الإسلاميون بين الثورة والدولة   
الاثنين 1435/6/14 هـ - الموافق 14/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:54 (مكة المكرمة)، 13:54 (غرينتش)

عرض/ياسر غريب
يحاول كتاب "الإسلاميون بين الثورة والدولة.. إشكالية إنتاج النموذج وبناء الخطاب" تقديم تفسير لـ"الظاهرة الإسلامية" التي فرضت نفسها على النظم السياسية العربية بعد سلسلة ثورات الربيع العربي، باعتبارها ليست نبتا مصطنعا هبط علينا من خارج سياق المجتمع والتاريخ، بل بوصفها انعكاسا لأزمات وحاجات سياسية وثقافية واجتماعية.

وتأتي أهمية الكتاب من أن الثورات العربية وما نتج عنها من وصول الإسلاميين إلى السلطة، قد دفع بالكثير من الأسئلة الإشكالية التي لم تحسم إلى السطح، وأخذ السجال حولها صبغة دينية وفقهية بحيث طغى في الغالب على دلالاته باعتباره فكرا سياسيا وفلسفيا معاصرا.

وتضاف إلى أهمية الكتاب أن مؤلفه الدكتور عبد الغني عماد، أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، باحث متخصص في الإسلام السياسي، وقد أشرف في هذا السياق على (موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي).

-العنوان: الإسلاميون بين الثورة والدولة.. إشكالية إنتاج النموذج وبناء الخطاب
-المؤلف: الدكتور عبد الغني عماد
-عدد الصفحات: 304
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت
-الطبعة: الأولى، 2013

يحتوي الكتاب على سبعة فصول إلى جانب المقدمة والخلاصة العامة والخاتمة. الفصل الأول: "في الثورة والسلطة والفقيه"، الفصل الثاني: "الدين والدولة وإشكالية المرجعية على وقع الثورات العربية"، الفصل الثالث: "الحراك الإسلامي: تحديات الدولة ومهام الدعوة"، الفصل الرابع: "الاجتهاد والتجديد والخطاب الإسلامي المعاصر: الإشكاليات والسجالات".

أما الفصل الخامس فهو عن: "الحركات الإسلامية وإشكالية تطبيق الشريعة الإسلامية"، بينما الفصل السادس: "الإسلاميون والآخر: بين المفاصَلة والمواطَنة"، والفصل السابع عن: "الدولة والدعوة: دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية".

ونظرا للتكثيف الكبير في قضايا الكتاب وتفريعاته، فقد أحسن المؤلف صنعا حين وضع له خلاصة جامعة، تضمنت عناصر (عناوين) ثلاثة رئيسية، تمثل سياجا رابطا لفصول الكتاب السبعة، وهي على الترتيب: إشكالية النموذج وبناء الخطاب، والدعوة والدولة: خطاب الوصل والفصل والسياسة والدين، الأيديولوجيا والسلطة: ثنائيات الوعي الشقي.

الدولة أم الأمة
يبدأ الكتاب بمناقشة قضية قبول المجتمعات العربية والإسلامية بالكيانات والدول القطرية باعتبارها واقعا قائما دون أن يعني ذلك قبولا بشرعيتها أو بكونها بديلا يمكن أن يشكل الدولة/الأمة التي تعبر عن هويتها ورغبتها في التوحد وحاجتها إلى النهوض وحماية مصالحها.

فالدول العربية الرسمية التي قامت إثر الاحتلال الأجنبي أو على يديه احتكمت عمليا -وفي الغالب- إلى منطق سلطوي واستبدادي، حيث آلت تجربة "الدولة" إلى فشل ذريع ومدمر للحياة السياسية والاجتماعية.

ويرى الدكتور عبد الغني أن الحركات الإسلامية الصحوية استفادت من هذا الفشل، واكتسبت جاذبيتها من اقتصار مهمتها على تبيان عورات تلك الأنظمة وفسادها وهزائمها المتكررة.

ولأسباب مختلفة لم يكن ثمة اهتمام ببناء نظرية في "الدولة" والمواطنة والمؤسسات وفصل السلطات وتداول السلطة والحريات، إذ كانت الأولويات في مكان آخر يتعلق بالتنظير لكل ما له علاقة بالهوية والأمة ووحدتها والجماعة والشريعة وتطبيقها والأصالة والتراث والحاكمية.

قدم الإسلاميون خطابا تركيبيا بين الدعوة والدولة، وقاموا بتنميطه في الوعي الحركي لجيل كامل  دون البحث المعمق في إشكالياته لا من الناحية النظرية ولا من الناحية التطبيقية

لكن أهم ملاحظات الكتاب على "الحركة الإسلامية" أن النصوص المرجعية الإسلامية لديها لا تدل على وجود نظام حكم جاهز ومجمع عليه قديما وحديثا، كما أن تشكل الدولة شهد منذ بدايته انحباسا معرفيا في حدود "النموذج المثالي" الذي تم استمداده من المدونة التاريخية الفقهية، ممثلا في تجربة النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة، دون أن يتعرض هذا النموذج إلى بحث منهجي يوضح أسباب الانحراف عنه في التجربة السياسية التاريخية من جهة، وما ترتب عليه من جهة أخرى، ومن دون أن يتم تطوير هذا النموذج وتحديثه.

الثورة والخروج
ويتطرق الكتاب إلى مفهوم الثورة في التراث السياسي الإسلامي، فقد كان هناك ارتباط أساسي لمفهوم "الثورة" بمفهوم الخروج على طاعة "ولي الأمر"، والإنتاج الفقهي المكثف لمفهوم الفتنة الذي تم دمجه بها.

"هذا الارتباط يبرر غياب استخدام هذا المصطلح في أدبيات الإسلام السياسي المعاصر، بل غياب مفهوم الثورة الشعبية الشاملة ضد الحاكم الغاشم كآلية أساسية من آليات التغيير الديمقراطي والسلمي".

ويكشف المؤلف أن هذا الأمر لا يعود إلى أن الخبرة التاريخية الإسلامية لم تعرف معنى "المعارضة" باعتبارها كيانا اجتماعيا منظما يتمتع بحقوق قانونية موازية من حرية الرأي والفكر والعمل، "فمثل هذه الخبرات بالأساس حديثة التكون في التجربة الإنسانية ولم تتبلور في الثقافة الغربية إلا في القرنين الماضيين، وفي ظل ديناميات معقدة ومتدرجة، وهي لم تجد البيئة الصالحة للنمو ولم يسمح لها بالتبلور الطبيعي في مجتمعاتنا، على الرغم من أن بذورها موجودة في أصل الثقافة الإسلامية ومرجعياتها التي تحض على مقاومة الظلم والاستبداد وتشدد على العدل والشورى".

النموذج المثالي
بعد اندلاع ثورات الربيع العربي وبروز الحركات الإسلامية في طور جديد يسعى لتجاوز طور المعارضة التي اعتاد عليها، كان من الضروري البحث في المرجعية الإسلامية لتلك الحركات لمفهوم الدولة الذي تنبثق منه وسائل الإدارة السياسية.

ويخلُص المؤلف -بعد سرده تقاتل بعض القدامى كالشهرستاني وابن خلدون حول "النموذج"- إلى أن الدولة الإسلامية المتحققة هي تلك التي جسدها نظام الخلافة، وإذا ما استثنينا العهد الراشدي الذي يشكل قوام النموذج المثالي للدولة والحكم، فإن الباقي منه ملك عضوض مطعون في شرعيته وبتوظيفه نصوص الدين في سياسة الحكم، بما يحقق استبداد الحاكم وإعادة إنتاج أدوات سلطته.

لافتا إلى انقسام حاد حول ذلك النموذج التاريخي، بين من يرى ضرورة تبني منهج التجديد والاجتهاد ناهلا من تراث الإصلاحيين الأوائل، وبين السلفيين الذين حافظوا على صفاء الفكرة وتجمدوا في لحظتها التاريخية، وبين من قام بمزاوجتها مع الفكر الإخواني أو القطبي ليعيد إنتاجها -وفقا للكاتب- على شكل السلفية الجهادية المقاتلة.

الإنصاف يقتضي القول إن طبيعة الأنظمة التسلطية العربية لم تتح للإسلاميين مجالا لاختبار فرضية: "الدمج والاعتدال مقابل الإقصاء والتشدد"

وبالتالي، "ليس في وسعنا أن نغامر ونستنتج أن نموذجا عربيا معاصرا قد تبلور بصيغة ما، فثمة أكثر من صيغة معاصرة اليوم للمشروع الإسلامي في علاقته بالدولة".

مشيرا إلى ثلاثة نماذج معاصرة متباينة المظهر والجوهر، هي: النموذج "الطالباني"، والنموذج "الإيراني"، والنموذج "التركي".

الدعوة والدولة
ويذهب الدكتور عبد الغني عماد إلى إن وصول الإسلاميين إلى السلطة من دون تملكهم العدة النظرية اللازمة في مسألة الدولة، وتمركز خطابهم التركيبي بين محوري الدعوة والدولة، قد أرسى نوعا من الالتباس بين دولتهم "الإسلامية" المنشودة والدولة الديمقراطية، على الرغم من الجهود المهمة المبذولة لسد الفجوات من قبل هذه الحركات وبعض مفكريها.

وذكر أن الإسلاميين قدموا خطابا تركيبيا بين الدعوة والدولة، وقاموا بتنميطه في الوعي الحركي لجيل كامل من دون البحث المعمق في إشكالياته لا من الناحية النظرية ولا من الناحية التطبيقية، وهو الأمر الذي أفضى حين تصدى الإسلاميون للعمل السياسي الحقيقي إلى صدامات ثقافية واجتماعية وعقدية كبيرة.

وبعد الإشارة إلى نماذج التشدد المنبعث من سيطرة الإيديولوجيا في بعض التجارب السياسية الحديثة لإسلاميين، أكد عماد على أن الإنصاف يقتضي القول إن طبيعة الأنظمة التسلطية العربية لم تتح للإسلاميين مجالا لاختبار فرضية "الدمج والاعتدال مقابل الإقصاء والتشدد "فالحركات الإسلامية كغيرها من التعبيرات السياسية المحافظة والمؤدلجة، يمكن إخراجها من سياقها الأيديولوجي المغلق، وترشيد سلوكها السياسي في ظل أنظمة ديمقراطية تقبل بإدماج المعارضة في صميم بنيتها، وهو أمر كان مستحيلا في ظل النظام العربي الرسمي، إلا أنه صار ممكنا بعد ثورات الربيع الربيعي.

من التنظير إلى الممارسة
يرى المؤلف أن الإسلاميين ضيعوا وقتا طويلا في السعي إلى السلطة من خلال تسييس الدين، وها هم قد وصلوا إلى مبتغاهم في بعض البلدان العربية، ومن بينها مصر بموقعها ودورها وحجمها، لكن معالجتهم قد نتج عنها غياب لنموذج "الدولة" في نتاجهم الفكري والثقافي، فالنص الحزبي الإسلامي أهمل الجوانب التأسيسية للعمل السياسي الكامنة في المجتمع نفسه الذي يضم الفاعلين الحقيقيين أصحاب المصلحة في صناعة الدولة، ذلك أن هدف السياسة الرئيسي ليس تغيير عقائد الناس وأفكارهم، بل رعاية مصالحهم بالاستناد إلى الروح الثقافية والحضارية العامة التي تسود المجتمع.

منطق الدعوة يختلف عن منطق الدولة، ففي الأولى تمثل الأيديولوجيا رأسمالا غنيا، وفي الثانية تمثل عبئا شاقا، لذا يكثر فيها الحديث عن فقه المصلحة والضرورة  والموازنات

وقد تعرض المؤلف لتجربة الإخوان المسلمين القصيرة في حكم مصر، وعوامل التعثر التي صاحبت فترة حكمهم، كما تنبأ بعودة "الإخوان" فاعلا رئيسيا في الحراك السياسي مستقبلا، نظرا لما يمتلكونه من أدوات تاريخية وثقافية واجتماعية ومرونة في التكيف مع الضغوط السياسية، على الرغم من أنه يذهب إلى أنه ليس من المنتظر أن تبدأ الجماعة في النقد الذاتي لتجربتهم في الوقت القريب.

وأخيرا، فقد قدم الإسلاميون -كما قدم غيرهم- الكثير من المثل و"الطوباويات" وهم في المعارضة، لكنهم خسروا كثيرا من "طهرانيتهم" في اللحظة التي دخلوا فيها عالم السياسة والحكم.

وذلك ما يضعنا أمام حقيقة ذكرها الدكتور عبد الغني عماد حين قال: إن "المشاركة في السلطة تروّض الأيديولوجيا، وتدفع بالفاعلين السياسيين إلى "عقلنة" الخطاب، وتضعهم في مواجهة الواقع، فمنطق الدعوة يختلف عن منطق الدولة، ففي الأولى تمثل الأيديولوجيا رأسمالا غنيا، وفي الثانية عبئا شاقا، لذا يكثر فيها الحديث عن فقه المصلحة والضرورة والموازنات".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة