مستقبل العراق   
السبت 27/11/1425 هـ - الموافق 8/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 18:46 (مكة المكرمة)، 15:46 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يضم هذا الكتاب مجموعة من الدراسات والمقابلات التي أجريت مع خير الدين حسيب الأمين العام للمؤتمر القومي والمدير العام لمركز دراسات الوحدة العربية وأحد رموز الفكر والعمل القومي، ويتحدث فيه حسيب كما يقدمه عبد الإله بلقزيز من موقع وطني عراقي باعتباره أحد قادة العمل السياسي العراقي، وممن تبوأ مناصب رفيعة في العراق، فقد شغل منصب محافظ البنك المركزي العراقي، ثم سجن عام 1968 بعد مجيء البعث إلى السلطة، ثم ترك العراق عام 1974 ليؤسس مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ومن موقع قومي عربي أيضا باعتبار المكانة المهمة التي يشغلها في حركة القومية العربية.

الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق
بعد 11 أيلول أنشأت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قسما خاصا للتضليل الإعلامي هكذا كانوا يسمونه، وبعد ردود الفعل السلبية في العالم حول هذا الموضوع تم دمج هذا القسم في قسم آخر، ولكن بقيت المهمات المطلوبة هي نفسها، ولذلك يجب توخي الحذر الشديد –برأي خير الدين حسيب- حول ما نقرأ في المصادر من معلومات وتسريبات، لأنها غالبا تكون لأغراض معينة، وأحيانا للتضليل الإعلامي.

العنوان: مستقبل العراق.. الاحتلال والمقاومة والتحرير والديمقراطية
تأليف: خير الدين حسيب
عدد الصفحات: 259
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية / بيروت،
الطبعة الأولى: 2004

في أواخر الثمانينيات وبانتهاء الحرب الباردة، وصلت أميركا إلى قناعة مفادها أنه في السابق كانت القوة العسكرية هي المعيار الأول، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نشأت فكرة السيطرة على النفط ليس لتوفير حاجات الولايات المتحدة فقط، بل لاستعماله ورقة ضغط في علاقات الولايات المتحدة مع القوى الاقتصادية الرئيسية الأخرى في العالم، وهذه الورقة هي الورقة التي تستطيع من خلالها أن تتحكم في توريد النفط و في أسعاره.

كانت هذه هي البداية، وفي عام  1988 عين شوارزكوف قائدا للقوات الأميركية المركزية، وفي سفره إلى الخليج والمقابلات التي أجراها يذكر بالتفاصيل في تقرير مفاده أن العراق هو الخطر الأول، لذلك كان هناك تدريب سنوي للقوات المركزية لتهيئتها للعراق العدو القادم.

وبدأ الكلام عن المدفع العملاق وعن معدات صنع القنبلة النووية، علما بأن ما يسمى بالمدفع العملاق كان تمهيدا لإيجاد الذرائع لضرب العراق، حيث سبق للولايات المتحدة الأميركية أن أعطت العراق تسهيلات ائتمانية من خلال بنك الاستيراد والتصدير الأميركي، ثم توقف ذلك، وبدأت الضغوط للتسديد، وكانت الأزمة اقتصادية ابتداء.

بعد أن انتهت حرب الخليج، حاول وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني وفريق عمل من ضمنه بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الحالي أن يضعوا الخطوط والأهداف العامة للإستراتيجية الأميركية الجديدة.

وقد أشار الكتاب لوضع السعودية، وحسب ما يوجد من معلومات فإنه سيتم ترتيب البيت السعودي، ولذلك أيضا علاقة بنفط العراق، إذ إن إعادة ترتيب البيت السعودي قد تقتضي توقف نفط السعودية لفترة، وبالتالي سيكون على نفط العراق أن يعوض النقص الناتج عن ذلك التوقف.

وهكذا فبعد أن تنتهي ترتيباتهم في منطقة الشرق الأوسط فإنهم سيتوجهون إلى باكستان والهند والصين في آخر المطاف، وبالتالي تكون إستراتيجيتهم تحققت.

"
لابد من أن يشعر العراقيون أنهم في مقاومتهم للأميركان يدافعون عن وطن وليس عن حزب أو شخص
"

على أن هذه الإستراتيجية ليست قدرا، فهم جربوها مع كوبا كاسترو منذ أربعين عاما دون فائدة، والدراسات المستقبلية تؤكد أن المستقبل عبارة عن خيارات مختلفة وليس قدرا، وكل خيار من الخيارات له متطلباته وله ثمن معين، والخيار الذي نختاره يعتمد على مدى رغبتنا وقدرتنا على دفع الثمن.

و المطلوب من العراق أيضا أن يهتم بالوضع الداخلي، فلابد من أن يشعر العراقيون أنهم في مقاومتهم للأميركان، يدافعون عن وطن و ليس عن حزب أو شخص.

وفي هذا السياق شنت الحرب الأميركية والبريطانية على العراق خلافا لميثاق الأمم المتحدة، الذي أعطى للدول حق الدفاع عن النفس إذا ما تعرضت لعدوان مسلح عليها أو تعرضت لتهديد وشيك الوقوع، وهي شروط لا تتوفر في حالة العراق، حيث لم يقم باعتداء مسلح على الولايات المتحدة ولا بريطانيا.



وتتجاوز هذه الحرب العدوانية على العراق أهدافها المعلنة وغير المعلنة إلى تدمير القوة العسكرية للعراق، والحفاظ على أمن إسرائيل، وعدم تهديد إستراتيجية أمريكا وأهدافها في المنطقة، والسيطرة على نفط العراق ضمن إستراتيجية أوسع و من ثم السيطرة على نفط العالم بشكل أو بآخر.

ومن وجهة نظر عربية، وبغض النظر عن اعتبارات التشاؤم والتفاؤل وعن التقييمات القومية والأيديولوجية والسياسية، فإن مصير الوطن العربي والأمة العربية وخاصة مستقبل القضية الفلسطينية، وحتى مصير الوضع الإقليمي والنظام الدولي، أصبح كله يتوقف على مدى نجاح الولايات المتحدة في الاستمرار في احتلال العراق، و إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، أو فشلها واضطرارها للانكفاء منسحبة من العراق.

إن التوقعات الخاصة بإنتاج النفط تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تضطر إلى أن تستورد أكثر من حجم استيرادها الحالي، وهو نحو 55% من استهلاكها، بمعنى أنها تضطر إلى استيراد نحو 70% من استهلاكها من خارج الولايات المتحدة عام 2050.

و بالتالي فإن إستراتيجيتها ستقوم على السيطرة على مواقع النفط في العالم، كالخليج والعراق وأفريقيا، ووسط أسيا والقوقاز، وهذا أهم سبب في اهتمامها بالسودان، وآسيا الوسطى...الخ، وهي إذا سيطرت على النفط تكون قادرة على التحكم في توريده وفي أسعاره، أي أنها تكون في وضع يمكنها من أن تتحكم في اقتصاديات دول أوروبا والصين واليابان والهند، وبالتالي تضمن بقاءها متفوقة على كل الدول الكبرى في العالم، ولذلك تأثيره على روسيا، إذ عندها يمكن أن تعمل على وقف قسم غير قليل من صادرات روسيا.

والهدف الثاني هو ضمان أمن إسرائيل، إذ كان العراق إحدى العقبات في طريق التسوية الأميركية بين الدول العربية وإسرائيل، وقد أفرجت الولايات المتحدة الأميركية عن عدد من الوثائق السرية –ونشرت في صحيفة الشرق الأوسط - منها وثيقة عن اجتماع هنري كسنجر (وزير الخارجية الأميركي الأسبق) مع الدكتور سعدون حمادي وزير الخارجية العراقي عام 1975، وقد رفض العراق حينها الاعتراف بإسرائيل كدولة.

لذلك وغيره، أعلنت أميركا أن العراق هو بداية مشروعها وأنها تريد إعادة ترتيب خريطة الشرق الأوسط والمشروع الجديد في الشرق الأوسط الكبير الذي كشف أن أحد مساعيه تغيير هوية المنطقة العربية إلى شرق أوسطية.

مصير الأمة العربية في ميزان العراق
من وجهة نظر عربية وبغض النظر عن اعتبارات التفاؤل والتشاؤم فإن عام 2003 كان عام احتلال العراق، وبالضرورة ولأنه كان أيضا عام مقاومة الاحتلال فإن  العام الحالي سيحدد مصير العراق، وبالتالي مصير الوطن العربي والأمة العربية، وبخاصة مستقبل القضية الفلسطينية وحتى مصير الوضع الإقليمي والنظام الدولي.

"
تتجاوز الحرب العدوانية على العراق أهدافها المعلنة إلى تدمير القوة العسكرية للعراق والحفاظ على أمن إسرائيل والسيطرة على نفط العراق ضمن إستراتيجية أوسع ترمي إلى السيطرة على نفط العالم
"
أرادت النخبة الأميركية الحاكمة الإيهام بأن عام 2003 سيكون عام التخلص من الإرهاب وبأن غزو العراق هو نقطة العبور إلى تحقيق تلك الغاية، ومن أجلها أطلقت كل أشباح أسلحة الدمار الشامل التي جالت والتي لم تجل بخيال كتاب روايات الخيال العلمي.

لكن جدول أعمال الإدارة الأميركية الحالية المعلن وغير المعلن أوسع من ذلك بكثير، إذ يشمل إقامة نظام ديمقراطي في العراق يكون حسب تعبير المسؤولين في هذه الإدارة نموذجا تعيد أميركا على أساسه رسم خريطة الشرق الأوسط حسب جدولها المعلن، في حين أن جدول أعمالها غير المعلن هو السيطرة على العراق كموقع إستراتيجي وإقامة قواعد عسكرية فيه، وكذلك السيطرة على نفط العراق، حيث تستكمل بذلك سيطرتها على نفط الخليج العربي كله، بالإضافة إلى سيطرتها بشكل أو بآخر على مناطق إنتاج النفط في وسط آسيا وأفريقيا ليكون النفط ورقة تتحكم بها في علاقاتها مع أوروبا والصين واليابان، وهي مناطق تعتمد اعتمادا كليا على النفط المستورد.

لكن عام 2003 لم يلبث أن تحول إلى عام الخوف، ومن يمكنه أن يتابع بيانات السلطة الأمنية الأميركية عن رفع مستوى التأهب تحسبا لهجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة إلى الذروة ولا يتذكر قول الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت: "ليس هناك ما ينبغى أن نخاف منه سوى الخوف نفسه" وها هو جورج بوش الابن يعكس الآية فيعتبر أن على الأميركيين أن يتسلحوا بالخوف في مواجهة الإرهاب، فهو أثار من الذعر فوق ما تحتمله أعصاب الأميركيين بالرغم من تدريبهم الثقافي المستمر سينمائيا وتليفزيونيا على حياة الرعب.

وعلى غرار أسطورة الملك ميداس الذي أصبح كل شيء يلمسه يتحول إلى ذهب، ولم يدرك إلا متأخرا أن هذه لعنة من الآلهة وليست هبة، أصبح يتحول بين يدي الإمبراطور الأميركي الجديد إلى معضلة، إلى محنة، إلى جحر للثعابين، فتحول العراق من انتصار سريع إلى ورطة كبرى، إلى مستنقع تجد الولايات المتحدة نفسها غارقة فيه، وقبلها تحول الاقتصاد الأميركي نفسه من باب الفائض في ميزانيتها وازدهارها الاقتصادي إلى باب العجز والضائقة، حيث يتوقع أن يتجاوز العجز في الميزانية الأمريكية نحو 600 مليار دولار، كما يتوقع أن يستمر الانخفاض الشديد في سعر الدولار في الأسواق العالمية مقابل العملات الرئيسية مثل اليورو والين.

مستقبل العراق
المستقبل ليس قدرا مفروضا، فهناك مشاهد مختلفة، بعضها أحسن من البعض الآخر، ولكل منها ثمنه ومتطلباته، وتحقيق كل مشهد منها، وبخاصة الأفضل بينها، يتوقف على مدى قدرتنا على دفع الثمن المطلوب ومدى رغبتنا في ذلك.

وتتحدد المشاهد المستقبلية في العراق بمجموعة من العوامل والمحددات أهمها: أن مصير الاحتلال الأميركي الذي يحدد للعراق سيحدد مصير الوطن العربي والقضية الفلسطينية وبعض دول الجوار، والوضع الاقتصادي داخل الولايات المتحدة الأميركية.

فقد استلمت الإدارة الأميركية الحالية الحكم والميزانية الأميركية تنعم بفائض يبلغ نحو 268 مليار دولار، وتعاني الميزانية الأميركية اليوم من عجز مقداره 600 مليار دولار، وانخفض الدولار الأميركي بنسبة 35%، وتعاني دخول الأميركيين من التآكل بسبب تدهور سوق الأسهم والسندات، التي يستثمر فيها 70% من الأميركيين، والكلفة البشرية للاحتلال المتوقع أنها كبيرة وتزيد على الأرقام المعلنة.

"
مصير الوطن العربي والأمة العربية وخاصة مستقبل القضية الفلسطينية وحتى الوضع الإقليمي والنظام الدولي أصبح كله يتوقف على مدى نجاح الولايات المتحدة في الاستمرار في احتلال العراق
"
وعلى ذلك يمكن القول إن المشاهد المستقبلية للعراق ترواح بين انتصار المقاومة وانسحاب الاحتلال بدون شروط، وهذا يعتمد على فاعلية المقاومة، وبين نقل السلطة إلى حكومة مرتبطة بالاحتلال، ولا تملك فعليا استقلالية القرار الوطني مع بقاء الاحتلال من خلال قواعد عسكرية دائمة.

وقد يستمر الاحتلال مهيمنا، وتبقى السلطة القائمة تابعة على نحو مباشر للإدارة والقوات الأميركية في العراق.

هكذا نرى أن المستقبل العراقي يعتمد في جانب منه على العراقيين وفي جانب آخر يعتمد على الأميركيين، وبخاصة الخسائر البشرية والكلفة الاقتصادية.

لقد كسبت الولايات المتحدة المعركة في العراق، لكن هل ستكسب الحرب؟ ليست الإجابة بأن العراقيين سيكسبون الحرب سهلة، لكن اكتسابها سيكون صعبا على أي من الطرفين ومكلفا، ولن يكون سهلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة