33 يوم حرب على لبنان   
الثلاثاء 1428/5/6 هـ - الموافق 22/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:20 (مكة المكرمة)، 13:20 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يضم هذا الكتاب دراسات ومقالات لـ43 كاتبا ومحللا إسرائيليا، وهي أعمال نشرت في إسرائيل أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان أو بعدها بقليل، وهو يعرض الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية للحرب، وأبعادها الدولية والإقليمية.

- الكتاب: 33 يوم حرب على لبنان
- المؤلف: مجموعة من المحللين الإسرائيليين
- المترجم: أحمد أبو هدية
- الصفحات: 367
- الناشر: مركز الدراسات الفلسطينية، رام الله
- الطبعة: الأولى/2007

وقد أسقطت هذه الحرب مجموعة من المفاهيم الإستراتيجية السابقة التي ربما تغير مستقبل الحروب في العالم، ومنها مفهوم نقل المعركة إلى أرض العدو، واحتلال أرض والتمسك بها كورقة مساومة، وحسم المعركة بالسرعة الممكنة من خلال استخدام القوة النارية الجبارة.

والكتاب عبارة عن مجموعة كبيرة من المقالات جرى استيعابها في هذا العرض ضمن تصنيف اقترح من ثلاثة محاور: حزب الله وحماس ومستقبل الصراع العربي الإسرائيلي.

وبالطبع فإنه سيكون عرضا غير قادر على استيعاب الكتاب تماما، ولكن تكفيه الإشارة إلى نماذج من التفكير الإسرائيلي والدعوة إلى الاطلاع على الكتاب الذي قام بترجمته وإعداده مركز الدراسات الفلسطينية.

حزب الله لاعب رئيسي
يعتقد يورام شفايتزر الباحث في مركز يافا للدراسات الإستراتيجية أن حزب الله أصبح قوة مؤثرة في الصراع العربي الإسرائيلي، وأن محاولة منعه من إعادة بناء نفسه على الصعيد العسكري الجهادي تكتسب أهمية كبيرة، ولكنها تنطوي على تداعيات إقليمية أكبر من الصراع نفسه.

ويقول روني برات، الباحث في مركز يافا للدراسات الإستراتيجية إن مكانة حزب الله قد ضعفت كثيرا في المدى المنظور في لبنان وعلى المستوى الإقليمي، ولكن علاقته مع إيران وسوريا لم تضعف، وتزايدت فرص تدخله وتأثيره في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ويقول يهودا بن مائير، أحد رموز الحزب الديني القومي والباحث في الشؤون الإستراتيجية إن إسرائيل تهدف إلى تحطيم حزب الله والقضاء المبرم عليه، واستعادة قوة الردع الإسرائيلية، وتغيير الواقع الداخلي في لبنان، وقد عملت على تلافي تدخل سوريا في الحرب، وحصر العمليات العسكرية ضد حزب الله وفي لبنان فقط.

وتمضي تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى فلسطين وحماس فيعتقد مارك هيلر، المدير السابق لمركز يافا للدراسات الإستراتيجية، أن الحرب في لبنان كانت لها تداعيات وتأثيرات على حماس في فلسطين ومستقبلها، قد تؤدي إلى إضعافها أو تشجيعها على تغيير منهجها وأفكارها.

وسيخرج حزب الله برأيه من الحرب بخسائر كبيرة، وقد يكون لاستمرار الخطاب المتطرف لحزب الله تأثير سلبي على احتمالات تحول حماس نحو الاعتدال.

ولكن عمير ربايورت يتساءل لماذا تقبل الجيش الإسرائيلي بإذلال اختطاف ثلاثة جنود عام 2003، والهجوم الجريء على قرية الغجر عام 2005؟ ليصل إلى أنه يجب الاعتراف بأن نصر الله يمتلك ورقة ستجبر إسرائيل على التفاوض معه.

ويصف أليكس فيشمان مراسل يديعوت أحرونوت العسكري الحرب بأنها تؤدي إلى نتيجة يصفها بقوله "هذا شيء أليم جدا، ولكنه إسرائيلي جدا: الفشل فقط هو الذي يهبنا الفهم"، فقد وقعت أخطاء تنفيذية ورطت إسرائيل في عنف متواصل ومرهق في فلسطين وفي لبنان.

وما حدث في لبنان لا يمكن إصلاحه برأي بيرتس بعودة الأسرى، فمن المحظور علينا أن نقبل وضعا يضربنا فيه حزب الله على هذا النحو من دون أن نغير المعادلة.

الحرب إسرائيليا
من الواضح أن الحرب حملت تأثيرات وتداعيات عميقة وكشفت عن تحولات خطيرة في الحروب والمفاهيم تتجاوز إسرائيل إلى العالم أيضا، فيرى يائير عفرون عميد احتياط وباحث في الشؤون العسكرية، أنه عندما يكون الصراع بين دولة ولاعب شبه حكومي فبالإمكان خلق ميزان ردع محدد لا ينتهي بانتهاء الصراع وإنما ضمن جوانب محددة ومعينة من هذا الصراع.

"
الحرب في لبنان كانت لها تداعيات وتأثيرات على حماس في فلسطين ومستقبلها قد تؤدي إلى إضعافها أو تشجيعها على تغيير منهجها وأفكارها
"
وفي مثل هذه الموازين ينبغي في بعض الأحيان تقوية الميزان الردعي سواء كان عن طريق التسويات السياسية أو باستخدام القوة العسكرية المحدودة.

والردع ليس رؤية شاملة في إدارة وحل الصراعات، وإنما هو عبارة عن إستراتيجية واحدة من بين إستراتيجيات عدة تهدف إلى المحافظة على علاقات صراعية.

في كثير من الحالات فإن إستراتيجية الردع قد تنجح لفترة زمنية محددة فقط، لكنها لا تشكل بديلا عن التسويات السياسية، بل إن مهمة الردع هي المحافظة على الموازين والعلاقات العسكرية في أزمات الصراع ودعم التسويات السياسية في حال حصولها.

ويدعو توعم أوفير عميد احتياط وباحث في مركز يافا للدراسات الإستراتيجية إلى وجوب الاعتراف بأن القوة الجوية ليست حلا سحريا، وإن كانت قدرتها كبيرة جدا، ولكن هناك كثير من الأمور التي يجب حسمها على الأرض، وقد فعل سلاح الجو الإسرائيلي كل ما يمكنه في الحرب اللبنانية، ولكن القوة وحدها لا تستطيع أن تحسم الحرب.

وكانت لإستراتيجية الصواريخ التي استخدمها كل من حزب الله والمقاومة الفلسطينية آثار مهمة على التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي، يقول يفتاح شابير عميد احتياط وباحث في الشؤون الأمنية، إن الخسائر الناجمة عن الصواريخ لم تكن كبيرة، لأن معظمها كان يسقط في مناطق خالية، ولكنها ذات دلالات سياسية كبيرة، وربما يمكن تطوير منظومة اعتراض للصواريخ.

وقد كشفت الحرب من وجهة نظر مئير الرن، الباحث في مركز يافا، عن الحاجة إلى تحسين المنظومات الدفاعية المدنية، وتعزيز المنظومات الاجتماعية النفسية لدى السكان الذين أصيبوا بأضرار كبيرة، وتعزيز وتقوية منظومة المجالس البلدية، وإحداث قانون التعويض لمن لحقت بهم خسائر.

ما الجديد والمختلف في هذه الحرب؟ كان هذا السؤال موضوعا لدراسات وتحليلات عدة، فيرى أمير أورن أن حرب عام 2006 ليست هي حرب عام 1982، لأن الحرب هذه المرة مع حزب الله الذراع الإيرانية في المنطقة، وهي من وجهة نظر حزب الله حرب دينية مقدسة.

وقد أخطأت التقديرات العسكرية الإسرائيلية بظنها أن حزب الله قد ضعف بسبب الانسحاب السوري من لبنان أو أنه على الأقل أضعف قدرته التسليحية والقتالية، وأخطأ نصر الله وحزب الله أيضا في تقدير الموقف، وربما يكون وضع حزب الله بالنسبة لإيران قد تراجع.

وكان من النتائج الراسخة للحرب استحالة إمكانية القضاء على حزب الله، وربما يكون الحل برأي وزير الدفاع بيرتس ويؤيده في ذلك الجنرال ديفد كمحي هو في عقد سلام مع لبنان، أو معاودة الاتصال بقوى وشخصيات مسيحية لبنانية مثل ميشال عون.

ويقول عاموس هرئيل، مراسل عسكري في هآرتس إن الانطباع السائد في العالم العربي هو أن حزب الله قد وجه صفعة قاسية للجيش الإسرائيلي، وأن الحرب أثبتت أن حزب الله لا يتراجع أمام إسرائيل، وأنه يتحدث بصدق وشفافية وأن إسرائيل كاذبة على الدوام.

وقد أنشأت الحرب معضلة كبيرة تجب مواجهتها، إذ لم يعد مؤكدا أن إسرائيل قادرة على الاستمرار في تحمل الخسائر وفي تماسك الجبهة الداخلية، ولذلك فإن هذه الحرب بالنسبة لإسرائيل مختلفة عن الحروب التي سبقت.

"
من النتائج الراسخة للحرب استحالة إمكانية القضاء على حزب الله، وربما يكون الحل هو عقد سلام مع لبنان أو معاودة الاتصال بقوى وشخصيات مسيحية لبنانية مثل ميشال عون
"
ويصف جدعون ليفي الكاتب في صحيفة هآرتس الجيش الإسرائيلي بأنه ظهر مثل زعران الحارات، جندي يختطف في غزة فتدفع غزة كلها الثمن، ويقتل ويؤسر جنود في جنوب لبنان فيدفع لبنان كله الثمن.

فالحرب الإسرائيلية لا يمكن اعتبارها "حربا لا مفر منها" ولكنها حرب تهدف بالأساس إلى استعادة كرامة ضائعة تحت مسمى "استعادة قوة الردع"، ولذلك لا يعرف أحد ما الذي يعتبر انتصارا أو إنجازا.

ويتساءل ليفي ببلاغة: هل نقاتل ضد لبنان أو حزب الله؟ لا أحد يعرف الصحيح، وإذا كان الهدف هو إبعاد حزب الله عن الحدود الإسرائيلية فهل جربت الطرق السياسية في أثناء الفترة الماضية؟ وما العلاقة بين تدمير نصف لبنان وبين هذا الهدف؟

الرد الإسرائيلي يعبر عن مقولة إنه لا حق لأحد في انتهاك سيادة الدول وحدودها سوى إسرائيل، ولا حق لأحد في خطف المواطنين من بيوتهم وسجنهم سوى إسرائيل، وبعد قتل الأطفال والرجال والنساء وتدمير البيوت والمرافق والخدمات في غزة ولبنان هل أطلق سراح الجنود الأسرى، وهل استعيدت القوة الردعية؟

وفي الوقت الذي لا نتحمس فيه للتوجه إلى طاولة المفاوضات نسارع بكل عنفوان بالعودة إلى ساحة المعركة من دون التوقف من أجل التفكر، ونعزز الارتياب في أننا بحاجة إلى حرب كل سنوات عدة في دورية فظيعة حتى نعود بعدها إلى الوضع السابق تماما.

الجميع يعرف كيف بدأت هذه الحرب ولكن أحدا لا يعرف كيف ستنتهي؟ ولكنها حرب كشفت عن تفكير أهوج، الضغط على السكان سيؤدي إلى الضغط وإحداث التغيير السياسي، ولكن ما الذي حدث نتيجة هذه السياسات؟

جاءت حماس بدلا من فتح، وجاء حزب الله بدلا من المقاومة الفلسطينية في لبنان، وهذه الحرب الحمقاء تعبر عن سلوك من صلف الزعران.

وفي الجانب الاقتصادي من الحرب فإن شركة المعلومات الاقتصادية "دان آند بردستريت" تقدر خسائر الاقتصاد الإسرائيلي بنحو 110 ملايين دولار يوميا، بما في ذلك التكلفة العسكرية.

وقدرت الخسائر بناء على المصانع التي أغلقت، والتعويضات عن الخسائر المباشرة، وأجور العاملين، ولكن الشركة تقدر أنه لا خوف على الاقتصاد الإسرائيلي نظرا لقوته وحصانته التي تعتبر من الأقوى في العالم الغربي.

ولكن قد يحدث تراجع طفيف في النمو الاقتصادي قبل أن يعاود صعوده بالمعدلات العادية وهي نحو 6%.

وربما تلخص مقالة أوري شافيط المحلل في صحيفة هآرتس التداعيات السياسية للحرب، فيقول تحت عنوان "ماذا حل بنا؟" إن السياسة والمال والإعلام والأكاديميات أعمت عيون إسرائيل وسلبت روحها.

ويقول إن النخب الإسرائيلية السياسية قد انقطعت نهائيا عن الواقع، وقد أدت أوهامها المتكررة حول واقعها التاريخي الذي تعيشه في ضياعها وفقدان الطريق والاتجاه الصحيح، فالوعي المتشكل أشبه بالهذيان المحموم بالاستهلاك المسعور والتبرير المزيف.

"
الحرب شكلت فرصة نادرة لاختراق الأزمة القائمة في الشرق الأوسط، ولكن هناك سلسلة طويلة من الموضوعات التي تفصل بين إسرائيل والدول العربية
"
الحرب والتسويات الممكنة
يقول شلومو بروم نائب مدير مركز يافا للدراسات الإستراتيجية إن أي تسوية يتم التوصل إليها ستكون هشة وغير مستقرة على المدى البعيد، وإن أي تغيير أساسي في وضع إسرائيل تجاه لبنان يبدأ عندما تعالج إسرائيل المشكلات الأساسية على الجبهة الشمالية.

وهو يعني أن على إسرائيل أن تبدأ بفتح حوار مع سوريا، مما من شأنه أن يعيد المفاوضات بين الجانبين، لأنه على الرغم من أن سوريا فقدت كثيرا من قوتها مقارنة بحزب الله، فإنها لاتزال عنصرا مهما في محور إيران سورية حزب الله، وإن إخراج سوريا من هذا الحلف سيساعد بقدر كبير على تحييد الأطراف الأخرى.

وتعتقد إميلي لنداو وهي باحثة في الشؤون العربية في مركز يافا للدراسات الإستراتيجية أن الحرب قد شكلت فرصة نادرة لاختراق الأزمة القائمة في الشرق الأوسط، ولكن هناك برأيها سلسلة طويلة من الموضوعات التي تفصل بين إسرائيل والدول العربية.

ويدعو زكي شالوم وهو أستاذ جامعي وباحث في شؤون الشرق الأوسط، إلى إقامة حلف إقليمي واسع يضم إسرائيل وتركيا والسعودية ومصر والأردن ودول الخليج والولايات المتحدة وبريطانيا لمواجهة إيران والتطرف الإسلامي، وترتيب مجموعة من التسويات الجزئية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وصولا إلى تسوية دائمة.

وهذه المقولة تبدو عكس المقولة العربية التي ترى أن تسوية عادلة ودائمة للصراع ستؤدي إلى نجاح المواجهة مع التطرف، في حين أن هذا الرأي يرى أن مواجهة إيران والتطرف ستكون مقدمة لتسوية دائمة.

وأما المراسل والمحلل العسكري أليكس فيشمان فيعتقد أن الخطة السياسية الوحيدة التي ترسم خط إنهاء الأزمة تقوم على إعادة الجنود الإسرائيليين المخطوفين ووقف القصف على الأراضي الإسرائيلية، ووقف العمليات العسكرية في لبنان وانسحاب إسرائيلي من غزة، وتحرير الوزراء والنواب الفلسطينيين من حركة حماس، وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي يتحدث عن حل المليشيات وانتشار الجيش اللبناني في كل أجزاء الدولة ولاسيما في الجنوب.

ولكن حزب الله وحماس لا يتعاونان مع هذه المبادئ بدون مقابل، وبدون موافقتهما سيكون صعبا التوصل إلى اتفاق. فما العمل؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة