رجعة التاريخ   
الأربعاء 1426/9/23 هـ - الموافق 26/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)

عرض/نبيل شبيب
تصل هذه الكلمات إلى القراء وقد فقد مؤلف هذا الكتاب، يوشكا فيشر، لتوه منصبَه وزيرا لخارجية ألمانيا، بعد أن بقي فيه سبع سنوات.

وعندما استلم الوزارة وأصبح في الوقت نفسه نائبا للمستشار الألماني غيرهارد شرودر، عام 1998م بدأت التساؤلات حول ما إذا كان الساسة الغربيّون -لاسيّما في واشنطن ولندن- سيستقبلونه أصلا أم سيستقبلونه بفتور، لأن صورته الغالبة في الأذهان إلى ذلك الحين كانت صورة النائب صاحب الخطب الحماسية والتعليقات الحادّة معارضا لسياسة ألمانيا الأطلسية في عهد المستشار السابق هلموت كول.

- الكتاب: رجعة التاريخ.. عالم ما بعد 11/9 وتجديد الغرب
- المؤلف: يوشكا فيشر
- عدد الصفحات: 304
- الناشر: دار كيبينهوير وفيتش
- الطبعة: الأولى 6/2005

ومن قبل أيضا ارتبط اسم فيشر بصورة الشاب الذي لم يتورّع عن الصدام مع رجال الأمن في شوارع ألمانيا أثناء مشاركته في مظاهرات صاخبة ضدّ التسلّح، وضدّ حرب فييتنام، وضدّ حلف شمال الأطلسي، في سنوات الحرب الباردة.

فيشر، الذي ظهر لأوّل مرة بربطة عنق يوم أدائه القسم على مهمّته وزيرا للخارجية، استطاع خلال فترة وجيزة أن يقفز إلى المرتبة الأولى في قائمة شعبيّة الساسة الألمان وفق استطلاعات الرأي الدورية، وبقي كذلك إلى أواخر عهده في وزارة الخارجية، كما أصبح أحد أعمدة الدبلوماسية الغربية عموما، والأوروبية على وجه التخصيص، وله أدوار بارزة في التعامل مع عدد من القضايا العربية والإسلامية، لاسيّما في قضية فلسطين، وجنوب لبنان، وإيران، وهو ما تظهر خلفياته للقارئ بصورة أوضح عبر التعرّف على أفكار فيشر في كتابه الجديد.

وليوشكا فيشر المولود عام 1948م كتب عديدة أخرى صدرت من قبل، أبرزها "موطن الخطر.. ألمانيا" عام 1994م عندما أصبح عضوا في المجلس النيابي الألماني لأول مرة، و"من أجل عقد اجتماعي جديد" عام 1998م، أي عام استلامه منصب وزارة الخارجية.

أمّا هذا الكتاب فيتميّز باستفادة كاتبه من اطّلاعه بحكم منصبه على كثير من خفايا السياسات الغربيّة وراء الكواليس، فما يطرحه الكاتب من أفكار عن الواقع الراهن وتصوّرات عن المستقبل المطلوب، لا يعطي الكتاب أهمية خاصة فحسب، إنّما يجعله أيضا أشبه بوصية سياسية نشرها كاتبها عام 2005م، قبل أن يدرك أنّ أيامه في الوزارة أصبحت معدودة.

"
المستقبل كما يطرحه فيشر رهن بقدرة العالمين الغربي والإسلامي على حصار القوّة الكامنة في تنظيم القاعدة وعزلها والقضاء عليها
"
خطر الهوية الذاتية
وتنطلق "الوصية" من صورة سلبية عن الواقع العالمي الراهن تفسّر اختيار العنوان، الذي ينطوي على بعض الالتباس، فكلمة "Rückkehr" بالألمانية تعني عودة فيكون العنوان عودة التاريخ، وتعني أيضا الرجوع إلى الخلف، ممّا يستدعي تحبيذ كلمة "رجعة التاريخ" في الترجمة.

فالكاتب يعبّر في الكتاب عن خشيته أن تكون التطوّرات التاريخية التالية تمثّل نكسة لمجرى التاريخ، بعد أن كان -في تصوّره- قد اكتسب دفعة إيجابية وقويّة إلى الأمام في السنوات الأولى بعد نهاية الحرب الباردة.

لا ينفي التشاؤمُ في تصوير الواقع التفاؤلَ بإمكانية الخروج منه، وهو ما يؤخذ من العبارة التي صدّر فيشر بها كتابه استعارةً من دانييل بيل (وهو عالم اجتماع يهودي أميركي، بولندي الأصل، عُرف بنظريته حول نهاية عصر التصوّرات العقائدية).

وتقول العبارة "كثُرت التنبؤات بنهاية التاريخ، ولا أراها صحيحة، فنهاية التاريخ كما عناها هيغل تمثّلت في إيجاد مجتمع عالمي، أمّا نحن فلسنا شهودا لنهاية التاريخ بل كيف بدأ بداية جديدة".

هذه البداية الجديدة في التسعينات من القرن الميلادي العشرين هي محور ما يريد فيشر تأكيده في الفصل الأول من كتابه، فسقوط جدار برلين مفصلٌ تاريخي فتح الأبواب أمام تطوّر إيجابي في اتجاه نظام عالمي جديد على محور حلف شمال الأطلسي بالذات، وهنا تستدعي حماسةُ فيشر لهذه الصورة والتركيز على إيجابيّاتها التساؤلَ عمّا بقي من أفكاره القديمة ومشاركته في المطالبة بخروج ألمانيا من الحلف.

ويزداد هذا التساؤل إلحاحا عندما يتبيّن مقصد الكاتب من عرض تلك الصورة الإيجابية، فهي في رؤيته تتعرض لخطر كبير يتمثّل فيما يراه مفصلا تاريخيا آخر يوم تفجيرات نيويورك وواشنطن، فهذا ما جعل المستقبل -كما يطرحه فيشر في نهاية الفصل- رهنا بقدرة العالمين الغربي والإسلامي على حصار القوّة الكامنة في تنظيم القاعدة وعزلها والقضاء عليها، وهو الأمر الذي لا يوجد عند الكاتب بديل عنه "كيلا يتحوّل الخطر الذي انطلق من عقاله إلى خطر دائم".

ولغة القوّة التي تنطوي على عدم استبعاد العنصر العسكري تعيد القارئ هنا إلى أنّ مساعي فيشر بالذات كانت حاسمة في دفع حزب الخضر، على حساب إضعاف الجناح اليساري فيه، إلى الموافقة على قرار إرسال قوّات عسكرية ألمانية إلى البلقان ثم إلى أفغانستان، ممّا كان يعتبر نقلة كبرى ليس في تاريخ ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فقط، وإنّما في تاريخ حزب الخضر أيضا، وقد أصبح آنذاك شريكا في الحكومة الائتلافية لتوّه.

ويمضي فيشر خطوة أخرى في الفصل الثاني من الكتاب تحت عنوانٍ "خطوط انكسار في الانشطارات العالمية"، فيستعير في بدايته عبارةً لأمين معلوف الأديب اللبناني الأصل المقيم في فرنسا منذ عام 1976م يقول فيها عن العولمة "إنّ التحولات التقنية والاجتماعية الكبرى الجارية حولنا تمثّل ظاهرة تاريخية بالغة التعقيد، واسعة النطاق، يمكن أن يستفيد منها كلّ طرف على حدة، ولا يستطيع أيّ طرف أن يسيطر عليها، بما في ذلك الولايات المتحدة".

وعلى مفهوم تلك العبارة يبني فيشر ما يتحدّث عنه في وصفه الواقع العالمي الآن، بأنّه يشهد حركتين متزامنتين، إحداهما العولمة الاندماجية، والثانية الوعي بالهوية الذاتية، ويستشهد على ذلك بأمثلة عديدة كحركة الاندماج الأوروبي من جهة وحرب البلقان من جهة أخرى.

إنّما تظهر الخلفية الفكرية لدى الكاتب بوضوح أكبر عند استشهاده أيضا بزوال خطر المواجهة الشاملة بين الشرق والغرب كتطوّر إيجابي، واضعا مقابله انتشارَ الصحوة الإسلامية كعامل من عوامل الانكسار في مسيرة التاريخ، وتطوّر سلبي يشبّهه بما شهده تاريخ أوروبا من تعصّب ديني أدّى إلى حروب عديدة.

فيرى ما يسمّيه حزام الأزمات بين إندونيسيا والمغرب هو الخطر الذي يهدّد التطوّر الإيجابي، الذي يتمثّل فيما يتمثّل عنده في العولمة، فهي "تحقيق النموذج الاقتصادي والاستهلاكي الغربي الذي لا يوجد بديل له عالميا، مع ما ينطوي عليه من نتائج اقتصادية وثقافية، فيها الإيجابيّات والسلبيات.

"
المطلوب هو إيجاد نظام دولي قائم على القيم الغربية المشتركة، مع العمل للقضاء المبرم على القوّة الخطيرة الصادرة عن "الإرهاب الإسلامي"
"
النموذج الغربي المثالي
ويسهب فيشر في الحديث عبر الفصول التالية عن المحاور الرئيسية لرؤيته مستقبلَ العالم بمنظور غربي.

فالفصل الثالث مخصّص للحديث عن استقرار الدولة الحديثة ما بين السيادة والاندماج، رغم افتقاد هيئة دولية عليا لها المرجعية في فرض علاقات خالية من العنف، وخبرات التاريخ الغربي تؤكّد له أنّ الوصول إلى استقرار مسيرة الاندماج في العلاقات الدولية رهن بأن "يتشبّث الغرب بهدف أساسي كشرط لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب الإسلامي، على حدّ تعبيره.

فالمطلوب هو إيجاد نظام دولي قائم على القيم الغربية المشتركة، مع العمل للقضاء المبرم على القوّة الخطيرة الصادرة عن "الإرهاب الإسلامي".

ثمّ يستغرق فيشر طويلا في تأكيد ضرورة الاعتماد على العلاقات الأوروبية-الأميركية، ويبدو أنّ إدراكه لما يمكن أن تجده الأفكار التي يطرحها من معارضة لدى من يمثّلهم حزب الخضر في الأصل، جعله يستفيض في محاولة إقناع القارئ عبر التفسير الفلسفي والتاريخي والواقعي للسياسات الأميركية مع تسويغ استخدام القوّة، وهو يعلم أنّها سياسات مرفوضة شعبيا في أوروبا، كما استفاض في تسويغ قصور السياسات الأوروبية عن تجهيز نفسها عسكريا، أي على غرار ما صنعت الولايات المتحدة الأميركية.

ويسترسل فيشر في الفصل الخامس في بحث مستقبل الاتحاد الأوروبي وتوسّعه، ويركّز طويلا على مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد، فيبرز أن العقبة الرئيسية هي عقبة الاختلاف الديني والثقافي.

ثمّ يبدو وهو يكتب بلهجة مَن يريد أن يطمئن القارئ في ألمانيا – و70% من ألمانيا يعارضون وفق استطلاعات الرأي انضمام تركيا- فيقول بعدم وجود ما يستدعي التوهّم أنّ الانضمام أصبح حتميا، فلن يقع الانضمام إلاّ إذا تمّ "تحديث تركيا وتحويلها إلى دولة أوروبية"، محذّرا من أنّ البديل عن إبقاء باب المفاوضات الطويلة المدى مفتوحا، هو أن تقع تركيا ذات الأهمية الكبرى بالنسبة إلى أوروبا والغرب، ما بين "أوهام نشوء تركيا الكبرى أو النكوص في اتجاه إسلامي شرق أوسطي".

والعناصر الأولية للصورة التي يريدها فيشر أن تتحقق مستقبلا على الطريق نحو نظام عالمي جديد، تكتمل بتخصيصه الفصل السادس للحديث عن ضرورة تحقيق "التحوّل الكبير في الشرقين الأدني والأوسط" كما يأتي عنوانا للفصل.

ورغم دخوله الموضوع من زاوية التنمية الاقتصادية وأهمية الثروة النفطية، فإنّ الصورة الشاملة التي يعطيها عن المنطقة الإسلامية بمجموعها هي صورة أنها مركز الأخطار الكبرى، بدءا بما يسمّيه إرهابا وانتهاء بما يصفه بمطامع التسلّح النووي.

ويرى أنّ قيام ذلك في منطقة ذات ثروة كبرى من الطاقة إلى جانب انتشار "العقائد الدينية الشمولية فيها، يجعل جملة ما فيها خطرا شموليا ثوريا متفاقما لا يتورّع عن استخدام الوسائل الإرهابية، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل"، وهنا لا يكفي في نظر فيشر أسلوب الردع، بل يجب القضاء على "المجموعات الإرهابية".

أمّا التحوّل الكبير المطلوب وفق رؤيته فهو إيجاد حلّ لقضية فلسطين على أساس "دولتين"، والحيلولة دون التسلّح النووي الإيراني، ومكافحة ظاهرة "الجهاد"، وتثبيت دعائم الديمقراطية في العراق وأفغانستان.

"
المدخل إلى وضع عالمي مستقرّ عند فيشر هو ضمان استمرار النموّ الاقتصادي، ومن خلاله اندماج مزيد من الدول النامية في البنية الهيكلية القائمة عالميا -أي غربيا- في واقع الاقتصاد الدولي
"
نسبة الإرهاب إلى الإسلام
الفصل السابع والأخير، المخصّص لمعالم النظام المستقبلي، هو الغاية من الكتاب، إنّما لا يصل القارئ من خلاله إلى صورة واضحة ومتكاملة عمّا يريد فيشر تثبيته، فلا يتجاوز ما ذكره حدود ما بدأ به من حديث عن قوّة أميركية شبه إمبراطورية، وعلاقات دولية اندماجية، إنّما يركّز في هذا الفصل على أهمية ترسيخ مشروعية الأمم المتحدة واعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة لتحقيق نظام مستقرّ.

ولا يخلو ذلك من التعبير غير المباشر عن الرغبة الألمانية في المشاركة في تحقيق ذلك عن طريق عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي.

ومجموع الصورة المستقبلية التي يريد فيشر أن يرسمها قائمة على منطلقات المركزية المعتادة في الفكر الغربي، لاسيّما السياسي، مع إعطاء الأولوية للعنصر الاقتصادي، بصورة تنقل فيشر فيما يكتبه من عالم أحزاب الخضر الغربية وتصوّراتها إلى أرضية ما بات يُسمّى "الليبرالية الجديدة" و"الرأسمالية المتشدّدة" على النهج الذي سلكته ظاهرة انتشار العولمة.

والمدخل إلى وضع عالمي مستقر عند فيشر هو ضمان استمرار النموّ الاقتصادي، ومن خلاله اندماج مزيد من الدول النامية في البنية الهيكلية القائمة عالميا -أي غربيا في واقع الاقتصاد الدولي كما هو معروف- ويستبعد فيشر حدوث مواجهات سياسية كمواجهات حقبة الحرب الباردة، وإن لم يستبعد مواجهات جزئية في إطار الصراع على الهيمنة.

ويعود مع خاتمة الكتاب إلى حديثه عن تطوير الأمم المتحدة فيعدّد لذلك سبع مهامّ هي على التتالي:

1) مكافحة ما أسماه "الإرهاب الجهادي".

2) حلّ أزمات إقليمية خطيرة، إشارةً إلى فلسطين وكشمير على وجه التخصيص.

3) إعادة إعمار بلدان أو مناطق منهارة كيلا تتحوّل إلى "مأوى للإرهابيين"، وفي ذلك إشارة إلى العراق وأفغانستان.

4) منع انتشار أسلحة الدمار الشامل كيلا تصل إلى "مجموعات إرهابية"، وفي ذلك إشارة إلى إيران.

5) دمج مناطق سلمية في النظام الأمني الجماعي والمقصود هو حلف شمال الأطلسي.

6) توجيه العولمة سياسيا واجتماعيا بما يضمن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم والعدالة الاجتماعية، وغير ذلك ممّا يكثر ترداده غربيا في الآونة الأخيرة.

7) تطوير النظام الاقتصادي الغربي دون استنزاف الموارد العالمية، وهذه النقطة الرئيسية التي تذكّر ولو جزئيا بأن فيشر هو من حزب الخضر المعروف بنهجه في تأكيد حماية البيئة.

الحصيلة التي يصل القارئ إليها تبقى أقرب إلى خيبة الأمل تجاه صورة عامّة انتشرت في ألمانيا عن يوشكا فيشر، ابن حزب الخضر وأحد زعمائه البارزين، كانت تختلف إلى حدّ كبير عن الصورة النمطية لسياسيّ غربي، إذ لم يخرج الكاتب -رغم بعض اللمسات العابرة لمواجع ما يسمّى العالم الثالث- من مفعول مركزية النظرة الغربية إلى العالم والأسرة البشرية فيه.

كما يلفت النظر أنّ التركيز في سائر فصول الخطاب على مشكلة "الإرهاب" مع اقترانه باستمرار بذكر الإسلام، أو الجهاد، لم يدفع الكاتب في موضع من المواضع إلى طرح ما يسمح بالاعتقاد أنّه ينسب الإرهاب إلى "فريق" من المسلمين، ممّن يؤوّل الإسلام والجهاد وليس إلى الإسلام نفسه، وهنا لا يسهل استبعاد الانحراف والتحيّز في نظرة الكاتب بالمقارنة مع آخرين من المفكّرين والكتّاب الألمان، ممّن يطرحون القضية من خارج الحلبة السياسية بإنصاف أكبر وتمييز منهجي أدقّ.

ويبقى مقابل خيبة الأمل، ما يفيد القارئ عبر الاطّلاع على خلفيات فكرية تحجبها أحيانا الاعتبارات الدبلوماسية في التحرّكات والمواقف السياسية الناجمة عن تبعات المنصب على صاحبه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة