جنرالات في مجلس الوزراء   
الخميس 8/9/1428 هـ - الموافق 20/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:44 (مكة المكرمة)، 11:44 (غرينتش)

عرض/أحمد فياض

تنبع أهمية هذا الكتاب المترجم عن الإنجليزية للبرفسور يورام بيري، من كونه يطرق باب جدلية السياسي والعسكري في إسرائيل من وجهة النظر الإسرائيلية، ويركز في فصوله الستة عشر، على ملابسات العلاقة الإشكالية بين الجيش والسياسة، في فترة الانتفاضة الثانية وتجلياتها في الحراك السياسي الداخلي، والصراع الشرق أوسطي.

ويعد الكتاب إضافة نوعية جديدة، لما صدر من معالجات إسرائيلية لهذه القضية خلال هذه الفترة، بل ويتميز بتنبئه بمستقبل إشكالية العلاقة بين السياسي والعسكري التي يخلص إلى أنها ستبقى على توترها، نتيجة استمرار الأزمة السياسية، الناجمة عن ضعف المستوى السياسي، وعجز الحكومة الإسرائيلية عن صياغة أوامر واضحة المعالم، وميلها المتكرر إلى التهرب من المسؤولية، وإلقائها على عاتق الجيش.

كما يخرج هذا الكتاب بنتيجة مفادها، أن ضعف الآليات البنيوية لسيطرة المدنيين على الجيش، والتباس الحدود بين الجيش والسكان المدنيين اليهود، وطبيعة الصراع الإسرائيلي مع الفلسطينيين، أسهم في تعميق انخراط الجيش الإسرائيلي في العملية السياسية، والعمل السياسي، سواء في مجالات تتعلق بالحرب، أو المفاوضات الدبلوماسية.

ويتطرق الكتاب كذلك إلى ارتفاع حدة الاستياء في أوساط إسرائيلية كثيرة من انخراط الجيش الإسرائيلي في الشأن السياسي، وذيوع الثقافة الأمنية في المجتمع الإسرائيلي إلى درجة باتت الغالبية العظمى من المدنيين الإسرائيليين تعتقد فيها أن إسرائيل ليست صاحبة اليد الطولى في الحرب المستمرة ضد الفلسطينيين، لأن المستوى السياسي لم يضع أهدافا واضحة لتلك الحرب، ولم يحدد الإستراتيجية المطلوبة لتحقيقها.

- الكتاب: جنرالات في مجلس الوزراء
- المؤلف: يورام بيري
- المترجم: حسن خضر
- الصفحات: 298
- الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية/مدار، رام الله
- الطبعة: الأولى/يوليو2007

حرب منخفضة الكثافة
ويخوض مؤلف الكتاب، وهو سياسي وإعلامي مخضرم، في تفاصيل النقاشات الإجرائية والمفاهيمية في حقبة الانتفاضة الثانية، متعمقاً من خلالها في مكونات الوعي الإستراتيجي الإسرائيلي، وما يحدد مضامين هذه المكونات، وانعكاساتها على الممارسة السياسية والعسكرية في الآن ذاته.

ويتضح من محتويات الكتاب أن الجيش الإسرائيلي توّقع الانتفاضة، وأعد العدة لمجابهتها قبل انطلاق شرارتها الأولى بعام واحد على الأقل.

لكن ما يسترعي الانتباه، يتمثل في ماهية الخطة التي أعدها الإسرائيليون، والتزموا بتطبيقها على مدار السنوات السبع الماضية، حيث نظروا إلى المجابهة باعتبارها حرباً من طراز خاص، أقل من حرب تقليدية، وأعلى من اشتباك مسلح، وهذا ما أطلقوا عليه تسمية الحرب منخفضة الكثافة.

ويرى المؤلف الذي وضع في كتابه خلاصة دراسة بحثية أكاديمية أعدها حول هذا الموضع، بأن الحرب منخفضة الكثافة لا تستهدف تحقيق نتائج عسكرية حاسمة في الميدان، أو احتلال أراضي العدو، كما جرت العادة في الحروب التقليدية، بل إحداث تغييرات نوعية في وعيه للصراع، وإقناعه باستحالة تحقيق الهدف عن طريق القوة، مما يستدعي تضافر عوامل القوّة العسكرية، مع وسائل الضغط الاجتماعي والسياسي والمعنوي، لإرغام العدو على الاستسلام.

وفي سياق كهذا، تستمر المجابهة لسنوات، ولا تتضح نتائجها النهائية قبل مرور فترة طويلة من الوقت، فهي في التحليل الأخير، حرب طويلة الأمد لأنها مجابهة بين مجتمعين، كما يتضح من معالجات الكتاب.

مترجم الكتاب حسن خضر يرى من جهته، أن ما فعله الإسرائيليون في الأيام الأولى للانتفاضة، وما يفعلونه في الوقت الحاضر، سواء ما يتعلق بإضعاف السلطة الفلسطينية، أو تقطيع أوصال التجمعات السكانية، وفرض نظام الإغلاق لفترات طويلة من الوقت، وشن هجمات خاطفة، واغتيال نشطاء فلسطينيين، واستفزازهم كلما سنحت فرصة لاستتباب الهدوء، لا يمثل سوى جوانب تفصيلية في إطار إستراتيجية بعيدة المدى، تستهدف الحيلولة دون التقاط المجتمع الفلسطيني لأنفاسه، والعمل على تقويضه.

ويلفت النظر في تقديمه للكتاب، إلى أن ما عاشته وتعيشه الأراضي الفلسطينية، يندرج حسب التعبيرات الشائعة في إطار تسميات من نوع الانفلات الأمني، وفوضى السلاح، ليس في حقيقة الأمر سوى نتائج مبكرة لما سعى الإسرائيليون إلى تحقيقه بوسائل مباشرة وغير مباشرة.

"
دور الجيش في السياسة الإسرائيلية في تصاعد، والعلاقة المأزومة بين الجنرالات والمدنيين مرشحة لمزيد من التوتر والصراع السافر أحيانا، والكامن في أروقة الحكم ومؤسسات الدولة أحيانا أخرى
"
أسئلة وإجابات مزدوجة
وعلى كلٍ فإن الكتاب يحاول منذ بدايته وحتى نهايته، الإجابة عن أسئلة كثيرة، من بينها، هل يتحكم الجيش بقرار الحرب والسياسة في إسرائيل، أم يتلقى الأوامر من قيادات سياسية مدنية؟

وماذا يفعل إذا اصطدمت مصالحه، ورؤاه العسكرية والسياسية مع مصالح ورؤى الساسة المدنيين؟ وهل سينقلب الجيش ذات يوم على المؤسسة المدنية الحاكمة لإنشاء دكتاتورية عسكرية، كما حدث في مناطق كثيرة من العالم؟ أم أن الجيش الإسرائيلي لا يحتاج إلى أمر كهذا ما تمكن من تحقيق إرادته من وراء الكواليس؟

واللافت في الأمر أن القارئ سيجد في ثنايا الكتاب، إجابات مزدوجة ومعقدة، لكنها في جميع الأحوال تؤكد أن دور الجيش ونفوذه قد شهدا صعوداً مطرداً خلال العقود القليلة الماضية، على حساب صدقية ومكانة القيادات السياسية المدنية إلى حد بعيد، لعدم وجود ساسة من طراز رفيع أولا، ونجاح المصالح الضيقة والصراعات الحزبية في شل قدرة السياسيين عن الحركة، وحرمانهم من التحلي بالشجاعة، وامتلاك زمام المبادرة ثانياً.

وإذا ما نظرنا إلى حقائق كهذه على خلفية الهوس الأمني السائد في المجتمع الإسرائيلي، فلن يكون من قبيل المجازفة القول، إن دور الجيش في السياسة الإسرائيلية في تصاعد، وإن العلاقة المأزومة بين الجنرالات والمدنيين تبدو مرشحة لمزيد من التوتر والصراع السافر أحيانا، والكامن في أروقة الحكم، ومؤسسات الدولة في أحيان أخرى".

الجيش راسم السياسة
ولذلك ما سيسترعي انتباه القارئ المتصفح لهذا الكتاب هو أن الجيش الإسرائيلي لم يكن منذ بداية الانتفاضة الحالية الذراع التنفيذية التي شنت الحرب على السلطة والفصائل الفلسطينية وحسب، بل كان أيضاً صاحب دور أساسي في رسم سياسة إسرائيل الأمنية والخارجية، مستخدماً من النفوذ على المستوى البناء الفوقي السياسي والإستراتيجي والميداني، ما لا يقل عن نفوذه على الصعيد التقني العسكري.

ويبرز أيضاً أن الجيش تصرف باعتباره أحد اللاعبين السياسيين الأساسين، وكان شريكاً في صنع السياسة، ولم ينخرط فيها كهيئة تأتي إلى السياسة من الخارج، بل انخرط فيها كشريك من الداخل، وصاحب رهانات.

ويكتشف المؤلف بعد استطراده في بحثه، أن هذا الوضع لم ينشأ مع انتفاضة الأقصى، بل كان قائماً أيضاً في مطلع عقد التسعينيات، وأصبح واضحاً أن الجيش كان صانعاً أسياسياً للقرار فيما يتعلق بسلوك إسرائيل خلال حربها الثامنة التي خاضتها ضد لبنان وحزب الله الصيف الماضي، وأيضاً في سلوكها خلال عملية السلام قبل عشر سنوات.

ويخلص الكاتب إلى أن الجيش يملك رؤية واضحة خاصة به تجاه الشرق الأوسط، وشجع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تبنيها.

"
الجيش اكتسب قدرته السياسية الفائقة عبر دور شعبة الاستخبارات العسكرية المسؤولة عن جمع المعلومات عن أعداء إسرائيل، واضطلاعها برسم سياسة إسرائيل الخارجية إضافة إلى هيمنتها على سائر الأجهزة الأمنية بشكل عام
"
محاور الكتاب
في الفصل الأول من الكتاب يرفض المؤلف الذي تقلد العديد من المناصب الرسمية والحزبية والألقاب الأكاديمية في إسرائيل وخارجها، فرضية أن موقف الجيش الإسرائيلي من السياسة ينسجم مع النموذج الوظيفي، موضحاً أن الجيش ليس مجرد أداة في يد السلطات السياسية، ويناقش في سبيل محاولة تقديم الدليل على ذلك عبر مناقشته لسؤال رئيسي هل إسرائيل مجتمع تحكمه النزعة العسكرية؟

ويصف المؤلف في الفصل الثاني، التغيرات الجيوإستراتجية التي شهدها الشرق الأوسط في أواخر عقد الثمانينيات، مما حدا بالجيش الإسرائيلي إلى التوصية بإجراء تحولات جذرية في سياسة إسرائيل تجاه جيرانها العرب، الأمر الذي أفضى في نهاية الأمر إلى قرار الحكومة الإسرائيلية بفتح باب التفاوض على تسوية سياسية تقضى بالتخلي عن المناطق المحتلة في حرب الأيام الستة في العام 1967.

ويناقش الكاتب في الفصلين الثالث والرابع مسألة نادرا ما نوقشت في الدراسات المتعلقة بالجيش الإسرائيلي، وهي بعده السياسي، ويتناول في هذا الصدد بشيء من التحليل في الفصل الثالث هيكلية الجيش.

ويوضح كيف اكتسب قدرته السياسية الفائقة، عبر دور شعبة الاستخبارات العسكرية المسؤولة عن جمع المعلومات الاستخبارية عن أعداء إسرائيل، واضطلاعها برسم سياسية إسرائيل الخارجية إضافة إلى هيمنتها على سائر الأجهزة الأمنية بشكل عام.

تصدع العلاقة
أما الفصل الرابع من الكتاب فيبرز كيف تصرف الجيش باعتباره آلة سياسية في أواخر عقد الثمانينيات، عندما قرر أن مصلحة إسرائيل تستدعي الانخراط في عملية للسلام، وإقدام رئيس الحكومة إسحاق رابين على إشراكه كشريك أساسي في المفاوضات وصنع السياسة، ولكن تظهر نهاية الفصل أيضا، كيف تغيرت هذه الصورة في العام 1996.

ويورد في الفصل الخامس، كيف أدى اغتيال رابين، وصعود حزب الليكود، برئاسة بنيامين نتنياهو إلى السلطة، إلى وقف عملية السلام، وتصدع العلاقة بين الجيش وقائده السياسي، وتسبب ذلك في نشوب ردة فعل عنيفة من جانب نخبة إسرائيل العسكرية حول موضوعات الأمن القومي.

ويظهر في الفصل السادس، كيف خبا أمل عودة حكومة يسار الوسط، بقيادة رئيس هيئة الأركان السابق إيهود بارك، في استئناف المفاوضات وعملية السلام بعد فشل قمة كامب ديفد في تموز 2000، واندلاع الانتفاضة في سبتمبر/أيلول من ذلك العام.

ورد الجيش على تلك الأحداث بصياغة سياسية جديدة متصلبة، وقاسية تجاه الانتفاضة الفلسطينية، وبقدر ما كان الجيش مبادراً وشريكاً بالفعل، تحول إلى مدافع قوي وصريح عن الخط المتشدد الجديد.

وبينما يصف الفصل السابع حالة التوتر والنزاع بين الحكومة والجيش، خلال ولاية شارون الأولى، من عام 1999 وحتى 2002، نتيجة النوع الجديد من الحرب التي واجهتها إسرائيل مع الفلسطينيين وهي التي أشار إليها المؤلف بأنها حرب منخفضة الكثافة، يحلل الفصل الثامن حرب مكافحة التمرد التي شنها الجيش الإسرائيلي باعتبارها من تجليات هذا النوع من الحروب، التي يتسم بها عالم اليوم.

ويستطرد المؤلف في الفصل التاسع في سلوك موفاز ويعلون، باعتبارهما رئيسين لهيئة الأركان من منظور تاريخي، وينتقل إلى تحليل المكانة الخاصة لرئيس الأركان كلاعب سياسي رئيس في إسرائيل.

كما يخضع للتحليل دور رؤساء سابقين لهيئة الأركان في موضوع صناعة القرار والانتقال من حرب إلى سلام يقتضي التخلي عن الأرض.

"
النفوذ الكبير للجيش على صناعة السياسة في إسرائيل والتوتر بين جنرالاته وحكومته لا يصدر عن رغبة في انتزاع مقاليد الحكم من يد السياسيين، بل عن ضعف السياسيين، بسبب الصراع العنيد مع الفلسطينيين في ظل عدم امتلاك الحكومة برنامج تسوية سياسية للمشكلة التي خلقتها الانتفاضة الفلسطينية
"
توتر العلاقة

وفي حين يركز الكتاب عبر فصوله من الأول وحتى العاشر على الساحة السياسية، متناولاً الحكومة في جانب، والجيش في جانب آخر، فإنه في الفصلين الحادي عشر والثاني عشر، ينطلق في الحديث عن مصير المدنيين الفلسطينيين، على قاعدة أن حرباً منخفضة الكثافة على غرار الانتفاضة، لا تخاض ضد النواة الصلبة للمقاومة فحسب، لكنها تخاض أيضاً ضد المدنيين الذين يعملون في وسط من وصفهم الكتاب بالمتمردين.

ويطرح العديد من الأسئلة حول المسوغات القانونية والإجرائية، في مثل هذه الحرب والوسائل المستخدمة ونواحي أخرى لها علاقة بالالتزام الأخلاقي وطهارة السلاح، وعدم إيذاء المدنيين.

وينتقل الكتاب في الفصل الثالث عشر إلى الحديث عن توالي الأحداث، ويحلل دعاوى الفلسطينيين والإسرائيليين بالانتصار، ويرى أن إسرائيل لم تتمكن من تحقيق الأهداف الإستراتجية التي تخصها.

فلا هي أرغمت الفلسطينيين على الاستسلام، ولا هي غيرت من أهدافهم، مع العلم أن هذا هو الهدف الرئيس لحرب مكافحة التمرد، كما يعالج الفصل بشكل إضافي توتر العلاقات العسكرية السياسية بسبب الانتفاضة.

أما الفصول الثلاثة الأخيرة، فتواصل التحليل النظري لنموذج الشراكة العسكرية السياسية، حيث يعرض الفصل الرابع عشر لأسباب التوتر بين ثقافتين في إسرائيل، ثقافة الأمن وثقافة الدبلوماسية.

ويرى الكاتب أنه رغم أن نصيب الفلسطينيين من مسؤولية الفشل في كامب ديفد، واندلاع الانتفاضة الثانية كبير، فإن ثقافة إسرائيل الأمنية جعلت منها شريكاً في الفشل واستمرار العنف.

وفي الفصل الأخير يوجز الكاتب البحث في هذا الموضع، ويعرض بعض التوصيات لتحسين العالقة بين الجنرالات ورؤسائهم السياسيين، متوصلاً إلى أن النفوذ الكبير للجيش على صناعة السياسة في إسرائيل والتوتر بين جنرالاته وحكومته لا يصدر عن رغبة من جانبه في انتزاع مقاليد الحكم من يد السياسيين، بل عن ضعف المستوى السياسي، بسبب الصراع العنيد مع الفلسطينيين في ظل عدم امتلاك الحكومة برنامج تسوية سياسية للمشكلة التي خلقتها الانتفاضة الفلسطينية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة