من إيمان إلى آخر   
الأربعاء 1432/5/25 هـ - الموافق 27/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:25 (مكة المكرمة)، 15:25 (غرينتش)

عرض/ الحسن سرات

يعرض كتاب "من إيمان إلى آخر" عشرين حالة من حالات التحول الديني والترحال من عقيدة إلى أخرى. كانوا بالأمس بروتستانتيين وصاروا اليوم كاثوليكيين، ويهودا ومسلمين، أو خاضوا رحلة معاكسة، فنشؤوا في الإسلام ثم تحولوا إلى المسيحية أو اليهودية والبوذية. لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وما حالهم الآن؟ وماذا سيصيرون غدا؟

بعضهم كان تحوّله قطيعة جذرية شديدة جاءت على حين غرة، وكثير منهم عاش رحلة التحول على مهل وبتدرج وبعد تقليب طويل للنظر.

-الكتاب: من إيمان إلى آخر.. بورتريهات في التحول الديني
-المؤلفة: بياتريس غيلبا
-عدد الصفحات 238
-الناشر: دار النشر لابور وفيدس, سويسرا
-الطبعة: الأولى/ فبراير 2011

نقطة البداية كانت لقاء، أو سفرا، أو كتابا، أو قصة حب، أو مصيبة موت. نقطة النهاية هدير تحول نفسي داخلي ينتهي بمعركة تحرير، وكثيرا ما يكون الأمر مصحوبا بالبأساء والضراء.

والمؤلفة صحفية اشتغلت مع صحيفة "الإبدو" السويسرية وهي مراسلة بروسيا وهونغ كونغ، ولها كتب أخرى من أشهرها "غزة واقفة أمام البحر" الذي ظهر في سنة 2009.

وليس هذا الكتاب تحقيقا تدعمه الأرقام والإحصائيات، لأن المصداقية عسيرة المنال في هذا المجال، ولأن الحال كما قال علماء اجتماع مثل دانييل هيرفيو-ليجيه، لم يحدث أن تكاثر التحول الديني مثلما هو واقع في هذا الزمان، ولم يعد الدين عقيدة يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولكنه أصبح هوية تبنى لبنة لبنة. لقد صار الإيمان اليوم شأنا شخصيا يعزز شعور الذاتية والاستقلال، حتى كاد يكون مرادفا لحرية الاختيار والتعبير.

لقد كان يسيرا على الكاتبة أن تقدم تجارب وشهادات شخصيات يكثر حولها الجدل والصخب، ويركز عليها الإعلام عن سابق إصرار وترصد، مثل المغنيتين مادونا أو ديامز، أو المغني البريطاني الشهير كات ستيفنينس(يوسف إسلام)، أو لاعب الكرة الفرنسي نيكولا أنيلكا، أو الكاتب إيريك إيمانويل شميت، أو السينمائي ريم ويندير، أو المفكر جان كلود غيبو، أو السياسي البريطاني توني بلير... لكن الكاتبة آثرت أن تلاقي أفرادا غير معروفين رغبة في تقاسم سعادتهم وتعاستهم.

إسلام بعد السبعين
قصص الداخلين في الإسلام أفواجا وأفرادا من الغربيين لا يعلمها إلا الله، وتختلف من حالة إلى أخرى. رايموند بيلانجيه نموذج فريد تقدمه الكاتبة وهو ينطق بالشهادتين في الواحدة والسبعين من عمره. خمس سنوات قضاها في رحاب الدين الخاتم فقط، ومع ذلك يعتبر أنه قد ولد من جديد وها قد بدأت الحياة يوم إسلامه في الثلاثين من سبتمبر/أيلول عام 2005: "إنه أجمل يوم في حياتي.. لا أذكر شيئا مما قلته في ذلك اليوم المشهود ولكن مئات من الناس قاربوا الألفين كانوا يبكون بالمسجد من فرحهم بإسلامي بكوا وقاموا في صف طويل يهنئون.

قدموا لي هدايا رمزية وكلهم يريدون معانقتي.. خسرت بضعة أصدقاء في مقر عملي السابق لكني ربحت هنا الآلاف".

وفي الحج ذاب الحاج محمد رايموند في الطواف فلم يتمالك نفسه "كنا نطوف حول الكعبة.. كان الأمر أقوى مني.. وانهمر الدمع من عيني مدرارا وطال مني البكاء".

"
في الحج ذاب الحاج محمد رايموند في الطواف فلم يتمالك نفسه وهو يطوف حول الكعبة.. كان الأمر أقوى منه.. وانهمر الدمع من عينيه مدرارا وطال منه البكاء
"
عاش رايموند قبل ذلك سائقا للشاحنات الكبيرة الوزن الطويلة المسافات، لا يعنيه الدين في شيء، سعيدا مع زوجته، إلى أن غيبها سرطان خاطف في سبعة أيام فلم يمهلها. يفقد توازنه ويهيم على وجهه، فلا يعرف كيف قادته خطواته إلى كنيسة فينخرط في الصلاة والدعاء ساعات وساعات. يتطوع في مؤسسة للقس الشهير "لابي بيير" لمساعدة من لا مأوى لهم، ويتعرف على مغربية هي بداية التعرف على الإسلام في زمن سريع.

أشد ما أثار رايموند صبر المسلمين وإيمانهم بالله وهو في أتعس حال، فيعترف أن سلوكهم دعوة صامتة، فيلح في السؤال عن إمام يعرفه بالإسلام. يلتقي أئمة يصدون عن سبيل الله بسلوك خشن، لكن أئمة آخرين يصححون الصورة فيدلف إلى واحة الإيمان الوارفة الظليلة، عبر مشاهد صلاة المسلمين الجماعية طيلة الأسبوع وخاصة يوم الجمعة.

يكفر بالرب بعد ربع قرن
قصة روني كروز نموذج للحيرة الدينية والتيه العقدي ليس في صفوف العوام في أمة الغرب، ولكن أيضا في صفوف الخواص، بل في صفوف القيادة الدينية.

روني كروز قضى كل عمره في الرفض: رفع كلمة "لا" في وجه النازية والاستعمار الألماني، ثم قال "لا" ضد القنبلة النووية، ثم "لا" للنفاق في قلب الكنائس، وأخيرا قالها في حق الرب.

أراد هذا الرجل أن يكون رجل دين يسعى لإعادة بناء العالم عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وكان كل شيء قد أصابه الخراب المادي والمعنوي. كان لزاما إعادة بناء المدن والقلوب والرؤوس. وكان الدين عنده هو الجواب العميق والجماعي فقضى ربع قرن في الرهبانية بعضها في فرنسا وبعضها الآخر في الدار البيضاء بالمغرب مع الاستعمار الفرنسي.

"
مع نقده الشديد للأديان يقر روني كروز بأنها لا تصدأ ويقول "أعرف أنه لا يمكن محوها، إذ إن الإيمان كالإدمان لا يمكن التخلص منه
"
لتحقيق شيء من ذلك يريد التقدم للانتخابات فترفض الكنيسة الكاثوليكية، ثم يقتنع في النهاية بدرجة نفاقها العظمى، فيفارقها فراقا بغيضا انتهى بالشك ثم الردة وإنكار الرب.

في سنه الثامنة والثمانين يحدد ثلاثة أوبئة تنخر الإنسانية هي الحرب والدين والاستغلال الجنسي للنساء والأطفال.

ومع نقده الشديد للأديان يقر بأنها لا تصدأ ويقول "أعرف أنه لا يمكن محوها، إذ إن الإيمان كالإدمان لا يمكن التخلص منه.. والإنسان حيوان ديني.. وقرون من التاريخ تثبت ذلك".

عند الانتهاء من حكاية هذا الراهب المرتد يتساءل المرء هل كفر الرجل بالرب أم بالكنائس وأربابها وسياساتها الظاهرة والخفية؟

قصص أخرى
وهناك قصص أخرى في الكتاب لا تخلو من تشويق وإثارة، منها قصة كلود كوفاسي الجاسوس السويسري الذي اخترق المركز الإسلامي بجنيف وكسب ثقة مديره هاني رمضان، شقيق طارق رمضان، وأمر بتلفيق مؤامرة ضده لاتهامه بالإرهاب، لكن الدين الإسلامي يهزم الجاسوس فيعترف لمدير المركز بكل شيء وتبدأ فصول محنة أخرى.

وهناك قصة فنان تشكيلي كاثوليكي، لا تنقصه الأموال والأعمال، يقضي عشرين عاما من الترحال الديني بين كنائس المسيحية بأوروبا، والبوذية والهندوسية بآسيا، والفودية بأميركا اللاتينية، ثم يعود إلى الكاثوليكية ثم يخرج منها مجددا، ويهيم في فراغ روحي قاتل ينتظرا نورا يقذف في صدره لا يدري متى يكون.

وهناك قصة اليهودية التي تكتشف بعدها عن هويتها الدينية فتسافر طويلا في الزمن وفي المسافة وتصارع مكر الأحبار، ولكنها مع تعلقها بإسرائيل تدافع عن الفلسطينيين.

"
يذكر الكتاب قصص البوذي الذي تحول إلى البروتستانتية وانتخب ملك جمال سويسرا ولا يجد حرجا في تناول الجعة والنبيذ زاعما أنه يقدم خدمة للرب
"
وقصص البوذي الذي تحول إلى البروتستانتية وانتخب ملك جمال سويسرا ولا يجد حرجا في تناول الجعة والنبيذ زاعما أنه يقدم خدمة للرب، وترحل أمه أيضا لكن نحو الإسلام ويتعايشان معا.

وقصة القس المسيحي البروتستانتي المتزوج الذي ينتقل إلى الكاثوليكية ويبقى راهبا بفتوى يصدرها البابا رغم تحريم الزواج على رجال الدين بمجمع الفاتيكان.

دين الفقراء والمهمشين
في كتابين منفصلين في الزمان متفقين في القضية، أجمع رهبان الكاثوليكية الفرنسية ومفكروها على أن الإسلام يشق له طريقا طويلا عريضا في قلب المسيحية بالغرب بسبب "ضعفنا المتجلي في الانتحار الروحي والانتحار الديمغرافي معا" (كتاب هل الإسلام خطر على أوروبا-2009 وكتاب "هل عصرنا في حاجة إلى الرب؟ 2010).

وفي محاولة لمقاومة "الهجوم الإسلامي" أنشأ الرهبان والقسيسون شبكات وجمعيات ترصد المهاجرين الهاربين الباحثين عمن يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف، وتقدم لنا بيتريس غيلبا في كتابها هذا نموذجا منها يوجد في سويسرا: جمعية "كابيس" (تواصل-صداقة-الإنجيل-بين الأجانب والسويسريين) التي يرأسها القس الإنجيلي جان-بيير بيس أسقف كنيسة اليقظة لازار بفيينا قرب لوزان.

هنالك يحتشد الفقراء والمساكين المهاجرون السريون ليستمعوا لدروس ومواعظ رجال الدين أو المتحولين مثل موسى كونيه، إمام ابن إمام ابن إمام، ترك الإسلام والإمامة بساحل العاج ليقوم بما يسميه "التنصير بالصداقة" بين المستضعفين.

وكذلك يفعل رجل يقال له سعيد أوجيبو، ذو أصل مغربي، بضواحي المدن الفرنسية بين المهمشين، وهو يقدم عروضا مسرحية لا تخلو من سخرية بالإسلام وافتراء على القرآن. ومثله يفعل فرنسي من أصل جزائري اشتغل طيلة حياته مرتزقا متنقلا بين الحروب المشتعلة في أفريقيا وآسيا.

جهل بالإسلام
"
الخيط الرابط بين جميع المسلمين المهاجرين المتحولين إلى المسيحية هو الجهل المركب بالإسلام والرغبة في الحصول على الحماية
"
الخيط الرابط بين جميع المسلمين المهاجرين المتحولين إلى المسيحية هو الجهل المركب بالإسلام والرغبة في الحصول على الحماية، وتعتبر المغربية يامينا النموذج الصارخ بذلك.

إنها فتاة لا تعرف شيئا عن دينها غير ما كانت تراه من قسوة أبيها العسكري باسم الدين، فلا إشفاق ولا إنفاق، بل شدة وإرهاق، ثم إكراه على الزواج من رجل في عمر والدها أو جدها، فيضاعف لها العذاب ضعفين باسم الإسلام.

فما كان من يامينا، وهي لما تتجاوز العشرين، إلا أن تهاجر سرا إلى سويسرا فتلتقطها الكنيسة. هناك تعلن مفارقة دين لم تتعلمه أصلا، وعندما تسأل من المسؤول عن حالك هل هو الإسلام أم الثقافة والتقاليد، فتتردد قليلا ثم تقول "لا.. إنه خطأ الإسلام. عندما كنت أسألهم لماذا تفعلون هذا؟ كانوا يقولون هذا مذكور في القرآن. لم يقل أحد يوما ما هذا اختياري".

رحلة شيقة أو شقية
في كل الشهادات المعروضة يحتل سؤال المعنى والوجود قلب الحديث، فشعوب أمة الغرب وقبائله انفكت عراها، ومعابدها التي تجمعت حولها الجماعات وانطلقت منها السياسات باتت شبه خاوية بعد رياح العلمانية الشاملة، فراح كل فرد يبحث عن أجوبة خاصة وقيم يبنيها بنفسه، وعن فضاء اجتماعي ينتمي إليه ويرمي نفسه في حضنه عسى أن يجد في كنفه دفئا مفقودا.

هذه الاختيارات الشخصية الحميمية لا تخلو -جلها أو كلها- من عصارة الآلام وفصول صراع ذاتي تمتلئ بالمنعرجات والمنزلقات.

ومن النادر أن يحدث التحول فجأة بلا مقدمات، كما أظهر ذلك من قبل بيير أسولين في كتاب عام 1982 بعنوان "المتحولون الجدد"، وليزبيث روشيه وفاطمة الشرقاوي في كتابهما "التحول إلى الإسلام بالغرب" 1986، إلا أنه ركز فقط على المتحولين نحو دين واحد وليس من أديان إلى أخرى.

"
تحكي الكاتبة عن معاناة خروج كتابها إلى الأسواق دون مزيد من الحكايات والحالات، لأن عددا مضاعفا من الذين غيروا دينهم رفضوا أن يفصحوا عن رحلتهم الشيقة أو الشقية
"
مسار العزلة والتفرد يوحد المسالك والمسارات نحو الأديان والملل والنحل في عصرنا الحالي. تفرد في الطريقة والبحث وتفرد في نقطة الوصول: يشعر المتحولون كثيرا بأنهم مختلفون، بل يشعرون بأنهم موضع توجس وشكوك سواء من الذين تركوهم وراء ظهورهم، أو من الذين آووهم واستقبلوهم.

تحكي الكاتبة عن معاناة خروج كتابها إلى الأسواق دون مزيد من الحكايات والحالات، لأن عددا مضاعفا من الذين غيروا دينهم رفضوا أن يفصحوا عن رحلتهم الشيقة أو الشقية، وآخرون تراجعوا عن إكمال قصصهم فحبسوا الكلام، في حين وافق آخرون على البوح بما يمور في أكنة صدورهم شريطة ألا تعرف أسماؤهم بعد تردد طويل.

فالتحول من دين إلى دين ليس اختيارا سهلا أبدا، ولكنه أمر لا مندوحة عنه ولا مفر منه في منعطف من منعطفات هذه الحياة الدنيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة