الربيع الأردني   
الخميس 24/2/1435 هـ - الموافق 26/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)

عرض/أحمد محمود التلاوي
يعتبر الأردن تجربة فريدة من نوعها في تجارب ثورات الربيع العربي، ولكنها لم تأخذ حظها الكامل من البحث والتحليل باعتبار أنها لم تكتمل، ولم تأخذ الشكل المثالي الذي أخذته الثورة الشعبية في دول مثل مصر وتونس وسوريا.

وبين أيدينا كتاب وضعه المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين في الأردن الدكتور سالم الفلاحات، وتقديم الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسية للإخوان المسلمين في الأردن الدكتور حمزة منصور يتناول فيه قصة الربيع الأردني الذي لم يكتمل.

- العنوان: الربيع الأردني خلال عامي 2011 و2012  المؤلف: سالم الفلاحات
- عدد الصفحات: 608
- الناشر: دار المأمون
   للنشر والتوزيع/
عمَّان
- الطبعة: الأولى 2013

الكتاب من جزأين، الأول يقع في 307 صفحات، والثاني في ثلاثمائة صفحة، وجاء الجزآن في أربعة عشر فصلا، تناول الجزء الأول -الذي جاء في سبعة فصول- إرهاصات ومقدمات المطالبة بالإصلاح منذ انتفاضة أبريل/نيسان عام 1989، مرورا بوثيقة الإصلاح عام 2005، والمبادرة الملكية الدستورية في حينه.

أما الجزء الثاني -والذي يبدأ من الفصل الثامن- فتناول تطورات الحدث الأردني في العامين الأخيرين، وأبرز الحراكات الإصلاحية الشعبية التي ظهرت، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، مع تنبؤاته حول المشهد المستقبلي للمملكة الأردنية الهاشمية.

وأول ملاحظة بارزة على الكتاب أنه أوصل رسالة سياسية شديدة الأهمية، مفادها بأن الحراك السياسي والمجتمعي الإصلاحي في الأردن ليس وليد اليوم، ولم يبدأ مع إرهاصات الربيع العربي الحالي- مهما كانت النكوصات عليه- وإنما له جذور تاريخية بعيدة نسبيا تعود إلى نحو ثلاثة عقود، وتحديدا ثمانينيات القرن الماضي.

الملاحظة الثانية المهمة -التي يحتوي عليها الكتاب ويؤكد عليها- هي أن الحركة الإسلامية في الأردن هي التي قامت بالجهد الأكبر والأكثر تأثيرا في الحراك الإصلاحي العام في الأردن.

ولم يقتصر الفلاحات في حديثه عن الحركة الإسلامية في الأردن على الإخوان المسلمين وذراعهم السياسية والحزبية، حزب جبهة العمل الإسلامي، حيث إنه دمج في حديثه عن الأطراف الإسلامية التي قادت الحِراك الإصلاحي في الأردن السلفية الجهادية التي قال إن هناك العديد من الأدوار المؤثرة التي لعبتها، خصوصا خلال أحداث العامين اللذين تناولهما الكتاب.

ولكن الفلاحات، وهو يرصد جهد الحركة الإسلامية في هذا الإطار، أكد- أيضا- الطابع الشعبي للحراك الإصلاحي في الأردن، وكان حريصا على توصيف أي مناشط وتحركات حدثت في هذا الإطار بالسياسية والمجتمعية، وليس السياسية فقط، وأن يضع الشعب الأردني على رأس الأطراف التي تحركت من أجل تحقيق الإصلاح السياسي والمجتمعي والاقتصادي في البلاد.
الحراك السياسي والمجتمعي الإصلاحي في الأردن ليس وليد اليوم، ولم يبدأ مع إرهاصات الربيع العربي الحالي- مهما كانت النكوصات عليه- وإنما له جذور تاريخية بعيدة نسبيا تعود إلى نحو ثلاثة عقود، وتحديدا في ثمانينيات القرن الماضي

ويقول الفلاحات في مقدمة الكتاب ملخصا الهدف الأساسي لإخراجه كتابه هذا "أردت أن أوثق بعض الجهد الكريم والتضحيات النظيفة والتحولات الداخلية الواضحة لأستودع الأجيال تجربة شعبية خلال عامين فريدة من نوعها تستحق التدوين والتوثيق والتأمل والدراسة".

ويقول أيضا في هذا الإطار "رصدت تطور الشعب الأردني في مسيرته الإصلاحية، والذي لم يعتد المعارضة الخشنة والمطالب الكبيرة الصريحة والجذرية، وإذا به ينتقل بسرعة من مطالبه المعيشية المحدودة إلى المطالب الوطنية العامة، وإذا بخطابه يتوحد على الأهداف الكبرى وعلى سياسته في التعامل مع الآخر، حيث التزم المنهج السلمي".

حراك شامل
وتعتبر الفصول من الرابع وحتى السادس من الكتاب الأهم في هذا السياق، حيث تناول فيها جهود مختلف الأطراف الحزبية والسياسية والشعبية في الأردن خلال سنوات الأمل الأخيرة -كما يسميها المؤلف- فيرصد في الفصل الرابع كيف تم تشكيل اللجان والتجمعات الرئيسية التي قادت الحراك السياسي والجماهيري في الشارع، مطالبة بالإصلاح، وأدوار كل منها.

وركز في هذا الإطار على دور اللجنة المركزية للإصلاح في الحركة الإسلامية التي تم تشكيلها في وقت مبكر نسبيا من الأحداث في الأردن، وتحديدا في التاسع من أبريل/نيسان 2011، ثم تشكيل الجبهة الوطنية للإصلاح، والتجمع الشعبي للإصلاح.

ثم انتقل الفصل الخامس للحديث عن مشاركة مختلف الشرائح الشعبية وألوان الطيف المجتمعي بالأردن في العملية الإصلاحية، بما في ذلك العشائر الكبيرة، مثل الحويطات والفلسطينيين والأردنيين من أصل فلسطيني، وشخصيات عامة، ومن بينها وزراء سابقون في حكومات أردنية، ومن بينهم محمد خير مامسر.

أما الفصل السادس فقدم فيه ثبتا مهما لأبرز الملتقيات الشعبية الكبرى التي أيدت عملية كبرى للإصلاح الشامل، السياسي والاقتصادي والمجتمعي في الأردن، ولم تقتصر هذه الملتقيات على الأطر التقليدية، مثل الأحزاب والنقابات والروابط المهنية، وإنما امتدت لتشمل أطرا اجتماعية تعبر عن اتساع نطاق المطالب الإصلاحية داخل الأردن، مثل الروابط والتجمعات العشائرية.

ويلاحظ أن مما ذكره الكاتب في هذا الأمر أن رسالة الإصلاح في المجتمع الأردني كانت ولا تزال ذات عمق مجتمعي، حيث هناك عدد كبير من الروابط والحراكات المحلية التي تم تأسيسها من جانب الشرائح الشبابية وتلك القادرة على الحركة، في عدد من المدن والأحياء، إضافة إلى المخيمات الفلسطينية.

وقدم الفلاحات في الإطار رصدا دقيقا وشاملا لأبرز الفعاليات التي قامت بها تلك الأطر، وتنوعت  بين المظاهرات والمؤتمرات الجماهيرية، إضافة إلى إصدار بيانات تحوي مطالب الحركة الإصلاحية في الأردن.

وتنوعت هذه المطالب نوعيا بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي وما هو مجتمعي، وتنوعت كذلك في شموليتها، ما بين مطالب عامة، ومطالب فئوية خاصة.

ومن بين أبرز المطالب -التي طرحتها الحركة الإصلاحية الأردنية- مطالب الإصلاح السياسي العامة، مثل القضاء على الفساد، وإطلاق الحريات بشكل أفضل، وتوسيع نطاق المشاركة السياسية وفي عملية صنع القرار لمختلف ألوان الطيف السياسي والمجتمعي، واستعادة أموال الدولة المنهوبة.

في إطار الشرعية
ولكن كان من الملاحظ أن هذه المطالب كان يتم طرحها في الأردن، حتى من جانب أكثر الأطراف تشبثا بها، في إطار الشرعية أو النظام الملكي القائم، وليس في إطار نظام آخر، ومختلف الأطراف على علم بأن المطالبة بتغيير النظام بشكل كامل في الأردن، وتحويله إلى صورة أخرى سوف يستجلبان عداء الكثير من الأطراف الداخلية المؤيدة بشكل تقليدي للنظام الملكي القائم.

كما سيثير ذلك قلق، ومن ثم عداء الكثير من الأطراف التي لها مصالح سياسية وأمنية مع النظام الأردني الحالي، سواء أكانت إقليمية، مثل إسرائيل، أو دولية، وعلى رأسها التحالف الأنغلو أميركي، حيث تهتم لندن وواشنطن بشكل خاص ببقاء النظام الملكي الهاشمي الحالي في الأردن.

تعرضت حراكات الأردن لممانعة من النظام ومن القوى المؤيدة له، فتم اعتقال عدد كبير من الرموز الإصلاحية، ووصلت الأمور في كثير من مراحلها إلى مستوى الصدام بين الدولة والمجتمع، ولكن ذلك لم يؤدِ للتقليل من الجمهور لمطالبه، حتى وإن بدا أن الحراك الشعبي قد ضعُف في الشارع

ولعل اتساع النطاق الجغرافي والمجتمعي للمطالب الإصلاحية في الأردن أدى إلى توسع كبير في نوعية المطالب، وكذلك درجة فئويتها، حيث شملت بعضها إصلاح أوضاع مخيمات اللجوء في الأردن، وإصلاح قانون التجنيس المعمول به في البلاد، وإصلاح حال الجامعات، وتبني سياسة إعلامية أكثر انفتاحا على الآخر السياسي والمجتمعي في الأردن.

ومع تركيز الكتاب- على تطوافه التاريخي المطول- على فترة عامي الربيع الأردني، فقد تناول كيف تعاملت الحكومات الأردنية التي تعاقبت سريعا في تلكم الفترة، ووقت وقوع الأحداث كانت هناك حكومة معروف البخيت التي تلقت الموجة الأولى من الاحتجاجات، ثم استقالت في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2011، وتلتها حكومة عون الخصاونة التي حاولت التعامل بشكل مختلف مع الاحتجاجات المجتمعية في البلاد، ولذلك كان هناك تقدير خاص لها في المناقشة من جانب الفلاحات في الكتاب.

ولكن حكومة الخصاونة لم تستمر طويلا، إذ استقالت في السادس والعشرين من أبريل/نيسان 2012، وخلفتها حكومة فايز الطراونة التي بقيت في مكانها بضعة أشهر أخرى فلم تستقر طويلا، حتى تم تكليف رئيس الوزراء الحالي عبد الله النسور مرتين بتشكيل الحكومة، في ظل حالة من عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي في البلاد.

وبطبيعة الحال، تعرضت الحراكات التي قامت بها مختلف هذه الأطر إلى ممانعة، سواء من جانب النظام الحاكم وأجهزته، أو من جانب القوى المؤيدة له في المجتمع الأردني، حيث تم اعتقال عدد كبير من الرموز الإصلاحية، ووصلت الأمور في كثير من مراحلها إلى مستوى الصدام بين الدولة والمجتمع، ولكن لم يؤدِ ذلك إلى التقليل من حماسة الجمهور العام في الأردن لمطالبه، حتى وإن بدا أن الحراك الشعبي قد ضعُف في الشارع.

وفي الأخير، يشار إلى أن تجربة الربيع الأردني أحد أهم الحراكات الإصلاحية التي ظهرت في التاريخ السياسي العربي المعاصر تستحق أكثر من تجربة توثيقية شاملة مثل هذا الكتاب.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة