شريك سر   
الأربعاء 17/11/1430 هـ - الموافق 4/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:18 (مكة المكرمة)، 10:18 (غرينتش)

عرض/وديع عواودة

يكشف رئيس الموساد الأسبق داني يتوم في كتابه الجديد أن محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل عام 1997 جاءت بأمر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضمن خطة استهدفت ثمانية من قادة الحركة.

ويفرد يتوم فصلا مركزيا من كتابه (شريك سر.. من وحدة هيئة الأركان حتى الموساد) لمحاولة "الموساد" الفاشلة لاغتيال مشعل، تفاصيلها وبعض خبايا تبعاتها حتى أطاحت به من رئاسة الموساد.

-الكتاب: شريك سر.. من وحدة هيئة الأركان حتى الموساد
-المؤلف: داني يتوم
-الناشر: دار يديعوت أحرونوت, تل أبيب
الطبعة: الأولى/أكتوبر 2009
يتوم الذي يسعى في روايته لتطهير سمعته بعدما أدانته لجنة تحقيق إسرائيلية، لجنة يوسف شخنوفر، بفشل العملية يوضح أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وقتها أمر بتصفية ثمانية من قيادات حماس منهم مشعل وموسى أبو مرزوق غير مكترث بحساسية العلاقات مع الأردن.

ويقدح يتوم -الذي استقال من العمل السياسي عام 2006 بعد سنوات من النيابة البرلمانية مندوبا عن حزب "العمل"- باستخلاصات لجنة شخنوفر ويتهمها باللامهنية وباستهدافه والسعي لتطهير سمعة نتنياهو على حسابه.

ويزعم يتوم الذي عرف بصداقته الشخصية مع العاهل الأردني الراحل الملك حسين أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قبل توصيته بتحاشي القيام بعملية اغتيال في الأردن لحساسية الساحة الأردنية، لكنه عاد وقرر بالتشاور مع رؤساء الأجهزة الأمنية الأخرى ووزير الدفاع يتسحاق مردخاي باستهداف مشعل في عمان.

خلل غير محسوب
ويحاول يتوم في كتابه، بدوافع مفهومة، تقزيم دور وشجاعة ناشطي حماس في ملاحقة عصابة الموساد وإلقاء القبض على اثنين منها وسط مطاردة في شوارع عمان المزدحمة.

ويشير أنه في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول 1997 تلقت خلية الاغتيال المتواجدة في الأردن أن مشعل في طريقه من منزله لمكتبه في عمان داخل مركبته وبرفقة سائقه فقط دون التنبه لأن طفلي مشعل كانا معه ويتابع "حينما بدأ مشعل يخطو نحو مكتبه تقدم منه رجلا الموساد ورفع أحدهما يده من أجل المساس به ودسم السم بأذنه فتنبه سائقه فصرخ وعندها استدار مشعل وركض بسرعة فعاد رجلانا نحو الخلف لسيارة كانت تنتظرهما في زقاق قريب فشاهدهما أحد ناشطي حماس محمد أبو سياف الذي كان في طريقه لإيصال بريد لمشعل".

وينوه أن رجال الموساد غيروا في تلك اللحظة مخططهم المسبق بخلاف التعليمات ووقعوا في خلل غير محسوب ولم يتقدموا نحو الفندق المتفق عليه مسبقا والذي شكل مقر قيادة للعملية فأوقفوا مركبتهم بعد انعطافتين ونزلوا منها على بعد مائتي متر من مكان العملية مما أدى لفشلها.

ويغفل يتوم في كتابه ما نشرته "هآرتس" في  21/12/1997 من أن الموساد اختار الاغتيال بالسم طمعا بعملية هادئة لا تثير الشبهات حول تورط إسرائيل في الأردن منوهة أن السم يؤدي للوفاة بعد ساعات دون تمكن الأطباء من تشخيص الوفاة.

"
أخبر يتوم الملك حسين بالمحاولة الفاشلة لاغتيال مشعل وأبدى أسفه، لا اعتذاره، وطلب أن تتم تسوية "الموضوع" بهدوء وإطلاق سراح المعتقلين, عارضا على الملك الدواء لإنقاذ مشعل
"
وكشفت أن مركز الأبحاث البيولوجي الإسرائيلي في "نس تسيونة" هو الذي أعد السم القاتل وأن الموساد سبق واستخدمه باغتيال القائد في الجبهة الشعبية الشهيد وديع حداد عام 1979 عقب دس السم بالشوكلاتة.

كذلك لا يتطرق يتوم لعمليات التدرب على اغتيال مشعل حيث أجرى أفراده، طبقا لـ"هآرتس"، عملية تدريبية شملت مركب التضليل في شوارع تل أبيب قام خلالها أحد أفراد الخلية بفتح علبة مشروب معدنية وبنفس الثانية قام زميله برش مواد سائلة على أحد المارة للإيهام بأن رذاذا من المشروب الخفيف قد أصابه. وتم التدرب على ذلك عدة مرات في تل أبيب قبل تنفيذ محاولة اغتيال مشعل الفاشلة والتي تم تأجيلها باللحظة الأخيرة لأسباب عملياتية ميدانية.

وفي محاولة لامتصاص تبعات الاعتداء يقول يتوم إن نتنياهو سارع للاتصال بالملك حسين وأبلغه بأنه يبعث برئيس الموساد إليه للقاء هام فاستجاب دون معرفة الهدف من ذلك ويتابع "قبل خروجي لعمان طلب مني نتنياهو أن أعرض على الملك الدواء لإنقاذ مشعل".

وهناك أخبر يتوم الملك بما حصل وأبدى أسفه، لا اعتذاره، وطلب أن تتم تسوية "الموضوع" بهدوء وإطلاق سراح المعتقلين منوها أن إسرائيل استهدفت المس بـ"الإرهابيين" لا الأردن، لتورطهم بعمليات ضدها.

إكرامية للملك
ويقول يتوم إن هدوءا مطبقا ساد الغرفة فيما تغيرت ملامح الملك وأمر باستيضاح حالة مشعل الصحية ووافق على تلقي الدواء الذي يلغي مفعول السم ويتابع "اعتذر الملك مني وغادر طالبا مني استكمال المداولات مع رجاله فبقيت في مكتب علي شكري رئيس الديوان الملكي وكنت في سري أتمنى الشفاء العاجل لمشعل الذي كنت أصلي لموته في صباح ذاك اليوم".

وبعد يومين من محاولة الاغتيال وصل نتنياهو ووزيرا الخارجية والدفاع أرييل شارون ويتسحاق مردخاي للقصر الملكي في عمان لكن الملك حسين الغاضب رفض استقبالهم وانتدب عنه مقربيه.

ويدعي يتوم في كتابه أن الأردن طلب خلال المفاوضات الإفراج عن عشرين أسيرا أردنيا إضافة للشيخ ياسين وما لبث أن طالب بالمزيد فانفجر شارون غضبا وقال للملك حسين "إذا استمررتم على هذا المنوال سنبقي رجلي الموساد لديكم لكننا سنحرمكم من الماء وسنقتل خالد مشعل ثانية".

وعندها أدرك الأردنيون أن هناك حدا للمطالب وتم توقيع الاتفاق بعد 12 يوما على العملية ويستطرد يتوم "لسخرية القدر أن "الإرهابي" خالد مشعل فاز بالحياة مجددا وعاد لعمله مكللا بهالة الشهيد أما أنا فوجدت نفسي في معركة لحماية سمعتي بعدما حملوني وحدي مسؤولية فشل محاولة الاغتيال".

"
يروي يتوم قصة عضو الموساد يهودا جيل الذي ظل ينقل لإسرائيل معلومات خطيرة عن سوريا نقلا عن وكيل سوري تبين بعد 23 عاما أن كافة المواد كانت من وحي خياله طمعا بالمال وبـ"هالة البطولة
"
ويستعرض الكتاب عملية فاشلة ثانية للموساد بنفس العام حينما ألقت الشرطة السويسرية على رجل الموساد متلبسا في تركيب أجهزة تنصت على ناشط في حزب الله وهذا ما استعجل تقديم الاستقالة من قبل يتوم.

ويروي يتوم قصة عضو الموساد يهودا جيل الذي ظل ينقل لإسرائيل معلومات خطيرة عن سوريا نقلا عن وكيل سوري تبين بعد 23 عاما أن كافة المواد كانت من وحي خياله طمعا بالمال وبـ"هالة البطولة".

ويفيد يتوم بأن المعلومات المنقولة عن "الضابط السوري" دفعت إسرائيل لاتخاذ تدابير عسكرية جدية في شمال البلاد بعد تلقيها "معلومات" عن تحركات مريبة للجيش السوري في لبنان عام 1997.

باغتيال رابين قتل السلام
ويؤكد يتوم أن اغتيال إسحاق رابين في 1995 شكل صدمة قومية بالنسبة لإسرائيل ويقول إنه لو بقي على قيد الحياة لكان قد قاد إسرائيل لاتفاقية سلام مع الفلسطينيين ومع سوريا ويتابع "بمسدسه أطلق يغئال عمير الرصاص على مسيرة السلام وقتلها".

ويستعرض يتوم مداولات السلام التي جرت بين إسرائيل وسوريا والأردن والفلسطينيين منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وشارك بنفسه بها بمناصب عسكرية وسياسية مختلفة.

ويكشف يتوم مستندا لوثائق تنشر للمرة الأولى بأن رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو وافق في ولايته الأولى على انسحاب إسرائيلي من الجولان لحدود الرابع من يونيو/حزيران 1967وينوه لوثيقة سلمت للوسيط الأميركي رون لاودر (النقاط العشر) عثر عليها في أرشيف ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية تؤكد ذلك خلافا لتصريحات نتنياهو المعلنة اليوم.

ويشير إلى أن وزيري الخارجية والدفاع شارون ومردخاي هما من منعا نتنياهو من مواصلة مفاوضات جدية مع سوريا ودفعاه للتراجع عن وعوده وهذا ما أكده ضابط إسرائيلي متقاعد وعضو حزب نتنياهو (الليكود)، أسعد الأسعد في حديث سابق للجزيرة نت منوها أنه نقل رسالة من مكتب الرئيس الراحل حافظ الأسد لنتنياهو عام 1997 والذي أبلغه رغبته بإعادة الجولان مقابل سلام شامل قبل أن يتراجع بضغط داخلي.

علاقات سرية مع الملك
ويؤكد يتوم أن الرئيس حافظ الأسد رفض اقتراح باراك بمبادلة منطقة البطيحة (الشاطئ الشرقي الشمالي لبحيرة طبريا) بمحمية الحّمة الطبيعية في المثلث الحدودي بين الأردن، إسرائيل وسوريا ويتابع "عرض المبعوث الأميركي دنيس روس على حافظ الأسد خلال لقائه بالرئيس كلينتون في جنيف في مارس/آذار 2000 خريطة انسحاب تبقي بيد إسرائيل شريطا جغرافيا بعرض250 مترا إلى 500 متر في منطقة البطيحة فرفض الأسد وقال: سبحت بنفسي في طبريا.." فأجاب كلينتون: تستطيع السباحة مستقبلا".

وفي إطار استعراضه للمسيرة التي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام مع الأردن في 1994 يقول يتوم إن كافة رؤساء حكومات إسرائيل منذ غولدا مئير التقوا الملك حسين خلسة لكن العلاقات الثنائية ازدهرت مع الأردن في فترة حكم إسحاق رابين.

ويكشف يتوم أن الملك حسين استدعى في العام 1995 رابين بشكل عاجل بعد توقيع اتفاقية السلام وأبلغه بأن حسين كامل صهر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين زاره في عمان وأطلعه على نوايا العراق باجتياح الكويت مجددا وعلى رغبته بإنقاذ العراقيين من صدام بالاستعانة بإسرائيل".

"
رابين أقنع الملك حسين بعدم التعاون مع حسين كامل لعدم جديته وكفائته بقيادة انقلاب في بغداد ونصحه بعدم خوض مغامرة تهدد عرشه فشكره الملك على إسداء النصيحة
"
ويوضح يتوم الذي شارك في اللقاء المذكور أن رابين أقنع الملك حسين بعدم التعاون مع حسين كامل لعدم جديته وكفائته بقيادة انقلاب في بغداد ونصحه بعدم خوض مغامرة تهدد عرشه فشكره الملك على إسداء النصيحة.

ويفرد يتوم فصلا موسعا لقمة كامب ديفد في العام 2000 ويوجه انتقادات لرئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك (الذي شغل وزارة الداخلية وامتنع عن التصويت خلال بحث الحكومة باتفاقية أوسلو) لرفضه لقاء ياسر عرفات على انفراد ولعدم إبدائه مواقف إنسانية رغم محاولات يتوم بإقناعه عدة مرات.

وبعد سرد تفاصيل المحادثات المطولة وتدخل الرئيس بيل كلينتون لجسر الهوة بين مواقف الطرفين يشير يتوم إلى أن الرئيس عرفات رفض تقاسم السيادة في القدس الشرقية ومنطقة الحرم مما أدى لفشل القمة معتبرا أن باراك قدم تنازلات شجاعة بشهادة كلينتون نفسه.

دحلان وعصفور
ويتابع "كما لاحظنا أن المفاوضين الفلسطينيين الشباب أمثال محمد دحلان، وحسن عصفور ومحمد رشيد أثنوا على "الاختراق" الأميركي وعلى التسوية المقترحة من قبل كلينتون وقالوا: لو كان الأمر منوطا بنا لاعتبرناها أساسا للمفاوضات".

كما يقتبس كلينتون الذي قال لباراك على مسامعه بأن صائب عريقات ومحمود عباس وأحمد قريع كانوا مستعدين في كامب ديفد لقبول مقترحاته وترك القدس لمرحلة متأخرة من المفاوضات.

وفي فصل الكتاب الأخير يخلص يتوم لعدة استنتاجات يتحاشى معظم زملائه في "العمل" وفي المؤسسة العسكرية سابقا الإفصاح عنها أبرزها ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة بتواصل جغرافي بين الضفة وغزة ومنزوعة السلاح على حدود الرابع من يونيو/حزيران، مع تبادل أراض لضم كتل الاستيطان الكبيرة وتبني مبادئ كلينتون لتسوية قضية القدس، كما يؤكد ضرورة الانسحاب الكامل من الجولان لأجل إنجاز اتفاقية السلام مع سوريا أولا.

ويرى يتوم ضرورة تبني إسرائيل للمبادرة العربية للسلام كـ"مظلة" وأساس للمفاوضات ويعتبر أنها تنطوي على امتياز هام يكمن باعتراف 57 دولة عربية وإسلامية بإسرائيل مقابل سلام مع الفلسطينيين.

ويوصي بالسلام مع سوريا أولا ويشكك بقدرة الرئيس محمود عباس على فرض إرادته في غزة وحتى في الضفة الغربية ويدعو لمواصلة الحرب على "الإرهاب" بالوسائل الاستخباراتية وبالتصفيات دون أن يشير لكيفية التوصل لسلام مع الفلسطينيين.

ويعتبر يتوم مثله مثل مسؤولين إسرائيليين كثر أن حيازة إيران على سلاح نووي يعني خطرا وجوديا على إسرائيل ويرى ضرورة قيام الغرب بعملية عسكرية وإلا "لن تستطيع إسرائيل الوقوف مكتوفة اليدين".

نقاط ضعف إسرائيل
"
سر بقاء الإسرائيليين وازدهارهم في كل المجالات يكمن بتلاحمهم وجاهزيتهم للتضحية من أجل الصالح العام, إلا أن  المجتمع الإسرائيلي الحالي بدأت تحصل فيه  تصدعات تضعف اللحمة الاجتماعية
"
كذلك يرى بأن سر بقاء الإسرائيليين وازدهارهم في كل المجالات يكمن بتلاحمهم وجاهزيتهم للتضحية من أجل الصالح العام ويتابع "في المجتمع الإسرائيلي الحالي بدأت تحصل تصدعات تضعف اللحمة الاجتماعية فالفوارق بين الأغنياء والفقراء غير محتملة فيما تواصل إسرائيل الكفاح لاستيعاب مليون من المهاجرين الروس الذين قدموا للبلاد بشكل جدير".

ويتوقف عند اتساع نسبة الجريمة وتراجع مسيرة التعليم والتربية والقيم وعند استمرار الفجوات الكبيرة بين المواطنين اليهود والعرب كمخاطر إستراتيجية تهدد إسرائيل من الداخل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة