تعبير الكاتب فهمي هويدي، وهذا عنصر هام من عناصر جاذبية الجزيرة -يقول سيب- لأنها أثبتت للجمهور المتشكك أن الإعلام العربي يمكن أن يكون مفيدا ولم يعد بحاجة للاعتماد على الإعلام الغربي للحصول على المعلومة في أحداث هامة، بعدما أثبتت نفسها وجهة مفضلة للأخبار ومصدرا للمعلومات في الشرق الأوسط عبر تجديد برامجي ومصداقية صحفية، لافتا إلى أن هناك من يرى في المحطة وسيلة إعلامية للمساعدة في خلق هوية عربية وحدوية. وأكد فيليب أن الجزيرة كانت لاعبا أسياسيا في نقل التطورات بفلسطين سنة 2002.

ولأن الإعلام ليس خاليا من الحمولة السياسية، ولأن القنوات الإخبارية باتت جزءا من المعركة الكونية في العالم اليوم، أطلقت دول غربية محطات فضائية باللغة العربية والإنجليزية، بحيث أطلقت الولايات المتحدة الأميركية قناة "الحرة" بتمويل حكومي.

لكن طريقة تغطيتها للشأن الفلسطيني على سبيل المثال، وعدم استخدامها لغة نقدية تجاه السياسة الأميركية، جعلها غير منسجمة مع مزاج الجمهور العربي مما كبلها وجعلها تفشل في خدمة المصالح الأميركية وتجميل صورة الولايات المتحدة لدى العالم العربي والإسلامي.

"
لأن القنوات الإخبارية باتت جزءا من المعركة الكونية في العالم اليوم، أطلقت دول غربية محطات فضائية باللغة العربية والإنجليزية
"
"بي بي سي" البريطانية بالعربية، انطلقت من جديد في مارس/آذار 2008 على أمل جذب 20 مليون مشاهد مع حلول 2010 اعتمادا على مصداقية علامتها التجارية في المنطقة، وعدم تسيسها الصريح الأمر الذي أعطاها الأفضلية على قناة "الحرة".

وأطلقت فرنسا قبل ذلك قناة "فرنسا 24" سنة 2006 لاكتشاف الأخبار العالمية بعيون فرنسية، فـ"العيون التي ترى الأخبار قبل نقلها تصنع الفارق" كما قال مديرها التنفيذي آلان دي بوزيلال.

روسيا هي الأخرى أطلقت قناة "روسيا اليوم" بالعربية والإنجليزية سنة 2005 لتقديم صورة شاملة عن نفسها، ومساعدة الجمهور العالمي على فهم ما يجري داخلها بعيدا عن الصورة التي ارتبطت في ذهن الوعي الجماهيري الغربي بثلاث كلمات: الشيوعية والثلج والفقر.

وقبل ذلك كانت قناة الدوتشيه فيله الألمانية لجعل ألمانيا مفهومة باعتبارها ذاتا ثقافية أوروبية المنشأ ودولة دستورية ديمقراطية، مستهدفة في ذلك قادة الرأي في العالم.

تأثير عالمي
سجل المؤلف أن الجزيرة أدركت أن توسيع تأثيرها العالمي لا يمكن أن يكون باللغة العربية وحدها، فأطلقت القناة الإنجليزية كأول قناة إخبارية ناطقة بهذه اللغة في الشرق الأوسط، واستطاعت في وقت قصير كسب مكانها في المشهد الإعلامي العالمي لاتساع نطاق تغطيتها وتركيزها على نقل ما يحدث في الجنوب والشمال والتغطية الشاملة من الشرق الأوسط وأفريقيا، موفرة منظورا لم توفره بقية القنوات الفضائية الكبرى لمشاهديها.

ورغم العوائق السياسية التي حالت دون نقلها في أميركا عبر شبكات الكيبل والأقمار الاصطناعية، فإن كون التغطية الإعلامية الغربية لتعقيدات الواقع ومجريات الأحدث في المنطقة كان دون المستوى، جعل كثيرين يعترفون بأهمية الجزيرة الإنجليزية وملئها للفراغ، وهو ما يعني –حسب المؤلف- أن المشاهدين سيطالبون في النهاية بأن تكون متاحة لهم، لأن شبكات الكيبل والأقمار ستكسب أموالا وستضع التخوفات السياسية جانبا، لأن هناك سوقا مفتوحة أمامها، منوها بأن الإنترنت مكنت قناة الجزيرة من اختراق جدار المنع أو الوصول لجمهور واسع، بما سمح للناس بتعرف ما يقع في الشرق الأوسط بعيدا عن الغربلة والتحكم، سلاحها في ذلك المصداقية ثم المصداقية.

"
الخشية من تأثير قناة الجزيرة المتنامي دفع الكثير من الحكومات الغربية لإعادة النظر في علاقتها بقناة الجزيرة باتجاه التعاون وتقليص العداوة
"
وما سبق جعل الولايات المتحدة في مرحلة معينة تنظر -يقول فيليب سيب- بعين الريبة لاتساع نطاق تأثير الجزيرة الإنجليزية، لأنه يمكن أن يؤثر بشكل حاسم في المنافسة الأوسع على كسب الرأي العام العالمي. ودفعت هذه القناعة الحكومات الغربية لإعادة النظر في علاقتها بقناة الجزيرة باتجاه التعاون وتقليص العداوة.

ولاحظ المؤلف أن تجربة الجزيرة ألهمت مناطق خارج الشرق الأوسط في تطوير قنوات إقليمية تتحرر من هيمنة الإعلام الأجنبي كما حصل في أميركا اللاتينية مع إطلاق "تليسور"، وهي اختصار لـ"لانويفا تلفزيون دلسور" أو تلفزيون الجنوب الجديد، الذي يسعى للوقوف في وجه ديكتاتورية شبكات إخبارية عالمية كبرى.

وقال مدير المحطة آرام أهارونيان "الحاجة الملحة لأن نرى أنفسنا بأعيننا نحن وأن نكشف حلولنا لمشاكلنا"، مشيرا إلى أن كل المعلومات التي تأتي من الشمال تركز على ما يهم الشمال، وعلى الدول التي يعوزها النفوذ الاقتصادي والعسكري كالعرب وأميركا اللاتينية وغيرها استخدام الإعلام لترسيخ هويتها الجماعية.

الجزيرة غيرت الخطاب السياسي العربي
اعتبر المؤلف فيليب سيب أن تأثيرات الإعلام جزء من عالم أوسع ينبغي على العناصر التي تشكله أن تكون منسجمة في إحداث تحول ديمقراطي، مؤكدا أن الإعلام لا يمكنه أن يفرض التغيير لأن لقوة الإعلام حدودا، ولكن يمكنه أن يكون ملهما ومساعدا على حصول التغيير، غير أن هذا لا يدعو للاستخفاف به، بعدما لم يعد ممكنا إخفاء المعلومات والحقائق عن الناس، وهي من تساعد على التغيير.

واستشهد المؤلف بتقرير صادر عن معهد السلام الأميركي، أكد أن الجزيرة وبعض القنوات الفضائية الأخرى توفر للشارع العربي فضاء للتنفيس والتعبير، ومناقشة الشؤون العامة والمثيرة للجدل، وتقرب العرب بعضهم من بعض، مشيرا إلى أنه بإمكان الإعلام الإخباري المساعدة على تنشيط الحراك السياسي وبناء إطار فكري، يحقق الانسجام لجهود الإصلاح والتغيير التي تحتاج لآليات سياسية ومسارات ديمقراطية حقيقية كانتخابات نزيهة وعمل حكومي شفاف، والضغط على الحكام الذين يصعب عليهم الاستمرار في تجاهل مطالب التغيير.

وسجل فيليب أن القيمة الإنتاجية الرفيعة لنشرات الجزيرة الإخبارية ومحتواها وما تتميز به برامجها الحوارية من تبادل نشط للأفكار وسع من دائرة جمهور الأخبار، وغيّر من طبيعة الخطاب السياسي داخل الفضاء العربي العام، وجعل جمهورها منخرطا في القضايا التي تتناولها.

ورغم تشكيك البعض في موضوعية الجزيرة، فإن أغلب المشاهدين يعدونها ذات مصداقية يفتقدها منافسوها خاصة من الإعلام الرسمي، مضيفا أن القناة تشكل في تغطيتها للوضع العربي سردية عربية مشتركة وأساسية لم تكن من قبل، لأنها تغطي الأحداث في كل بلد عربي على حدة، لكن ضمن سياق عربي عام تبحث ترابطا بين القضايا والأحداث بطريقة تتجاهلها غالبا وسائل الإعلام.

"
باتت الجزيرة ترد على الإعلام الغربي وساهمت في جعل المنطقة العربية أكثر وعيا لدرجة الألم، لأنها كشفت الفروق بينها وبين غيرها من الأمم، وأي تخلف تعيش فيه
"
وبناء على ذلك باتت الجزيرة -يؤكد المؤلف- ترد على الإعلام الغربي وساهمت في جعل المنطقة العربية أكثر وعيا لدرجة الألم، لأنها كشفت الفروق بينها وبين غيرها من الأمم، وأي تخلف تعيش فيه.

وانتقد فيليب لوم الحكومات لتغطيات الجزيرة بدلا من معالجة أسباب سخط الجماهير وغضبها والتعاون معها الأمر الذي يأتي بنتائج عكسية، موضحا أن المحطة تحظى باهتمام بالغ ليس من جمهورها -الذي يقدر بنحو 35 مليونا- فحسب بل من الملاحظين الذين يثيرهم حجم تأثير المحطة، فمن الأهمية بمكان النظر بعين الاعتبار لهذا التأثير العام في الجمهور الذي تقدم له الخدمة، فالقدرة على الحصول على محتوى إخباري حي ومستقل تعد في حد ذاتها ظاهرة جديدة ومثيرة في منطقة مثل الشرق الأوسط العربي، وهو ما ساهم في تغيير السياسة بهذه المنطقة.

وحذر فيليب سيب وسائل الإعلام من تقمص دور البطل بدل دور الملاحظ لأنه يخلق مشكلة، وشدد على أن فهم أهمية تأثير الجزيرة وتقديره حق قدره سيساعدان كل من يشغله المستقبل على إدراك التغييرات التي تحيط بنا بشكل أفضل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة