النشاط السري/أجهزة الاستخبارات في اليونان   
الجمعة 27/7/1436 هـ - الموافق 15/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:00 (مكة المكرمة)، 13:00 (غرينتش)


عرض/شادي الأيوبي
بداية يشير المؤلف إلى إن الفترة التي تلت إنشاء الدولة اليونانية عام 1830، لم تكن تسمح بإنشاء جهاز استخبارات بسبب الفوضى الإدارية والاقتصاد الهزيل والاضطراب السياسي.

ولذا تولت هذه المهمة جمعيات سرية كانت ترسل الأموال والأسلحة والمتطوعين -بينهم ضباط في الجيش اليوناني- لإشعال الثورات ضد العثمانيين وطردهم من المزيد من الأراضي مع حمايتها من القوميات الأخرى، كالبلغار. تلك التحركات كانت تحظى بتأييد الحكومات اليونانية في كثير من الأحيان.

شكلت تلك المنظمات دولة داخل الدولة، حيث كانت الدولة آنذاك لا تفصل صلاحيات الأجهزة المختلفة بعضها عن بعض. وكثيرا ما كانت الحكومات اليونانية تستخدمها كي لا يظهر أنها ترسل متطوعين لقتال العثمانيين.

-العنوان: النشاط السري/أجهزة الاستخبارات في اليونان
-المؤلف: بافلوس أبوستوليذيس
-الناشر: دار بابازيزيسيس للنشر. أثينا
-عدد الصفحات 327
-الطبعة: الثانية 2015

لم تكن المنظمات تعمل دوما لصالح البلد لأنها لم تكن تستطيع تقدير ردة فعل الإمبراطورية العثمانية وقوتها. وكانت تظن أن الحماسة والاندفاع كافيان للانتصار، وهكذا، جرّت اليونان إلى هزيمة 1897 أمام العثمانيين.

اهتمت الدولة المقدونية بالصراع في منطقة مقدونيا (1904-1908)، لكن عن طريق أشخاص عسكريين ودبلوماسيين، كما اهتمت به الكنيسة اليونانية. كانت المشكلة في الصراع مع بلغاريا وفي صف من سيقف أرثوذوكس مقدونيا؟ مع بلغاريا أو الفنار في تركيا.

شكلت الثقافة والموقع الجغرافي واللغة عوامل تقرير هوية القرى. أرسل البلغار مجموعات مسلحة تروع القرويين، وفعلت اليونان نفس الأمر.

وحتى الحروب البلقانية 1912-1913 لم يكن للجيش اليوناني جهاز استخبارات، ما عرّضه لخسائر. وفي الحرب العالمية الأولى استطاع الأميرال البريطاني مارك كير، مستشار الملك اليوناني كوستاندينوس شراء طائرات استعملها للتجسس.

خلال الحرب العالمية الأولى، كانت اليونان مجالا لحرب استخبارات وبروباغندا بين الألمان والبريطانيين والفرنسيين، حيث تدخل هؤلاء في شؤونها الداخلية.

دخلت اليونان الحرب عام 1917 بعد انقسام بين رئيس الحكومة إيليفثيريوس فينيزيلوس والملك الذي لم يكن يريد دخول الحرب. كان فينيزيلوس يعتقد جازما أن الحلفاء سينتصرون ولا بد لليونان من الوقوف معهم، خاصة بريطانيا المسيطرة على البحار.

معلومات الجيش اليوناني في حملة آسيا الصغرى لم تكن منظمة، لكن البعثة العسكرية اليونانية في إسطنبول برئاسة يورغوس كاتيخاكيس أعطته معلومات هامة جدا. فيما شكل يونانيون من إزمير شبكة تجسس لصالح الجيش اليوناني قبل دخوله المدينة عام 1919.

سعى اليونانيون في آسيا الصغرى إلى نصر سريع على الأتراك لأن اليونان كانت مرهقة اقتصاديا كما كان الجيش نفسه مرهقا من الحروب، لكنهم وقعوا في خطأ مطاردة الجيش التركي في الأناضول للوصول حتى أنقرة. "كانت لدينا طائرات وصور جوية في الحملة على آسيا الصغرى، فيما لم يكن لدى الأتراك طائرات حتى نهاية الحرب".

حتى الحروب البلقانية 1912-1913 لم يكن للجيش اليوناني جهاز استخبارات، ما عرّضه لخسائر. وفي الحرب العالمية الأولى استطاع الأميرال البريطاني مارك كير، مستشار الملك اليوناني كوستاندينوس شراء طائرات استعملها للتجسس

كانت الهزيمة اليونانية في آسيا الصغرى قضية سياسة يونانية داخلية. فحينما خسر فينيزيلوس الانتخابات عام 1920 أمام الملكيين، كان هؤلاء وعدوا بإرجاع الجيش، لكنهم لم يفعلوا لأن الرأي العام اليوناني لا يحتمل ذلك بعدما رأى أن فينيزيلوس أنجز اتفاقية سيفر التي أقرت اليونان العظمى، فكيف يمكن أن يتراجعوا عن تلك المكتسبات؟ وهكذا أصبح الجيش اليوناني ينتظر النصر بعد الآخر، فيما كان يجب أن يقوم بمفاوضات حول الانسحاب.

ويقول المؤلف في مقابلة مع الجزيرة نت إنه "كان من الخطأ ذهابنا أصلا إلى تركيا. لم يكن ممكنا أن نبقى هناك. كان فينيزيلوس يحسب أن الإمبراطورية العثمانية ستتمزق ولن تنهض ولم يكن يحسب حسابا لظهور تركيا الحديثة. الحملة اليونانية على آسيا الصغرى أسهمت بشكل كبير في إنشاء تركيا الحديثة".

بعد الهزيمة في آسيا الصغرى واجهت اليونان أكثر من نصف مليون لاجئ من تركيا. مجيء اللاجئين مثل انطلاقة لتشكيل الحزب الشيوعي اليوناني.

تحول عمل الاستخبارات اليونانية إلى مواجهة الشيوعية في الداخل والأطماع في الجزر مثل جزيرة كيركيرا، حيث وجدت إيطاليا ذرائع للتدخل بسبب وجودها هناك لقرون.

خلال فترة ما بين الحربين كانت الاستخبارات اليونانية تشهد فترة إنشاء ثم انهيار بسبب الاضطرابات السياسية والدكتاتوريات التي فرضها العسكريون في تلك الفترة.

ولما عاد فينيزيلوس إلى الحكم (1928-1932) لم ينشئ جهاز استخبارات، بل أنشأ خدمة الأمن الخاص الأقرب إلى جهاز الشرطة.

كان الشيوعيون يحرضون العمال على المطالبة بالمزيد من حقوقهم عبر الإضرابات والاحتجاجات. واستمرت مطاردة الشيوعيين حتى 1974 حينما سمح كوستاندينوس كرمنليس لهم بالعمل بشكل شرعي.

ألغى الدكتاتور ميتاكساس (حكم من 1936-1941) أجهزة الاستخبارات واحتفظ بجهاز الأمن الخاص الذي كان يلاحق الشيوعيين والمعارضين السياسيين، وقام بإجراءات لصالح العمال لإبطال حجج الشيوعيين.

مع الحرب العالمية الثانية انسحبت الحكومة اليونانية من أثينا إلى القاهرة حيث أنشأت جهاز استخبارات كان يضم الكثيرين من ضباط البحرية اليونانية، الجزء الوحيد المتبقي من الجيش اليوناني.

خلال أعوام الحرب الأهلية اليونانية ومنذ 1946 حتى 1949 جرت محاولات عديدة لإعادة إنشاء جهاز استخبارات لكنها لم تنجح بسبب البيروقراطية وردود الفعل من طرف الجيش. وأنشئ بعد الحرب مباشرة.

حافظ الجيش على أجهزة الاستخبارات الخاصة به، لكن كانت هناك حاجة لجهاز يغطي المجالين السياسي والاجتماعي والمجال الخارجي حيث توجد تحديات قادمة من الاتحاد السوفياتي والدول المجاورة لليونان التي دخلت تحت المظلة السوفياتية.

رحل البريطانيون عن اليونان عام 1948 لانحسار نفوذهم، وبدأ النفوذ الأميركي يترسخ في المنطقة. وخلال الخمسينيات كان التأثير الأميركي قويا جدا.

دعم الأميركيون إنشاء جهاز استخبارات يوناني. وليس مصادفة أن أول جهاز استخبارات كانت تسميته باليونانية "جهاز الاستخبارات المركزي" وهو ترجمة حرفية لجهاز سي آي أي الأميركي.
خلال الحرب الباردة كان دور أجهزة الاستخبارات مواجهة الخطر الشيوعي داخل وخارج اليونان حيث انخرطت أثينا في المعسكر الغربي وحلف الناتو منذ 1952.

في القضية القبرصية، يعتبر المؤلف أن نشاطات حركة إيوكا في قبرص ساعدت في جلاء الإنجليز عن الجزيرة، وأزّمت الأوضاع من ناحية أخرى، لأنها أخذت تستهدف القبارصة الأتراك الذين كان الإنجليز يستخدمونهم في الشرطة ضد القبارصة اليونانيين. ومن هناك بدأت الصدامات بين الطائفتين، فيما كان حضور الإنجليز قبل ذلك يمثل مشكلة للطرفين. ومع أن القبارصة اليونانيين كانوا ينادون بالوحدة مع اليونان منذ عام 1931 فإنه لم تحدث مواجهات بينهم وبين القبارصة الأتراك إلا بعد نشاط إيوكا.

يذكر أبوستوليذيس أن الإجراءات الأمنية في مطارات أثينا خلال السبعينيات كانت شبه منعدمة بحيث كان بالإمكان الدخول إلى الطائرات من خلال سور المطار الخارجي، ما ساعد في حدوث عمليات اختطاف طائرات انطلاقا من أثينا، ودفع الأوروبيين إلى اتهام اليونان بمساعدة المختطفين أو العجز الأمني التام

لم يرغب العسكريون اليونانيون بوجود جهاز استخبارات قبرصي ينقل الأحداث إلى أثينا بما يخالف رؤيتهم. فقد كانوا معادين للرئيس مكاريوس وكانوا يروجون أنه سيرمي قبرص في أحضان الشيوعية أو دول عدم الانحياز، وأنه يضطهد معارضيه القوميين الساعين للوحدة. وهكذا، مع استيلاء العسكر على السلطة في اليونان عام 1967، بدأت في أثينا حملة معادية لمكاريوس انتهت بالانقلاب عليه.

خلال سنوات 1967-1974 لعبت الاستخبارات اليونانية دورا واسعا جدا. فإضافة إلى محاربة الشيوعية، انشغلت بالرقابة على الإعلام ودور السينما ودوام الموظفين وعمل الوزراء والقضاة والجمارك وأمور أخرى.

اهتمت الاستخبارات اليونانية بالقضية الفلسطينية بسبب الصراعات التي كانت تجري بين المنظمات الفلسطينية والموساد الإسرائيلي في اليونان أو الصدامات بين المنظمات الفلسطينية نفسها.

ويذكر أبوستوليذيس أن الإجراءات الأمنية في مطارات أثينا خلال سنوات السبعينيات كانت شبه منعدمة بحيث كان بالإمكان الدخول إلى الطائرات من خلال سور المطار الخارجي، ما ساعد في حدوث عمليات اختطاف طائرات انطلاقا من أثينا، ودفع الأوروبيين إلى اتهام اليونان بمساعدة المختطفين أو العجز الأمني التام.

ويعتبر المؤلف أن القبض على أعضاء مجموعة 17 نوفمبر كان نجاحا للاستخبارات اليونانية، لكنه استغرق سنوات طويلة. وينفي وجود تعاون بين 17 نوفمبر ومجموعة أبو نضال، وهو الأمر الذي كان يرتاب به الأميركيون.

ويتحدث عن تدبير حوادث ضد سفارات عربية في اليونان بتدبير من أنظمة عربية، وعن حوادث ملاحقة وتصفية لمعارضين عرب من قبل أنظمتهم، مثل تصفية معارضين لنظام القذافي، ويذكر أن حكومة باسوك آنذاك لم تقم بتحقيقات جدية في التصفيات بسبب علاقاتها مع القذافي.

اكتسبت المخابرات اليونانية سمعة سيئة لاتهامها بالتجسس على مكالمات السياسيين ورجال الدولة والمعارضين، وهذه السمعة لا تزال تلاحقها حتى اليوم.

ولا يذكر الكتاب موقف أجهزة المخابرات اليونانية من قضية دخول آلاف المهاجرين إلى اليونان ابتداء من تسعينيات القرن الماضي واختطافها لبعضهم بتهم الإرهاب وتجسسها على هواتفهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة