الإستراتيجية الغائبة لبناء مصر الصناعية   
الأربعاء 1432/4/4 هـ - الموافق 9/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 21:30 (مكة المكرمة)، 18:30 (غرينتش)

عرض/ مصطفى فؤاد

تبدو هذه الدراسة كأنها استشراف علمي طموح للمستقبل المنظور استنادًا إلى إرهاصات المخاض المصري التي قد تشي بعصر جديد، وهو ما دفع الخبير الهندسي محمد عبد الوهاب إلى وضع هذا الكتاب بين يدي القراء تحت عنوان "الإستراتيجية الغائبة لبناء مصر الصناعية"، ليكون أمام النظام الجديد خريطة معرفية إدراكية للمشروع القومي بتصنيع مصر وإنجازه وفق معايير اقتصاد المعرفة، باعتبار أنه لا بديل عن الانضمام إلى عالم الدول الصناعية لتحقيق تقدم مصر الاقتصادي والاجتماعي، وحماية أمنها القومي والإنساني، واستعادة دورها التاريخي.

في البداية، وضع المؤلف الدكتور المهندس محمد عبد الوهاب إسماعيل قاعدة لبناء النهضة المأمولة، ترتكز على بناء الإنسان المصري وتأهيله تعليميًا بما يتناسب مع العصر، والحفاظ على حريته وكرامته.

-الكتاب: الإستراتيجية الغائبة لبناء مصر الصناعية
-المؤلف: دكتور مهندس/ محمد عبد الوهاب إسماعيل
-عدد الصفحات: 207
-الناشر: مكتبة مدبولي، القاهرة
-الطبعة: الأولى 2011

 
 
الصين وكوريا
ورصد بعض التجارب التنموية في عالمنا المعاصر والتي سبقتها التجربة المصرية بسنوات طويلة للأسف، كتجربة الصين وكوريا الجنوبية وسويسرا، ووضع يده على عوامل نجاحها المتمثل في تعميم الديمقراطية الحقيقية على كل سبل الحياة، واتباع مبدأ الحزم لمنع انتشار الفساد، وفرض الشفافية والدقة اللازمة لبناء الصناعة.

واستشهد ببعض الأرقام التي تحققت هناك والتي قد تصيب المرء بالدوار حسب تعبيره، فنتائج التقدم الإنتاجي للصين تصرح بأنها تملك أكثر من 1.5 تريليون دولار من الاحتياطي عام 2006، واستطاعت رفع الناتج القومي للفرد من 200 إلى 2360 دولارا عام 2007.

وكذلك كوريا الجنوبية لها قرابة خمسين شركة صناعية عملاقة من بين الشركات الـ2000 العملاقة على مستوى العالم، وشركة واحدة منها كشركة سامسونغ للصناعات الإلكترونية بلغت مبيعاتها 115.66 مليار دولار عام 2006، أي ما يقارب الناتج القومي لمصر عام 2007 وهو 119.40 مليار دولار!!

وبالمقارنة مع "الجارة غير العزيزة إسرائيل"، فإن الناتج القومي للفرد فيها يفوق مثيله في مصر بـ14 مرة، وبالطبع ليس بسبب المصريين أنفسهم، ولكن بسبب فشل الحكومات المصرية المتعاقبة في استغلال كفاءاتهم، سواءً العلمية أو المهارية لبناء مصر الصناعية العظيمة، حسب ما يرى المؤلف.

تراجع مصر
وقد عدد المؤلف الأسباب الداخلية وراء تراجع مصر في الصناعة والإنتاج والتقدم في العهد الناصري (1952-1970)، ولخصها في:

- الإخفاق في بناء الشخصية المصرية لتكون خليفة الله في الأرض، والتي تتمتع بالكرامة الإنسانية.
- الإخفاق في بناء دولة المؤسسات.
- الإخفاق في بناء جيش قوي يعتمد على الكفاءات المحترفة لحماية الوطن.
- الإخفاق في بناء جبهة وطنية ملتحمة بالجيش، بعد أعمال التأميمات والحراسات وفتح السجون على مصراعيها.
- الإخفاق في إجراء تعديلات جذرية للارتفاع بمستويات التعليم، باعتباره الركيزة الأساسية لبناء أية أمة.
- الإخفاق في بناء قاعدة علمية تكتيكية قادرة على البحث والتطوير لدراسة حاجات البلاد الصناعية، وتناسي بناء جامعات مرتبطة بالصناعة لحل مشكلاتها وتخريج المهندسين اللازمين لبناء الصناعة المصرية والنهوض بها.

"
إنتاجية العامل الألماني في صناعة الغزل تعادل نحو 12.4 ضعفًا إنتاجية مثيله المصري، وصادرات المصانع الألمانية تفوق بـ15 ضعفًا صادرات مصر من الأقطان والغزل والملابس الجاهزة مجتمعة
"
واستمرت سياسات النظام الناصري في العهود اللاحقة مع إجراء تحويرات بسيطة، وضرب مثالاً لهذه السياسات الفاشلة بأكبر شركة مصرية للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، والتي كانت قبل التأميم مثالاً للنجاح في الإنتاج العالي الجودة والقادر على المنافسة السوقية عند التصدير. وبعد التأميم تراكمت الخسائر والكساد وعدم القدرة على المنافسة العالمية، والتي انعكست على عدم القدرة على التوسع، بل وإفقار العمال بمرتبات هزيلة لا تتناسب مع المرتبات العالية في صناعات الغزل والنسيج بالدول المتقدمة.

وفي دراسة نشرت مؤخرًا بيّنت أن إنتاجية العامل في صناعة الغزل بألمانيا كانت تفوق إنتاجية العامل المصري بنحو 12.4 مرة، وصادرات المصانع الألمانية تفوق بنحو 15 مرة صادرات مصر من الأقطان والغزل والملابس الجاهزة مجتمعة!

قاطرة التقدم
مقارنة إحصائية استرشادية بما فعلته الصين وكوريا الجنوبية توضح أن النتائج كانت تصب في خانة التقدم، أما ما فعلته مصر في هذا الشأن فكانت محصلته كارثية، فالقيادتان الصينية والكورية بدأتا بدفع أكثر الأشخاص تخصصًا في تفهم الاحتياجات لإحداث التقدم التصنيعي من كل النواحي، بدءًا بتحديد الأهداف وانتهاءً بالارتفاع بجودة الإنتاج وتكثيفه بغرض التصدير والقدرة على المنافسة السوقية العالمية.

وكانت أكبر اهتماماتهم: دعم الأبحاث الهندسية وتطويرها بكل حاجياتها المالية والتنظيمية والإدارية لخدمة الصناعة باعتبار أن العلماء المهندسين والتقنيين يشكلون القاطرة الحقيقية لأي تقدم صناعي. وبهذا الخصوص تقول الإحصاءات المعلنة عن الصين إن القفزة الهائلة التي قامت بها لدعم الأبحاث الهندسية وتطويرها ارتفعت من 18.4 مليار دولار عام 1995 إلى 136.3 مليارا عام 2006، بزيادة تراكمية سنوية قدرها 19%، وهذا ما يوازي 1.4% من جملة الناتج القومي للصين في هذا العام.

كما بلغ عدد من حصلوا على درجة الدكتوراه في الهندسة بين عامي 1995 و2003 بلغ 6573 باحثًا، بينما كانت أعدادهم في الولايات المتحدة في ذات الفترة 5265 فقط، وهذا ما انعكس بدوره على صادرات الصين عام 2006 لتكون الدولة الأولى المصدرة عالميًا.

والحال لا يختلف في كوريا الجنوبية التي كانت مصر تتفوق عليها ثلاثة أضعاف عام 1961، فما الحال الآن؟ رجوعًا إلى أعداد الملتحقين بالجامعات نجد أنها قفزت بأعدادهم نسبة إلى نظرائهم في مصر عام 1965، وكانت 56.5% إلى 237% عام 1995. أما نسبة أعداد الطلبة الملتحقين بالتعليم الهندسي في كوريا الجنوبية إلى نظرائهم بمصر، فكانت 119% عام 1965، وارتفعت إلى 457.5% عام 1995.

ومن تحليل منحنيات درجات الدكتوراه في الهندسة الممنوحة في كوريا، نلاحظ زيادة سريعة بلغت عام 2000 إلى 1800 درجة دكتوراه لتقترب من أعداد الدكتوراه التي تمنحها جامعات بريطانيا العظمى. كما نلاحظ أن إجمالي ما صرفته عام 2004م على استثمارات كوريا في الأبحاث والتنمية بلغ 19 مليار دولار، بنسبة 2.85% من إجمالي الناتج المحلي بمعدل يقارب 400 دولار للفرد.

ويتساءل المؤلف مرة ثانية: على من تقع المسؤولية في بقاء مصر عاجزة عن ولوج التقدم والخروج من دائرة التخلف؟

"
يحدد المؤلف ست مصطبات يؤدي اجتيازها والنجاح في بنائها إلى بناء الدولة الصناعية القوية التي يحلم بها كل مصري، كما يؤدي الفشل في بنائها إلى استمرار مصر دولة فقيرة متخلفة تزداد انتكاسة وتراجعًا إلى الوراء
"
هرم التقدم لبناء مصر الصناعية

وبناءً على قراءة المؤلف لكتاب "بناء التقدم والثروة" للدكتور الأميركي ليستر ثورو الذي تحدث عن الأسس الواجب على الشعوب اتباعها للوصول إلى قمة النجاح وزيادة الإنتاج والثروة في مجتمع اقتصادي يعتمد على العلم والتقنية، شبّه هذه الأسس بأهرام لها قاعدة تستند إليها الأجزاء الأعلى للهرم، بحيث يؤدي انهيار إحداها إلى انهيار كل ما فوقها.

وعبّر عن محتويات قاعدة هرم التقدم بما يلي:
1- التنظيم والاستقرار الاجتماعي من حيث البيئة الصالحة لبناء المجتمع من حيث الأمن والأمان الذي يعيش فيه الفرد، ورعاية الدولة للفرد صحيًا واجتماعيًا من تعليم جيد واحترام الفرد للقضاء والشعور بهيبته واستقلاله، ويمثل "قانون الطوارئ" في الحالة المصرية خطورة على تقدم المجتمع وفيتو على استقراره المجتمعي.

2- بناء الأشخاص والتجمعات المثقفة من ممتلكي القدرة على اقتحام وبناء المشروعات، وتعني اهتمام الدولة ببناء الأشخاص والتجمعات المفكرة التي تمتلك الجرأة على اقتحام وإنشاء المشروعات الطموحة لخلق فرص العمل، وهذه الفئة يقتلها الفساد والاستبداد.

3- ترسيخ المعرفة والارتقاء بها، والمعرفة هنا بشطريها النظري والتقني، أي اللازمة لخلق الصناعات المفيدة للإنسان على ضوء الخبرات المتراكمة على مر السنين.

4- تنمية المهارات الصناعية، أي الارتفاع بمستوى المهارات الفنية للعمالة المدربة نظريًا وعمليًا على مدى السنين ووضع مستويات قياسية لها ليتحقق التصنيع عالي الجودة والقادر على المنافسة العالمية.

5- الموارد الطبيعية والبيئية، وتعني وجود الأجهزة والمعدات والمنشآت اللازمة للإنتاج، كإقامة الطرق وتعبيدها ومد السكك الحديدية وغيرها.

6- الموارد الطبيعية والبيئية، إذ تشير بقوة إلى أهم الأهداف التصنيعية التي ينبغي الأخذ بها لإقامة النوعية المطلوبة من الصناعات المتخصصة، كاستغلال الموارد الطبيعية (ماء، بترول، الموقع)، والاستفادة من إعداد المتعلمين تعليمًا عاليًا والمؤهلين بدرجات عالية من الجامعات الصناعية.

ويشير المؤلف إلى إحدى الإحصائيات المنشورة عن الحالة المصرية، وعلى لسان رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشورى والذي يقول إن مصر تمتلك 115 ألفا من العلماء والعلميين العاملين بالجامعات ومراكز الأبحاث، مما يؤهلها لأن تكون الدولة رقم 13 على مستوى العالم من حيث عدد العلماء.

ونتساءل والغصة لا تبارح حلوقنا: هل استفادت مصر من هذا العدد الكبير من الكفاءات؟ وما بصمة هؤلاء على الإنتاج الصناعي المصري الذي ينعكس على الصادرات؟ وإذا كانت الصادرات المصرية لم تكن تتضمن إلا صفرًا% من الصادرات عالية التقنية (نقلاً عن تقارير البنك الدولي)، فلماذا تظل هذه الكفاءات معطلة عن العمل لا يستفيد منها الوطن؟

إن ما تقدم هي المصطبات الست التي يؤدي اجتيازها والنجاح في بنائها إلى بناء الدولة الصناعية القوية التي يحلم بها كل مصري، كما يؤدي الفشل في بنائها إلى استمرار مصر دولة فقيرة متخلفة تزداد انتكاسة وتراجعًا إلى الوراء.

وبالرجوع إلى البيانات الإحصائية لكل من مصر والصين وكوريا الجنوبية، يتضح الوضع من دون تزيين أو تزييف.

بالنسبة إلى مصر، كانت نسبة المصنوعات عالية التقنية في صادرات عام 1980 صفر%، وارتفعت إلى 1% في صادرات 2006 و2007، مما يعني أن بصمة العلماء والمهندسين على الصناعة المصرية كانت شبه غائبة أو مغيّبة، حيث إن نقابة المهندسين مغلقة منذ عام 1993 وموضوعة تحت الحراسة.

وبالنسبة إلى كوريا الجنوبية، بلغت نسبة المصنوعات عالية التقنية في صادرات عام 1980 نحو 5%، ثم قفزت إلى 32% خلال عامي 2006 و2007.

أما بالنسبة إلى الصين، فبلغت نسبة المصنوعات عالية التقنية في صادرات عام 1980 نحو 3%، وقفزت إلى 31% عام 2006.

وتدل هذه الإحصائيات على أن مصر لم تنجح حتى الآن في بناء هرم التقدم الصناعي، كما فشلت في تحديد أهداف محددة للبحوث وتطبيقاتها، فكان مصير الأبحاث التي يقوم بها العلماء الحفظ في الأدراج، فضلاً عن ضآلة ما يخصص من الأموال للبحث والتطوير.

"
المؤلف يدعو كل ذي خبرة وعلم في شؤون الصناعة وإقامتها إلى المشاركة بأفكاره واقتراحاته لإنقاذ مصر من وهدة التخلف الحالية
"
نتائج وأسباب وحلول
من كل ما تقدم، يتبين لنا أن مصر على مدى ستة عقود منذ انقلاب يوليو/تموز 1952 فشلت في القضاء على التخلف الحضاري الذي كانت تعاني منه، وبالأخص بعد توقيع معاهدة كامب ديفد عام 1979 لتتفرع للبناء الصناعي والاجتماعي كما كانوا يدّعون.

فقد فشلنا في تحقيق الحرية والديمقراطية والمحافظة على كرامة الفرد، فانتشر الفساد وهروب العقول العلمية إلى الخارج بحثًا عن مناخ أفضل يستفيد من علومهم. ولفساد التعليم وتغول البيرقراطية النصيبُ الأكبر لانتشار الإحباط بين الشباب، حيث بلغت البطالة أكثر من 12% من قوة العمالة.

وفي نهاية الكتاب دعا المؤلف كل ذي خبرة وعلم في شؤون الصناعة وإقامتها إلى المشاركة بأفكاره واقتراحاته لإنقاذ مصر من وهدة التخلف الحالية، وتقدم هو باقتراحات بناءة منها:

أولا- تكوين مجمع من الحكماء المهندسين يشترك في تكوينه من يريد من الأساتذة المهندسين، وعلى الأخص في فروع الهندسة الكهربائية والميكانيكية والكيميائية وذوي الخبرة الصناعية، تكون مهمتهم اختيار الصناعات الواعدة لبناء مصر وتحديد أهدافها، ووضع الدراسات المبدئية لكيفية قيامها.

ثانيًا- إنشاء جامعات تقنية لها معاهدها التقنية المتخصصة تكون مهمتها -إلى جانب التدريس وإلقاء المحاضرات وإجراء البحوث- دراسة ما يرفع إليها من مجمع الحكماء المهندسين من مشروعات صناعية مقترحة، لدراستها ووضع الحلول لمشكلاتها، والقيام بالتجارب والقياسات المعملية المساعدة لإنجاحها، بعيدًا عن أي معوقات بيرقراطية أيًا كان نوعها.

فإذا حدث ما تقدم، فإن مصر ستخطو خطوات سريعة إلى عالم الصناعة والرقي وزيادة الإنتاج ومحاربة الفقر، حتى تسترجع عظمتها واحترامها ومكانتها بين الأمم، ولتكون مركز ثقل ونواة لتجمع دول العالم العربي حولها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة