الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب   
الاثنين 1/5/1432 هـ - الموافق 4/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)

عرض/ محمد عيادي
سجل كتاب "الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب" سبقا في إخضاع تجربة الإسلاميين السياسية للرصد، وتتبع عملية إدماجهم داخل المجال العام وسياقها ومسارها وشروطها.

وسعى مؤلفه الدكتور رشيد مقتدر لاستجلاء كلفة الإدماج السياسية بالنسبة للنظام السياسي المغربي وللإسلاميين على السواء، مسلطا الضوء على علاقة الإسلاميين بنظام الحكم وسماتها وأبعادها وتطوراتها.

ويقصد المؤلف بمصطلح الإسلاميين في كتابه التيار الإسلامي الإصلاحي وتحديدا الإسلاميين أعضاء حركة التوحيد والإصلاح التي اختارت المشاركة السياسية من خلال حزب العدالة والتنمية، وقبلت العمل وفق قواعد اللعبة السياسية.

وبهذا التحديد استثنى المؤلف في كتابه -الذي جعله في ثلاثة أقسام- الإسلاميين الذين لم ينخرطوا في العمل السياسي ورفضوا المشاركة كجماعة العدل والإحسان.

خلفية تاريخية للتيار الإسلامي الإصلاحي
تطرق الباحث في العلوم السياسية في القسم الأول من الكتاب للتحولات الفكرية والسياسية للفصيل الإسلامي موضوع الدراسة(التوحيد والإصلاح) ومكوناته، انطلاقا من جذوره الأولى وتأسيس حركة الشبيبة الإسلامية سنة 1969 التي تبنت خطا ثوريا جذريا، إلى القطع معها والانفصال عنها 1981، وتأسيس "جمعية الجماعة الإسلامية" على أساس نبذ العنف والعمل السلمي التدرجي، وعدم التبعية لأي جهة خارجية، ثم تقديم ملفها للسلطات سنة 1983 لممارسة العمل الدعوي والسياسي العلني، وتطليق الفكر الانقلابي والعمل السري.

-الكتاب: الإدماج السياسي للإسلاميين في المغرب
-المؤلف: رشيد مقتدر
-عدد الصفحات: 397
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات, الدوحة
-الطبعة: الأولى/ 2010

وهو التوجه الذي حُسم فيه بوضوح سنة 1986 بعد مراجعات فكرية وسياسية والقراءة الجديدة للوضع السياسي المغربي، خلصت إلى الاعتراف بالخصوصيات التي تميز المغرب عن المشرق، وتجاوز أدب المحنة المشرقي، وتبني خطاب جديد ورؤية جديدة للحركة الإسلامية بالمغرب، قائمة على منطق مشاركة المجتمع ومخالطته بدل الاستعلاء عليه ومقاطعة.

وتوج هذا المسار بصياغة رؤية سياسية أو وثيقة المشاركة السياسية سنة 1988، وتغيير الاسم من "جمعية الجماعة الإسلامية" إلى اسم "حركة الإصلاح والتجديد"، للتأكيد على أن المنضوين داخلها "جماعة من المسلمين"، وليسوا "جماعة المسلمين".

وزاد التيار الإسلامي الإصلاحي قوة بتوحيد الحركة المذكورة مع "رابطة المستقبل الإسلامي" في أغسطس 1996، ليكوّنا "حركة التوحيد والإصلاح" بقيادة الدكتور أحمد الريسوني.

المرتكزات النظرية والمنطلقات التصورية
أكد الكاتب أن حركة التوحيد والإصلاح استطاعت صياغة مشروع فكري وسياسي ينطلق منه التيار الإسلامي الإصلاحي في بناء مشروعه الأيديولوجي والسياسي من منهج التغيير الحضاري الإسلامي، الذي يركز على تغيير الإنسان صانع التغيير وركيزته داخل المؤسسات الاجتماعية السياسية، ويشدد على أن المشكلة والأزمة التي تعيشها الأمة ليست أزمة سياسية بل قضية تراجع حضاري، وكلما كان الإنسان محصنا لنفسه وأكثر إدراكا لمتطلبات مجتمعه كان أقدر على التغيير.

وشكل هذا المنهج قطيعة مع ما اعتنقته تيارات إسلامية لعقود من إمكانية التغيير باستعمال منهج التغيير السياسي الوضعي بسرعة للوصول إلى الحكم، وإحداث التغيير السريع وفق نموذجها.

ويعود فضل اعتماد منهج التغيير الحضاري لاستفادة الحركة من مصادر متعددة ومداخل تأصيلية متنوعة يمكن تلخيصها في:

- استفادة حركة التوحيد والإصلاح كتيار إسلامي إصلاحي من الثرات الإخواني وتحديدا من كتب الشيخ حسن البنا.

- استفادتها من أخطاء الإخوان في المشرق العربي، ووضعها مسافة نقدية مع أدبياتهم وأيديولوجيتهم، وتعاطيها مع أسماء ساهمت في نقد الحركة الإسلامية من أمثال جودت سعيد وخالص جلبي، فضلا عن مفكرين معروفين في العالم الإسلامي كمالك بن نبي.

- انفتاحها ونهلها من أدبيات السلفية المغربية والتراث المقاصدي والأصولي، فضلا عن قراءة واعية للتاريخ الإسلامي والمغربي.

وسجل المؤلف أن التطبيق عند حركة التوحيد والإصلاح وعملها في الواقع كان دائما مغنيا للنظرية وسابقا عليها، حيث كان التنظير لاحقا لتجربة الحركة والعمل أو مواكبا لهما، بشكل مكنها من صياغة رؤاها الإصلاحية والدعوية والتنظيمية والسياسية.

وبين المؤلف أن التيار الإسلامي الإصلاحي بنى موقفه الداعي للمشاركة السياسية والعمل من داخل المؤسسات، على عدد من الأسس المركزية وهي:

- أن تلك المشاركة لا تشوبها شبهة شرعية بل مطلوبة لتوسيع التأثير الاجتماعي والسياسي للإسلاميين.

"
التطبيق عند حركة التوحيد والإصلاح وعملها في الواقع كان دائما مغنيا للنظرية وسابقا عليها، حيث كان التنظير لاحقا لتجربة الحركة وعملها أو مواكبا لهما بشكل مكنها من صياغة رؤاها
"
- أن المواقف من السلطة والتعامل معها يدخل في إطار السياسة الشرعية القائمة على قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، والترجيح داخل دائرتيْ المصالح والمفاسد بتحمل ضرر صغير لتجنب ضرر أكبر، وما إلى ذلك.

- أن العمل الدعوي والسياسي مؤطر برؤية مقاصدية ترى الدين في جملة من المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية.

- أن الحكم ليس تحديا بالنسبة للحركة الإسلامية، وأن الأخطار والتحديات الحقيقية التي تهدد الحقل الإسلامي بالمغرب، تكمن أساسا في انتصار القيم الحضارية الغربية في نفوس كثير من أبناء الأمة وفتور تدينها وترهله، وبالتالي فنقطة البداية بالنسبة لهذا التيار هي إعادة ترتيب نظريتها في أساليب التغيير وفقا لقيم الإسلام وإنهاء حالة الصدام مع نظام الحكم، لأنه يعتبر نفسه مساهما في الإصلاح وليس مخلصا للمجتمع والدولة.

وبهذا قطع التيار الإسلامي الإصلاحي فكريا مع كل الأطروحات الجذرية، سواء المبدّعة للمجتمع والسلطة أو المكفرة لهما، واعتبر أن الدولة الإسلامية قائمة في المغرب، وأكد سمو المرجعية الإسلامية في التشريع، وأقر بالشرعية التاريخية والدينية (إمارة المؤمنين) والدستورية للملكية، وعدها مكسبا في المغرب ساهم في الحفاظ على استقراره ووحدة نسيجه الاجتماعي، وحال دون الانزلاق في علمانية تحارب الدين أو لنظام شمولي يرفض أي انفتاح سياسي أو حرية للتعبير أو احترام لحقوق الإنسان.

الإدماج.. الإشكالات والعوائق
تطرق المؤلف في القسم الثاني من كاتبه للمراحل التي مرت بها عملية إدماج الإسلاميين الإصلاحيين في المجال السياسي والمؤسساتي، حيث انطلقت المرحلة الأولى منتصف التسعينيات مع سعي حركة الإصلاح والتجديد للانخراط في أحزاب قائمة أو تأسيس حزب خاص بها، حيث تقدمت بطلب تأسيس حزب "التجديد الوطني" فرفضته الدولة، الأمر الذي جعل قادتها يقتنعون بأنهم أمام منع سياسي لا قانوني، وأنهم في حاجة لشرعية سياسية وليس قانونية.

وهذا ما عاشته أيضا رابطة المستقبل الإسلامي التي سعت لتأسيس حزب التنمية، لكن توحد الحركة مع الرابطة، وقبول حزب الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية (أسس سنة 1967) -بقيادة الدكتور الخطيب الذي يحظى بثقة المؤسسة الملكية- أن يعمل الإسلاميون الإصلاحيون من داخل حزبه، فضلا عن دخول البلاد في مرحلة سياسية مهمة لإطلاق ما سُمي يومها مسلسل الانتقال الديمقراطي، والتهيؤ لتناوب توافقي، وإدماج المعارضة اليسارية السابقة في علمية التدبير الحكومي، كلها ساهمت في حل الوضع وإعطاء الضوء الأخضر للإسلاميين بممارسة العمل السياسي والحزبي.

وبدأت أول مشاركة سياسية رسمية في الانتخابات التشريعية سنة 1997، حيث حصل الحزب -الذي كان الإسلاميون من أبناء حركة التوحيد والإصلاح عموده الفقري والقلب الذي ضخ فيه دماء جديدة- على تسعة مقاعد في البرلمان، انضافت لها ثلاثة مقاعد في انتخابات جزئية.

وسرعان ما غير الحزب اسمه إلى "حزب العدالة والتنمية" سنة 1999، بالتزامن مع تغيير موقفه من حكومة التناوب بقيادة الأمين العام للحزب الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي من موقف المساندة النقدية إلى موقف المعارضة.

"
الممارسة البرلمانية والرقابة على الحكومة من جانب حزب العدالة والتنمية، أفرزت بعض الإشكالات والمواقف التي جعلت المؤسسة الملكية تنزعج من الإسلاميين
"

وبيّن المؤلف أن الممارسة البرلمانية والرقابة على الحكومة للحزب، والتصريحات والخطابات التي طغى عليها الجانب الديني والأخلاقي، أفرزت بعض الإشكالات والمواقف التي جعلت المؤسسة الملكية تنزعج من الإسلاميين، خاصة لما زاد خصومهم الأيديولوجيون من اليساريين والعلمانيين الطين بلة باتهامهم لهم بخلط السياسة بالدين، وتسخير هذا الأخير والمؤسسات ومنابر المساجد لأهداف سياسية انتخابية، وممارسة الوصاية الأخلاقية على المجتمع، ومنافسة الملك في الشرعية الدينية، وإحراج مؤسسة إمارة المؤمنين بالمبالغة في انتقاد بعض المظاهر الأخلاقية أو الاقتصادية في المجتمع، والدعوة إلى إضفاء طابع أخلاقي على المشهد السمعي البصري وعلى المهرجانات الفنية.

ما سبق جعل حزب العدالة والتنمية يعيد تقييم المرحلة لتفادي السقوط في فخ خصومه الذين يسعون لاصطدامه مع المؤسسة الملكية، خاصة بعد أحداث 16 مايو/أيار 2003 بالدار البيضاء التي سعى العلمانيون "الحداثيون" واليساريون لاستغلالها في محاصرة الحزب، بتحميله ما وصفوه بـ"المسؤولية المعنوية" عما حصل لاستعماله الخطاب الديني في عمله السياسي، وممارسة ضغوط كبيرة عليه، وصلت إلى حد مطالبة جهات حزبية صراحة بحله، مما أدخل مسلسل الإدماج في نفق مظلم ومرحلة أزمة حقيقية.

ويقول المؤلف إن اختيار العاهل المغربي محمد السادس الاستمرار في تجربة الإدماج بعد مطالبة الجميع بتحمل مسؤوليته، وتعامل الحزب بحس براغماتي وبمرونة في مرحلة عصيبة محليا وإقليما مكنته من تفادي الاصطدام مع السلطة وتجنب التصعيد والاحتقان السياسي، وبالتالي استمرار مسلسل الإدماج رغم العثرات.

وذكر المؤلف عددا من المواقف والقرارات المعبرة عن مرونة وبراغماتية حزب العدالة، من بينها قبوله تقديم ترشيحات محدودة لانتخابات 2003 الخاصة بالبلديات، وعمله على معالجة مسألتيْ المقاربة الأخلاقية للقضايا وخلط الدعوي بالسياسي، أي علاقته بالحركة الأم أو الشريك الإستراتيجي (حركة التوحيد والإصلاح)، من خلال إقرار مبدأ التمايز الوظيفي واحترام التخصصات، حيث تنكب الحركة على العمل الدعوي والتربوي والفكري، ويهتم الحزب بالعمل السياسي الصرف، الأمر الذي أسهم في تطوير الممارسة السياسية للحزب.

تقييم مسار الإدماج
"
الإدماج السياسي للإسلاميين الإصلاحيين داخل الحقل العمومي والمؤسساتي مكنهم من الدخول فعليا في الممارسة السياسية، والاحتكاك مع باقي الفاعلين السياسيين الرسميين
"
اعتبر المؤلف أن الإدماج السياسي للإسلاميين الإصلاحيين داخل الحقل العمومي والمؤسساتي مكنهم من الدخول فعليا في الممارسة السياسية، والاحتكاك مع باقي الفاعلين السياسيين الرسميين، مما نقلهم من الانتقال من مرحلة التنظير والقناعة إلى ممارسة السياسة من بوابتها الرسمية، مقسما عملية الإدماج إلى مرحلتين، الأولى (1997-2002) حيث هيمنت قضايا الهوية والسعي لتعزيز المرجعية الإسلامية في التشريعات والسياسات العمومية على خطاب الإسلاميين الإصلاحيين في شخص حزب العدالة والتنمية.

والثانية (2002-2007) بعد حصول الحزب على 42 مقعدا في البرلمان في انتخابات 27 ديسمبر/كانون الأول 2002، وهي المرحلة التي شهدت تفهما للواقع ولمخاوف الدولة والخصوم الحزبيين والمنافسين السياسيين ووعيا بها، وانعكس ذلك على مضمون خطاب الحزب، بتركيزه على القضايا الاجتماعية والعدل والأمن وحقوق الإنسان وغيرها، الأمر الذي أكسبه -يقول المؤلف- مهارات في التدبير السياسي والعمل التشريعي، وطور تجربته الرقابية وقوى ديناميته السياسية والاجتماعية.

خلاصات
خلص المؤلف إلى أن الإدماج السياسي للإسلاميين الإصلاحيين بالمغرب وتجربتهم السياسية بقدر ما ساهم في: تقوية شرعية النظام السياسي وإبراز مدى قدرته على الانفتاح والدمقرطة مع المحافظة على الاستقرار السياسي، والمساهمة في التنفيس عن الاحتقان والتذمر الاجتماعي بالعمل على إدماج فصائل متشددة أو تحييدها، وإعطاء دينامية جديدة للعمل البرلماني والحقل السياسي، فإن الإدماج ساعد في الوقت نفسه الإسلاميين على إنضاج طروحاتهم وتطوير تصوراتهم حول قضايا السياسة والحكم، بالاحتكاك مع السلطة وباقي العاملين والفاعلين السياسيين.

"
مستقبل المشروع الحركي الإسلامي الإصلاحي يرتبط بشكل كبير بما يستطيع الإسلاميون تحقيقه داخل المجال العام والتوافق في ما فشل فيه غيرهم
"

كما مكنهم من فهم منطق الدولة وطريقة اشتغالها، وأكسبهم خبرات في تدبير السياسات العامة، مؤكدا أنه رغم ما صاحب تجربة الإدماج (13 سنة) من إشكالات وعوائق، فإنها تبقى تجربة ناجحة وإيجابية جعلت المغرب نموذجا في التعامل مع الإسلاميين والانفتاح عليهم في وسط إقليمي صدهم وخاطبهم بلغة الاستئصال السياسي.

وشدد المؤلف في الأخير على أن مستقبل المشروع الحركي الإسلامي الإصلاحي يرتبط بشكل كبير بما يستطيع الإسلاميون تحقيقيه داخل المجال العام، والتوافق في ما فشل فيه غيرهم من الأحزاب الوطنية، كتغيير طريقة اشتغال النظام ودمقرطته، وتجنب السقوط في الانتهازية السياسية، لأن عدم الالتزام بوعود الحملات الانتخابية، والفشل في تحقيق هذه المشاريع، يعني تآكل شرعيتهم وأفول مشروعهم السياسي، والنجاح في تحقيق الوعود والوفاء للمبادئ وللديمقراطية يعني تطوير الممارسة السياسية وجعلها أكثر نضجا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة