جيش الظل.. المتعاونون الفلسطينيون مع الصهيونية   
الثلاثاء 16/7/1436 هـ - الموافق 5/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:17 (مكة المكرمة)، 14:17 (غرينتش)


عرض/محمود الفطافطة
يستعرض كتاب "جيش الظل.. المتعاونون الفلسطينيون مع الصهيونية 1917-1948" الاحتكاك اليومي بين عرب فلسطين (فلسطينيي الداخل) واليهود قبل عام 1948، ويطرح نماذج مختلفة للمتعاونين ودوافعهم المتباينة. ويرى أن تلك المرحلة التي ظهرت فيها آفات اجتماعية متجذرة استغلتها الحركة الصهيونية باقتدار، وعملت على تصعيدها لتسهيل إقامة دولة إسرائيل، وتحقيق أهدافها.

يتكون المؤلف من تسعة فصول، إلى جانب مقدمة المترجمة التي جاء فيها "إن كل من يتساءل عن سبب ترجمة هذا الكتاب إلى العربية أقول له إن غض الطرف عن النقائض ليبقى الوضع المتقيح على حاله، دونما دراسة جادة معمقة لمعرفة الأسباب الموضوعية والإستراتيجية، سيجلب المآزق والهزائم المتتالية".

الفصل الأول جاء بعنوان "البحث عن تعاون سياسي" وفيه يبين المؤلف أنه عندما زار "حاييم وايزمان" أحد قادة الحركة الصهيونية، فلسطين عام 1920 تنبأت اللجنة التنفيذية للحركة بأن مشروعها سوف يشُق المجتمع الفلسطيني ويُشوه قيادته ومؤسساته من خلال استقطاب قيادات وعناصر تعمل لصالح هذا المشروع.

-العنوان: جيش الظل.. المتعاونون الفلسطينيون مع الصهيونية 1917ـ 1948
-المؤلف: هيليل كوهين
-ترجمة: هالة العوري
-عدد الصفحات: 364
-الناشر: بيسان للنشر والتوزيع، بيروت
-الطبعة: الأولى، 2015

ويذكر كوهين أنه في بداية الانتداب البريطاني تشكلت قوتان متعارضتان بفلسطين، الأولى كتلة آل الحسيني التي سيطرت على المؤسسات القومية، والأخرى كتلة المعارضة المتمثلة بعائلة النشاشيبي.

ويضيف "كانت بين الكتلتين مناظرات أيديولوجية حول كيفية الرد على الصهيونية، وماهية العلاقة مع الأمير عبد الله في شرق الأردن، بحيث اتخذ آل الحسيني موقفا عدائيا من كلا الجانبين، بينما فضلت المعارضة السعي إلى بناء علاقات جيدة مع الأمير والتكيف مع الصهاينة لإدراكها عدم قدرة العرب على هزيمة الصهيونية".

ويوضح المؤلف "استخدم الصهاينة والبريطانيون خدمات المتعاونين، لمساعدتهم في إخماد الثورة، وفي الحصول على معلومات حيوية وخلق دائرة مُغلقة من العداوات تحول دون وحدة الفلسطينيين" مشيرا إلى أنه بينما كان الصهاينة يعملون على تأسيس شبكة استخباراتهم وتعزيزها بتوسيع شقة الخلافات بين الفلسطينيين، وبناء قوتهم الحربية، وزيادة ممتلكاتهم بشراء الأراضي، وإقامة المستوطنات، كان المجتمع الفلسطيني غارقا في نزاعات داخلية، عاجزا عن التعبئة والتوحد خلف قيادة فشلت في تأهيل الجميع أو تهيئته لقبولها.

الفصل الثاني يناقش سؤال "من هو الخائن؟" وفيه أنه "في عشرينيات القرن الماضي تكشف الوعي الفلسطيني عن تحول صارخ، فخرجت مصطلحات لم تكن موجودة، أو كانت تحمل معاني مختلفة تماما عنها في الماضي مثل الخيانة، التعاون، تمت إعادة صياغتها وتداولها لتُستعمل في إلغاء شرعية الخصم، ليس في بعده النضالي القومي فحسب، بل أيضا في الصراعات الداخلية بهدف الاستحواذ على القيادة".

وتحت عنوان "شخصنة السياسة" جاء أن مفهوم الخيانة في هذه المرحلة كان ضبابيا مراوغا وموضوعا جدليا. وأنه كان من الصعب أحيانا معرفة متى يُلعن إنسان ما بوصفه خائنا، من قبل مجموعة سياسية معينة، كما تعذر أيضا التمييز بين أصحاب المصالح الشخصية والسياسية والعائلية، وبين من وصموه بالخيانة.

ويضيف الكاتب "انضم إلى تعريف الخيانة، أيضا، كل من انتهك المقاطعة الاقتصادية للمنتجات اليهودية، أو من يلتزم بإضرابات العمال اليهود، أو يساهم في علاقات مشتركة أيا كانت طبيعتها".

في بداية الانتداب البريطاني تشكلت قوتان متعارضتان بفلسطين، الأولى كتلة آل الحسيني التي سيطرت على المؤسسات القومية، والأخرى كتلة المعارضة المتمثلة بعائلة النشاشيبي، وكانت بينهما مناظرات أيديولوجية حول كيفية الرد على الصهيونية، وماهية العلاقة مع الأمير عبد الله في شرق الأردن
وتحت عنوان "مصير الخونة من الحرمان إلى الموت" ذكر الكتاب أنه تم استعمال ثلاثة نماذج أساسية للعقاب: النبذ الاجتماعي، الطرد من العمل، الهجوم البدني. ويوضح: إن توسيع تعريف دائرة الخيانة، ليشمل المعارضين للحسيني، كان سببا في اضمحلال فاعلية الاتهام، وتبخيس مفهوم الخيانة، كما شوهت الثقة في القيادة وزرعت الريبة في حقيقة دوافعها.

الفصل الثالث جاء تحت عنوان "نحن المتعاونين" وفيه صنف المؤلِف المتعاونين العرب إلى أربع فئات: الأولى، أصحاب المكاسب الشخصية شأن السماسرة، ومن قاموا بالتعاون حبا في المال أو من أجل الحصول على عمل. الثانية، زعماء البدو والقرى سعيا لمصلحة الجماعة وحمايتها. الثالثة، أدعياء الوطنية على أرضية خدمة مصالح شعبهم. والفئة الرابعة، أصحاب الدوافع الخلقية والإنسانية، الذين اعتبروا اليهود أصدقاء وجيرانا، وطالما استاؤوا من الثورة والثوار.

أما الفصل الرابع فعُنون بـ" متعاونون قدامى.. خونة جدد 1936-1939" وفيه يشير الكاتب إلى أن الثورة أدت إلى متغيرين جوهريين في التعاون بين العرب والحركة الصهيونية، الأول: اتساع نطاق استخدام مصطلح "الخيانة" في الخطاب العربي الشعبي، وأصبح السلوك الذي كان يُعد مشروعا ومقبولا في السابق، خارج حدود المسموح به. والثاني، التشدد في إنزال العقوبات بالخونة على نحو أكثر صرامة.

ويعالج عنوان "اقتصاديون خونة" مصطلح الخوارج الذي أصبح لقبا شائعا لغير الملتزمين بالمقاطعة الاقتصادية، ما جعلهم في نظر الثوار يُشكلون خطرا مزدوجا: تجاهل الإضراب من جهة ومساعدة اليهود في مواجهته، وانتهاك المقاطعة وبالتالي تخريب الإضراب من جهة أخرى.

وتحت عنوان "ورطة المتعاونين" نجد أن المتعاونين اضطروا بسبب التصفيات والمطاردة، إلى إعادة تقويم أفكارهم وسلوكياتهم. وكان أمامهم أحد ثلاثة خيارات: الأول، إعلان التوبة والالتحاق بالحركة الوطنية، الثاني، الفرار إلى بلد مجاور انتظارا للعاصفة حتى تهدأ. والثالث، الثبات واستمرار التعاون مع الاستخبارات الصهيونية وبيع الأراضي.

وجاء الفصل الخامس بعنوان "انتهاء الوحدة" وفيه يذكر كوهين أنه بعد توصية لجنة بيل بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق عام 1937 استمرت التصفيات لكل من يجرؤ على دعم هذه الخطة علانية. كما أن "المعارضة كانت مستعدة للموافقة على التقسيم، لكنها اضطرت إلى التراجع مسايرة لخصومها وللمعارضين كافة، بعد أن عملت بقرار قتل كل من يدعم هذا الاقتراح".

الفصل السادس وسم بعنوان" الخونة.. هجوم مضاد" حيث يتطرق إلى المعارضة بقيادة فخري النشاشيبي الذي اتخذ قرارا بمواجهة الثوار، بالتنسيق مع الصهيونية فـ "كان تعاون النشاشيبي مع الصهاينة، قبل الثورة، محدودا للغاية" وخلالها اتخذ قرار ثلاثي الأبعاد: عدم الانضمام إلى الثورة، شن حملة عسكرية ضدهم دون مبالاة بالاغتيالات، وقبول المساعدة من الصهيونية والتعاون معها.

ويتطرق الكاتب إلى علاقة الصهيونية بالدروز، فيبين أنه جمعتهم بالمؤسسات الصهيونية علاقات طيبة بداية الثلاثينيات. وقد عزز بعضهم علاقته مع اليهود إلى درجة التعاون معهم خلال الثورة، وهذا لا يعني أن جميع الدروز عارضوا الثورة، فمن الناحية الرسمية، التزموا الحياد. أما المسيحيون فلعبوا دورا هامشيا في الثورة، فمن بين 82 قائدا فيها كان أربعة فقط من المسيحيين.

وقد ادعى المسلمون تلقي المسيحيين معاملة تفضيلية من البريطانيين، الأمر الذي زاد من تنافر الجماعتين. ويؤكد كوهين أن الحقيقة تبقى هي عدم تعاون أي قطاع مسيحي مع البريطانيين، خلافا للحال مع الدروز، بل إن معظم التعاون بأشكاله المختلفة، الذي تلقاه البريطانيون واليهود، لإخماد الثورة جاء على يد المسلمين، وعناصر وحدات السلام، القرويين، البدو، وعرب المدن.
تناول الفصل الأخير(الخيانة والهزيمة) يوميات الحرب انطلاقا من التعاون الفعال للمخبرين، وتزويد الصهيونية بالمعلومات السياسية والعسكرية، فضلا عن اتهام الفلسطينيين الجامعة العربية بالخيانة المباشرة لتقصيرها في نصرتهم

الفصل السابع يتطرق إلى مجريات ما بعد الثورة، فيبين أنه تمت إعادة بناء وتمتين العلاقة مع اليهود، ولم تعد البنى والمعايير التي فرضها الثوار محل طاعة. ولم تقتصر أجواء التصالح على الأثرياء فحسب، بل إن من بين قادة الثورة والمقاتلين من بادر بالاتصال باليهود أملا بالحصول على عفو مقابل تعاونهم.

وفي عنوان "وحدات السلام" جاء أن قادة المعارضة دعموا البريطانيين واليهود علانية أثناء الثورة، وحصلوا على سلاح منهم، وشكلوا "وحدات السلام" لتمرير معلومات عن المتسللين المسلحين، ومنعهم من المرور عبر مناطقهم، إضافة إلى إعداد قوائم بمن يحتمل التحاقهم بأي ثورة قادمة.

الفصل الثامن عنوانه "مقدمة الحرب" وجاء فيه أن مكانة فريق الحسيني تعززت بفعل اغتيال فخري النشاشيبي، وإفلات المفتي من قبضة البريطانيين، واستقباله الحار في ألمانيا، إلى جانب استفاقة السياسة الفلسطينية لقوتها عبر تأسيس عصبة التحرير الوطني وتنشيط الحزب العربي، وإنشاء صندوق "الأمة" والعمل على ثلاث قنوات: حملات دعائية ضد بيع الأراضي، إنقاذ الأراضي المهددة، وتركيز العمل ضد البائعين.

ويصف كوهين حال الفلسطينيين قبل النكبة فيقول "لم تستطع القيادات توحيد صفوفها وشعبها، وبقيت عرضة لاختراق الاستخبارات الصهيونية، وحل الصراع الداخلي محل الإجماع الوطني، واستمر كثيرون في انتهاك تعليمات اللجنة العربية العليا".

أما الفصل الأخير "الخيانة والهزيمة" ففيه حديث عن يوميات الحرب انطلاقا من "التعاون الفعال" للمخبرين، وتزويد الصهيونية بالمعلومات السياسية والعسكرية، فضلا عن اتهام الفلسطينيين الجامعة العربية بالخيانة المباشرة لتقصيرها في نصرتهم. ويبين أن المتعاونين أدوا دورا إستراتيجيا في الحرب من خلال تسليمهم مواقع أساسية للقوات اليهودية، وإقناع الأهالي بالاستسلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة