فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي   
الأربعاء 1426/7/5 هـ - الموافق 10/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:57 (مكة المكرمة)، 9:57 (غرينتش)

عرض/يسري مصطفى

في الأوقات العصيبة، حيث يأتي الموت وتذهب الحياة، وحيث يحاصرنا العنف من كل صوب وحدب، وحيث يدفع الأبرياء في كل مكان ثمن فوضى حضارتنا المعاصرة، وفاتورة الحروب والعداوات، وحيث باتت مقاومة السلطة أو المحتل مجرد صورة أخرى ربما أكثر تشوها من ممارسات السلطة والمحتل، إذ غدت المقاومات تستهدف الضحايا عوضاً عن أن تستهدف الجناة.

 

-عنوان الكتاب: فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي، الثقافة والدولة

- المؤلف: الدكتور عبد الحسين شعبان

- الناشر: دار النهار، بيروت

- الطبعة الأولى، مايو/أيار 2005

في مثل هذه الأوقات يخرج علينا الكاتب والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان بكتابه الجديد  "فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي" الصادر حديثا عن دار النهار.

 

ولهذا الكتاب ميزتان أولهما أنه عمل فكري يلتزم فيه الكاتب بقواعد البحث العملي وحيادية المعالجة، وأخلاقيات النقد. والكتاب من ناحية أخرى صرخة ضميرية وكأن الكاتب يبتغى من خلاله مناشدة الضمير الإنساني أينما كان ويطالبه بالعودة عن طريق العنف واقتفاء أثر التسامح الكائن في جوهر الثقافات والحضارات. وهو رسالة تضفى قيمة على الاختلاف.

 

فليس قدرا أن يكون الاحتراب صنو الاختلاف، فالكاتب يرى أن في الاختلاف رحمة ومنه "ينبجس المعنى وتختلق الدلالة". ومع انبجاس المعنى وخلق الدلالة يكون الإبداع وتكون التنمية ويكون السلام.

 

"
مبدأ التسامح وفكرة التعايش يعنيان تجاوز سبل الانقسام الذي يقوم على أساس الدم أو الرابطة القومية أو الدين أو الطائفة أو العشيرة أو غيرها من الناحيتين النظرية والأخلاقية
"
وحدة المشترك الإنساني

يبدأ كتاب "فقه التسامح" بمقدمة رشيقة وقيمة للمطران جورج خضر، هي في حقيقتها رسالة من أجل التسامح والاعتراف بقيمة الآخر المختلف، وقد وجدت تعبيرها في الاعتراف بقيمة الكاتب والكتاب، حيث يقول المطران خضر: "وفى احتسابي أن وحدة هذه الأطروحة قائمة على أن قيمة التسامح التي أبرزها الإنسان المعاصر في فلسفة حقوق الإنسان وشرعتها، لها ركائز متينة في الفكر التوحيدي، وفضل الكاتب أنه مسح الغبار الذي رماه التاريخ السيئ على الأديان أو رمته القراءة الناقصة أو الجاهلة على النصوص".

 

تمسك كلمات المطران خضر بجوهر فكرة الكتاب، تلك الفكرة التي تنطلق من فرضية أساسية هى وحدة المشترك الإنساني بغض النظر عن التباينات الفكرية والأيديولوجية والإنسانية. وهذه الفكرة المحورية قد تصبح موضع جدل بين أطراف عدة علمانية كانت أم دينية.

 

وفى كل الأحول فإن الجدل الذي يثيره مثل هذا الكتاب يشكل قيمة في حد ذاته، لأنه يرتبط بآلام راهنة ومخاطر لاحقة. وبالتالي فنحن في أمس الحاجة إلى جدل كهذا بشرط أن يرتكز على ما ينادي به الكتاب بشأن أخلاقيات الحوار وأدب الاختلاف.

 

وفى مسار البحث والتنقيب عن مفهوم التسامح، يغطي هذا الكتاب حيزا واسعا من الأفكار والآراء والاتجاهات في رحلة تحليلية نقدية للأديان التوحيدية. وينتقل الكاتب محللا وناقدا من الفكر الغربي قديمه وحديثه إلى الفكر العربي قديمه وحديثه مروراً بالمواثيق الدولية. وفى هذا كله يتتبع أصول فكرة التسامح ودلالاتها.

 

وانطلاقاً من مبدأ "وحدة المشترك الإنساني" يعرف الكتاب فكرة التسامح ببساطة، فيقول "إن فكرة التسامح تعني القدرة على تحمل الرأي الآخر، والصبر على أشياء لا يحبها الإنسان ولا يرغب فيها، بل يعدها أحياناً مناقضة لمنظومته الفكرية والأخلاقية، ذلك أن قبول مبدأ التسامح وفكرة التعايش يعني تجاوز سبل الانقسام الذي يقوم على أساس الدم أو الرابطة القومية أو الدين أو الطائفة أو العشيرة أو غيرها من الناحيتين النظرية والأخلاقية على أقل تقدير".

 

ويرى الكاتب "أن مبدأ التسامح يتخذ منابع متعددة دينية وسياسية وقانونية وعرقية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وفلسفية". وفى كل هذه المجالات يسعى الكاتب إلى اقتفاء أثر مفهوم التسامح.

 

"
غياب التسامح لا يؤثر فقط على الحياة العامة للبشر بل إنه يمتد إلى الحياة الشخصية ليقف حائلا أمام الشريك والزوج والأهل
"
غياب التسامح يعني التطرف

وإذا كانت فكرة التسامح بسيطة وشفافة في حضورها، فإنها كارثية وقاتلة في غيابها. يقول الكاتب "إن غياب التسامح يعنى انتشار ظاهرة التعصب والعنف وسيادة عقلية التحريم والتجريم في السلطة وخارجها من قبل جماعات التطرف والتشدد أو ما اصطلح على تسميته بالأصولية، سواء على الصعيد الفكري أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو ما يتعلق بنمط الحياة".

 

فغياب التسامح لا يؤثر فقط على الحياة العامة للبشر "بل إنه يمتد إلى الحياة الشخصية ليقف حائلا أمام الشريك والزوج والأهل".

 

وفى حين يقدم الكاتب فكرة المشترك الإنساني بوصفها حاضنة لمجموعة من القيم الإنسانية الموجودة في جوهر كل الأديان والحضارات والمدارس الفكرية، فإنه على صعيد الممارسة يرى أن كل الحضارات ليست بريئة من خرق قيم المشترك الإنساني وفى مقدمتها قيم التسامح ومناهضة العنصرية.

 

فنجده ينتقد الجمود الذي حاق بالفكر الإسلامي وتوظيف الإسلام طبقيا وسياسيا، كما ينتقد بالمقابل نزعة العداء للإسلام السائدة في الغرب وظاهرة الإسلاموفوبيا وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

 

فمن ناحية أولى ينتقد الكاتب ما يصفه بـ"محاولات بعض المفسرين والمؤولين تطويع أحكام الإسلام بطريقة مؤدلجة تماشيا مع القيم السائدة وخدمة للطبقات الحاكمة وبعض الأفكار المتعصبة والمنغلقة".

 

ويرى الدكتور شعبان أن هذه التنظيرات ساهمت "في كبح جماح العقل وتحويل بعض تعاليم الإسلام إلى مجرد "تعاويذ". ونتيجة لهذا الوضع الذي هو وليد التاريخ ومجازفات السياسية، يدعونا الكاتب إلى الإقرار "بأن الوضع الذي نعيشه في العالم العربي والإسلامي، يعتبر من أكثر الأوضاع قسوة على الصعيد العالمي إزاء قضايا التسامح واحترام حقوق الإنسان".

 

ومن ناحية ثانية، يتوجه الكاتب بالنقد للفكر الغربي ليقدم للقارئ رؤيته لأزمة هذا الفكر إزاء قضايا التسامح واحترام الآخر خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

 

"
المشكلة الفعلية لدى الغربيين، وبخاصة لدى السياسة الغربية السائدة، ليست هي الأصولية الإسلامية وأعمال التطرف، بقدر ما هي الإسلام ذاته، والشعوب الإسلامية باعتبارها هدفا تريد تلك السياسة إخضاعه خدمة لمصالحها
"
انتهازية الغرب ضد الإسلام

ولعل الفكرة المحورية التي يؤسس عليها الكاتب نقد الفكر الغربي تتمثل في التعامل السياسي الغربي بطريقة برغماتية انتهازية مع الإسلام. فقد ساهمت الدول الغربية مساهمة لا يمكن لأحد أن ينكرها في دعم التيارات الأصولية بل والجهادية عندما كان توظيف هذه الاتجاهات يحقق مصالح الغرب، ولكنها انقلبت عليها عندما باتت هذه الأصوليات تهدد مصالح الدول الغربية.

 

وربما يكون هذا ما دفع الكاتب إلى القول: "إن المشكلة الفعلية لدى بعض المفكرين الغربيين، وبخاصة لدى السياسة الغربية السائدة، ليست هي "الأصولية الإسلامية" وأعمال التطرف والتعصب بقدر ما هي الإسلام ذاته كدين وتعاليم، والبلدان الإسلامية كشعوب وأمم تريد تلك السياسة الغربية إخضاعها خدمة لمصالحها وتنفيذا لأهدافها وخططها".

 

وفى الوقت الذي يتضمن فيه الكتاب مثل هذا النقد اللاذع فإنه في حقيقة الأمر لا ينحاز لفصيل ضد الآخر، بل وانطلاقا من تحليل موسع للرؤى والأفكار لدى كل طرف وكل حضارة، يكشف لنا الكاتب أن كل حضارة قد خانت مبادئها قبل أن تخون الآخر.

 

والحل فى رأيه يتمثل في الحوار، ولكن لن يكون هناك حوار إيجابي وفعال ما لم يبدأ كل طرف عملية فعلية لنقد الذات ولموقفه من الآخر. والأمر لا يتعلق برغبة رومانسية في التواصل وإنما بالتزام وضرورة.

 

فهو التزام حيث بات التسامح ركنا أساسيا من أركان القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وهو ضرورة انطلاقا من كون التسامح ضرورة للتعايش، أو كما يقول غاندي "لا أحب التسامح ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عما أقصده".

 

قد يجد القارئ في هذا الكتاب نزعة مثالية بشأن المطالبة بإعلاء قيمة التسامح واحترام الآخر والإقرار بالتعددية والاختلاف، ولكن القارئ سوف يجد أن هذه النزعة المثالية ترتكز على  نقد علمي للخلل الكائن في الحضارة المعاصرة شرقيها وغربيها.

 

وقد يختلف البعض أو يتفق مع هذا التحليل أو ذاك، ولكن لن يختلف اثنان على دعوة الكاتب إلى أن نعيد النظر، ونحكم العقل. فإذا لم نفعل ذلك فلن يكون لدينا خيار سوى العنف والموت غير المبرر بسبب تحكم المصالح الأنانية الضيقة الفكرية والاقتصادية والسياسية التي لا تنتج سوى الجهل والجهالة والتعصب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة