التحرر من أميركا   
الأحد 1428/9/11 هـ - الموافق 23/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:24 (مكة المكرمة)، 12:24 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
هذا الكتاب هو صرخة من الكاتب البريطاني المعروف روبرت كورف ضد السياسات التي تتبناها الحكومة الأميركية, سواء الاقتصادية والمالية أو الثقافية والفكرية أو السياسية والبيئية, وتهدف إلى الهيمنة على العالم.

-الكتاب: التحرر من أميركا
-
المؤلف: روبرت كورف
-
المترجم: رشا جمال عباس
-
الناشر: دار السلام, القاهرة
-
الصفحات : 368
-
الطبعة: الأولى 2007

وعبر مقدمة وستة فصول يشرح المؤلف أسباب رفضه لهذه السياسات التي يرى أنها تتنافى مع الديمقراطية الحقة, ويطالب بضرورة وقوف الشعوب في أنحاء المعمورة في مواجهة هذه الهيمنة التي تقف خلف الحروب والدمار والاستغلال والفساد والاستبداد الذي ينتشر الآن في أنحاء العالم بفعل السياسة الأميركية.

رؤية المؤلف واضحة لا تحتمل اللبس, وصارخة لا تقبل أنصاف الحلول, وقوية مدعمة بالأدلة والبراهين والشواهد, على أن كل الشرور تنبع من السياسات الأميركية ومحاولتها فرض الهيمنة على شعوب الأرض, حتى إنه لا يترك مجالاً أمام القارئ للتردد أو التقاعس أو عدم التصديق أو الضعف في مواجهة هذه الهيمنة.

في المقدمة يؤكد المؤلف أن النظام الأميركي ليس ديمقراطياً بالمعنى الصحيح للكلمة, وأنه على الصعيد الاقتصادي مثلا هناك فارق شاسع في الثروة بين الأغنياء والفقراء, وازداد الفقر وغابت العدالة الاجتماعية وارتفع معدل الجريمة.

كما أدى هذا النظام إلى عدم الاستقرار المالي وقوض الإنتاجية تجارياً عن طريق الحاجة إلى الحفاظ على مستوى الأسعار, وبالتالي فإن هذا النوع من الرأسمالية يرى في متطلبات حماية البيئة عبئاً غير محتمل على أنشطتها.

ولهذه الأسباب وغيرها لابد من أن نكافح للإبقاء على الرأسمالية الإنتاجية التي تؤدي إلى خلق الرخاء الاجتماعي بديلاً عن الرخاء غير الاجتماعي الذي صنعته السياسة الاقتصادية الأميركية.

شرور القوة الأميركية
"
مع انهيار حائط برلين لم تضيع الولايات المتحدة أي وقت في تأكيد دورها باعتبارها القوة الوحيدة الباقية للسيطرة على العالم, وبمساعدة أصحاب الفكر والكيان السياسي والصناعي اكتسبت غطرسة مدهشة فيما يتعلق بتوقعات المستقبل
"
يؤكد المؤلف أن شرور القوة التجارية الأميركية تقوض الوحدة الثقافية للدول, وأن كافة المشكلات السياسية الرئيسية التي نواجهها اليوم ترجع مباشرة إلى القوة الشريرة التي تتمتع بها الولايات المتحدة.. هذه القوة هي التي فرضت نظاماً رأسمالياً غير مرغوب فيه على شعوب العالم.

وتحت عنوان "أميركا في مواجهة العالم" يقول في الفصل الأول إنه مع انهيار حائط برلين لم تضيع الولايات المتحدة أي وقت في التأكيد على دورها باعتبارها القوة الوحيدة الباقية للسيطرة على العالم, وبمساعدة أصحاب الفكر والكيان السياسي والصناعي اكتسبت غطرسة مدهشة فيما يتعلق بتوقعات المستقبل, ومنها أن تطور النظرية السياسية قد وصل إلى ذروته.

وقد ساهمت هذه الغطرسة الأميركية في إقدام الولايات المتحدة على استعباد الشعوب والدول, ليس فقط الشعوب والدول الفقيرة والمقهورة وإنما أيضاً أقرب حلفائها, إذ تستعبدهم بأسوأ شكل ممكن, ولا توجد دولة في العالم عوملت باحتقار مماثل للذي تلقته بريطانيا من أميركا في فترة ما بعد الحرب على العراق.

وبينما قدمت الحكومة البريطانية الخدمة تلو الخدمة لأميركا، لم تجن في المقابل ما يزيد على مجموعة من الوعود الجوفاء بالحصول على عقود عمل مجزية لم تدخل أبداً حيز التنفيذ.

ورغم أن بريطانيا ضحت بشبابها في مغامرات أجنبية لا جدوى منها لصالح الولايات المتحدة, فإن الأخيرة فرضت حظراً على استيراد البضائع البريطانية بسبب خلافات تجارية تافهة.

ويدعو المؤلف بريطانيا إلى أخذ زمام المبادرة في صراع العالم للتحرر من أميركا بالنظر إلى خبرتها وتاريخها السياسي وعضويتها في الاتحاد الأوروبي, ومسؤوليتها عن شركائها في أوروبا وكذلك من أجل مستقبل أفضل للعالم.

خداع ديمقراطي
في الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن خداع الديمقراطية الأميركية, ويقول إن إلقاء نظرة متفحصة على النظام السياسي الأميركي وكيف يتم التحكم في الأحزاب السياسية هناك, وكيف يتم وضع نواب الشعب في أماكنهم, إنما تكشف أن أميركا في الواقع هي طبقة من الأغنياء تحكمها حكومة ثرية.

ولا شك في أن الأنظمة الانتخابية في الولايات المتحدة لا تزيد عن كونها حيلة ماكرة لاختيار المرشحين أصحاب المصالح المالية القوية.

"
من الأهمية بمكان شن حركة عالمية ضد أميركا وما تفعله, ومثل هذه الحركة ستستدعي التعاون الصادق والتقارب بين شعوب العالم إذا كان مقدراً لها أن تنجح في تحقيق أهدافها
"
ويشير إلى أن هناك أنظمة ديمقراطية حقيقية يمكن الإقتداء بها مثل: السويد وهولندا وفنلندا وسويسرا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول, دون الحاجة إلى التعامل مع الديمقراطية الأميركية.

ويتساءل المؤلف: لماذا يحظى الأميركيون بكراهية شديدة من الجميع في شتى نواحي حياتهم؟ ويجيب عن تساؤله بالدعوة إلى وضع ورقة بحثية لتحليل وشرح أسباب هذه الكراهية.

ويرى أن هذه الأسباب تؤكد أهمية شن حركة عالمية ضد أميركا وما تفعله, ومثل هذه الحركة ستستدعي التعاون الصادق والتقارب بين شعوب العالم إذا كان مقدراً لها أن تنجح في تحقيق أهدافها.

ويقول إنه من المدهش التفكير في أن أميركا لم تتعلم الدروس من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الرهيبة, والشعب الذي يمتلك عقولاً مصمتة هو فقط الذي يفتقد حسن البصيرة التي تجعله يتساءل عن أسباب مثل هذه الأحداث.

ألم يجل بخاطرهم أن اليأس السياسي الناتج عن الفشل في إحداث تغيير في عالم يكتنفه الظلم والعدوان والطغيان قد قاد بشكل مباشر إلى انهيار مبنى مركز التجارة العالمي؟!

المال هو معيار القيمة
في الفصل الثالث يتحدث المؤلف عن دور الولايات المتحدة في تقويض القيم السياسية والثقافية في العالم, ويتناول الظروف التاريخية والاجتماعية التي أدت إلى ظهور قيم أخلاقية مختلفة لدى المجتمع الأميركي عنه في بقية مجتمعات العالم.

ويشير إلى أن المال معيار القيمة الحقيقى من وجهة النظر الأميركية, بينما تنبع القيم الأساسية في دول العالم الأخرى من ثقافة وتقاليد هذه الشعوب مثل الدين والقيم الجمالية, وقيمة المال تخترق الطبيعة الأخلاقية الأميركية بعمق.

ومن هنا فإن الديمقراطية الأميركية القائمة على الحط من المعايير تتماشى بشكل ملائم مع مبدأ المال كأساس للقيمة. إن القوي والمهيمن في أميركا هو الذي يمتلك القوة المالية, وذلك لأنه لا توجد أية تقاليد أخرى تنشأ من قاعدة المجتمع ويمكنها تحدي القوة الشرسة للدولار.

ويخصص المؤلف الفصل الرابع للحديث عن دور الولايات المتحدة في الحط من شأن القيم الديمقراطية, ويؤكد أن أميركا ليست هى أصل الديمقراطية وأن انتشار المفهوم العكسي لذلك انتشار خاطئ.

"
الديمقراطية الأميركية تخلو من الهدف الاجتماعي الجوهري أو أية أهداف أخرى محددة بوضوح سوى تحقيق الرغبات الهوائية للفرد المنعزل, مع أن الديمقراطية
قوة أخلاقية واجتماعية في إطار تطور البشرية إلى مستوى أعلى من الوجود
"
وأكد أن تأسيس الدولة نفسه لم يكن ديمقراطيا, حتى ممارساتها بعد ذلك, والديمقراطية الأميركية تخلو من الهدف الاجتماعي الجوهري أو أية أهداف أخرى محددة بوضوح سوى تحقيق الرغبات الهوائية للفرد المنعزل.

وهي في هذه النقطة تختلف عن الديمقراطية في أي مكان آخر, ففي أوروبا ودول الشرق الأقصي يتم فهم الديمقراطية على أنها قوة أخلاقية واجتماعية في إطار تطور البشرية إلى مستوى أعلى من الوجود.

أما الانتخابات وآليات الانتخاب فينظر لها فقط على أنها أدوات تحقق هذا الهدف, وليس كما هو الحال في أميركا, حيث يتم اعتبارها أهدافاً في حد ذاتها.

في الفصل الخامس يتحدث المؤلف عن ضرورة الاتفاق على إستراتيجية عالمية من أجل حماية كوكب الأرض والارتقاء بالإنسانية.

ويتناول استهتار أميركا بالمجتمع الدولي خصوصاً في مجال حماية البيئة, وبالتالي فإن مواجهة أميركا واجب أخلاقي لأن سياساتها تمثل تهديداً للولايات المتحدة نفسها مثلما تمثل تهديداً لبقية دول العالم, ويحدد أربعة أسباب لهذه المواجهة:

1- أنها تملك نظاماً اقتصاديا خبيثاً تسبب في تقويض الرأسمالية الاجتماعية في أوروبا والشرق الأقصى.

2- أنها تمثل استعماراً سياسياً وعسكريا يقوض وحدة وتكامل معظم دول العالم الثالث, ويمنع تكوين حكومات قوية.

3- أنها تمثل الهيمنة الثقافية على الشعوب والدول في شتى أنحاء العالم, وينتج عنه التقليل من شأن القيم التي تساهم في تقدم البشرية.

4- أنها ترفض الاعتراف بوجود تهديدات بيئية يتعرض لها كوكب الأرض, أو اتخاذ إجراءات لتوليد الطاقة بعيداً عن التلوث.

أسباب الإرهاب
"
ما فعلته الحرب الأميركية غير المبررة على العراق أنها أضافت مزيداً من الوقود إلى اللهيب الأصولي المضطرم, ليس على مستوى الدول العربية ولكن على مستوى العالم الإسلامي كله
"
في الفصل السادس والأخير يحاول المؤلف تفنيد أسباب الإرهاب, وأولها كما يراها هو الظلم السياسي, ويشير إلى أن حرب جورج بوش ضد العراق كانت محاولة يائسة للبحث عن ضحية الانتقام بأي وسيلة, ونتج عن الحرب تدمير الدولة العلمانية الوحيدة في العالم العربي.

وكل ما فعلته الحرب الأميركية غير المبررة على العراق, أنها أضافت مزيداً من الوقود إلى اللهيب الأصولي المضطرم, ليس على مستوى الدول العربية ولكن على مستوى العالم الإسلامي كله.

ويطالب المؤلف التجمعات اليهودية في شتي أنحاء العالم بمقاومة الأذى الذي تلحقه بهم الدبلوماسية الأميركية, كما يدعو إلى إزالة أسباب التنافر بين الحضارتين الإسلامية والغربية من خلال الحوار والتفاهم, ومن خلال عقد مؤتمر إصلاحي دولي يناقش قضايا التنافر وصولاً إلى مرحلة التفاهم, ويؤكد أن التحاور مع العالم الإسلامي أمر حتمي من أجل تحقيق السلام العالمي.

ولا ينسى أن يؤكد في ثنايا الكتاب أنه لا يتحرك ضد السياسة الأميركية وما تمثله بدافع عنصري, وأنه ليس ضد الأميركان بوصفهم أميركان.

وقبل أن ينهي كتابه يقدم مسودة مقترحة لإنشاء منظمة تحت اسم التحرر العالمي من أميركا, يحدد فيها الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي على أساسها تقوم هذه المنظمة, سعياً للتحرر من الهيمنة الأميركية. بل إنه يقدم مسودة لمقترحات بيان يصدر عن هذه المنظمة, ويتحدث عن دورها وأهدافها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة