الأمن الغذائي العربي   
الثلاثاء 1430/11/9 هـ - الموافق 27/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:40 (مكة المكرمة)، 10:40 (غرينتش)

عرض/حسين عبد العزيز
تواجه البلدان العربية في مطلع القرن الحادي والعشرين إشكاليات اقتصادية متعددة، وفي مقدمة هذه الإشكاليات مسألة محددات النمو، وسيادة قيود الأمن الغذائي، وتعميق آليات إنتاج الفقر والجوع.

ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول: فبعد الفصل الأول الذي يتناول المفاهيم التاريخية، يبحث الفصل الثاني عولمة الغذاء وآليات تحليل العجز الغذائي، أما الفصلان الثالث والرابع فيتناولان الأمن الغذائي في علاقته بالإشكاليات الموروثة وفي علاقته بالعالم المتغير، ويبحث الفصلان الخامس والسادس إشكاليات الأمن الغذائي وممكنات الموارد الزراعية، لينتهي الفصل السابع والأخير في البحث عن رؤى في منهجية الأمن الغذائي.

مدخل تاريخي

-الكتاب: الأمن الغذائي العربي (مقاربات إلى صناعة الجوع)
-المؤلف: د. سالم توفيق النجفي
-عدد الصفحات: 270
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2009

اتسم العصر الحديث بصراعات وضغوط دولية قادت إلى حروب حول الموارد المنتجة للسلع، فواجهت المجتمعات المعتدى عليها أوضاعا غذائية سيئة، قادت في كثير من الأحيان إلى مجاعات.

كما أن الفلسفة الاقتصادية وطبيعة الحكم والفساد أدت إلى خفض قدرة أفراد المجتمع الشرائية، وتعكس أزمة الكساد العالمية نهاية العقد الثاني من القرن العشرين إحدى صور الحالة الأخيرة، وكان للآراء الكنزية في مجال خلق الطلب الفعال آنذاك آثار محسوسة في التحسن الذي طرأ على معظم المجتمعات.

ويرى مؤلف الكتاب أن نماذج التنمية الاقتصادية الزراعية وبرامج إنتاج الغذاء تأثرت بأكثر من فلسفة اقتصادية، إذ انقسمت جغرافية العالم ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى ثلاثة أنماط مختلفة في مساراتها الأيديولوجية، اعتمدت الأولى النظرية الاقتصادية الكلاسيكية ومتضمنات السوق في النشاط الاقتصادي، واعتقدت الثانية أن التحكم في توزيع الموارد وفقا للتخطيط المسبق أكثر عدالة في توزيع عوائد عناصر الإنتاج، أما المجموعة الثالثة (الدول النامية) فقد اعتمدت مسارات مختلفة عن النموذجين السابقين.

ويؤكد المؤلف أن النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الحديثة قد انتصرت في امتداداتها التوسيعية في بعض جغرافية العالم الثالث في العقود الثلاثة الماضية باعتبارها إحدى المرجعيات الأيديولوجية للنظام الاقتصادي الرأسمالي، وبذلك سادت الدعوة إلى الليبرالية، واتجه نمط توزيع الفائض الاقتصادي ولا سيما الزراعي نحو رأس المال المزرعي، الأمر الذي أوجد تفاوتا في نمط توزيع الدخل.

الأمن الغذائي وعولمة الغذاء
يشير مفهوم الأمن الغذائي إلى إمكانية حصول أفراد المجتمع في الأوقات كلها على الغذاء الكافي الذي يتطلبه نشاطهم وصحتهم.

ويرى المؤلف أن البلدان العربية تواجه نوعين من انعدام الأمن الغذائي: يوصف الأول بأنه مزمن يعود إلى متغيرات مترابطة يتقدمها انخفاض إنتاجية وحدة المواد الزراعية وندرتها، وتدني الإمكانات المادية التي تطلبها التنمية، بينما يوصف النوع الثاني بأنه مؤقت، وغالبا ما يسود هذا النوع من جراء عدم كفاءة الأداء الاقتصادي الزراعي، والأزمات الطارئة على الاقتصاديات الزراعية.

ويوضح المؤلف أن مسارات الأمن الغذائي ارتبطت في معظم البلدان العربية في مطلع الألفية الثالثة بمسارات العولمة وتأثيراتها، لا سيما تلك المتعلقة بسياسات إدارة الطلب المؤثر في القدرة الشرائية للأفراد المنخفضي الدخل.

ويذهب المؤلف إلى أن العولمة كانت وراء إعادة هيكلة الاقتصاديات الحديثة على صعيد الدولة والمجتمع المدني، وفقا لأطر نظرية جديدة ذات أبعاد أيديولوجية تشكل بيئة مساعدة لظهور القوى الفاعلة للعالم الاقتصادي الجديد، ويتابع المؤلف فيقول إن العولمة تفهم وفقا لذلك على أنها تغيرات راديكالية تستهدف التطور نحو ريعية اقتصادية جديدة.

ويؤكد المؤلف أنه على الرغم من بعض التأثيرات الإيجابية للعولمة بالنسبة للأمن الغذائي، مثل تحفيز البيئة الملائمة للمنافسة في الإنتاج، فإن تأثيراتها السلبية تشير إلى تزايد البطالة، وانتقال جزء من الفائض الزراعي إلى عوائد الاستثمار الأجنبي المباشر خارج حدود دائرة النشاط الاقتصادي الزراعي القومي.

"
تحرير تجارة السلع الغذائية في ظل أجواء عولمة الغذاء، يقرب الأسعار المحلية من نظيرتها العالمية، ويحقق توازنا جديدا يرفع الأسعار إلى الأعلى قليلا، ومن ثم يخلق عجزا غذائيا لدى فئات واسعة من أفراد المجتمع
"
إن تحرير تجارة السلع الغذائية في ظل أجواء عولمة الغذاء، يقرب الأسعار المحلية من نظيرتها العالمية، ويحقق توازنا جديدا يرفع الأسعار إلى الأعلى قليلا، ومن ثم يخلق عجزا غذائيا لدى فئات واسعة من أفراد المجتمع، وبذلك يعاني الأفراد في أعلى درجات الفقر حالات جوع، وهو ما يتطلب دعما لمستلزمات الإنتاج، تقود الأخيرة إلى خفض جدول التكاليف الذي يؤثر بدوره في الأسعار نحو الانخفاض، والكمية من الغذاء نحو الارتفاع.

وقد تؤدي حوافز الأسعار المرتفعة عند مستويات معينة إلى تحول الدولة من كونها مستوردة للغذاء إلى مصدرة له، ويؤدي ذلك إلى دعم أمنها الغذائي بدلا من أن تنقصه، إلا أن ذلك قليل الحدوث في البلدان العربية.

الأمن الغذائي العربي والإشكاليات الموروثة
لقد ورثت أوضاع الأمن الغذائي العربي في مطلع الألفية الثالثة إشكاليات معقدة متأتية من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تراكمت خلال القرن العشرين، وقيدت فاعلية البرامج الساعية إلى النمو والتنمية، وأبطأت من سبل معالجة العجز النسبي في الغذاء.

ويبين المؤلف أن أهم الإشكاليات الموروثة، هي نمط السياسات الاقتصادية الزراعية في البلدان العربية وتباينها من حيث نشأتها، فقد اتصفت بعض هذه السياسات بالنزعة الاشتراكية والتطرف بتدخل الدولة في الشأن الزراعي، وبموجب هذه السياسات لم تعد للموارد حرية الاستخدام وفقا للمفاهيم الاقتصادية الحدية.

وبالعودة إلى تاريخ السياسات الزراعية في بعض الدول العربية، يؤكد المؤلف أن برامج تنمية إنتاج الغذاء خضعت لآليات تعظيم إنتاجه، لا سيما في مصر والعراق وسوريا والجزائر واليمن، وبذلك اتسمت الأسعار الكلية بقدر من الجمود.

وفي مطلع التسعينيات اتجهت العديد من الدول العربية نحو أوضاع زراعية جديدة متكيفة مع إستراتيجية الاقتصاد الليبرالي، في محاولة لتقليص دور الدولة في الشأن الاقتصادي الزراعي، غير أن ذلك لم يشكل توازنا بين السوق والدولة والمجمع المدني لإعادة تصحيح الاختلالات في البنية الاقتصادية والاقتصادية الزراعية، وبذلك اختلفت أنماط السياسات الاقتصادية الزراعية في البلدان العربية نحو تحقيقها لمؤشرات الأمن الغذائي العربي، ففي حين انخفضت قيمة معامل جيني للتوزيع الحيازي في العراق وسوريا ومصر، ارتفعت في السعودية.

وإضافة إلى الإشكالية الأولى يرى المؤلف أن هيمنة دولة الاقتصاد الريعي في البلدان العربية تعتبر أيضا من أهم الإشكاليات الموروثة، فخلال العقود الماضية فشلت برامج التنمية الاقتصادية، ويعود ذلك إلى النظام السياسي الريعي.

ويوضح المؤلف أن النظامين الاقتصادي والسياسي الريعيين لا يتوافقان مع مفاهيم اقتصادات الإنتاج، على اعتبار أن الأخير ذو صفة محاسبية يفرض المساءلة والشفافية في التعامل مع ثروة الدولة وناتجها المحلي.

الأمن الغذائي العربي في عالم متغير
"
تزايد التدخل الحكومي أفقد الأسواق العديد من مزاياها، الأمر الذي قاد بعض الاقتصادات العربية إلى الاعتماد على برامج التثبيت والتغيير الهيكلي بعد منتصف عقد السبعينيات، وترتب عليه تحرير الأسعار والتجارة الخارجية
"
بلغت التغيرات الاقتصادية شأنا غير مسبوق في التاريخ الاقتصادي، إذ أمكنها بوسائل متعددة نقل الفائض الاقتصادي من معظم اقتصادات العالم النامي إلى المنظومة الرأسمالية، عبر إرهاصات العولمة التي أسست الدولة الافتراضية، في حين تعاني معظم الدول العربية جمودا أمام مسارات التغيير والتحديث.

ويرى المؤلف أن البلدان العربية واجهت في ظل التغيير المتسارع في العالم أوضاعا غير محفزة لتنمية القدرات الأساسية لأفراد المجتمع، وفي مقدمها سياسات التوزيع في الاقتصاد الريعي، وأولوية الإنفاق الحربي.

وفرض هذا المناخ على خيارات أفراد المجتمع من أجل تنمية قدراتهم وتطوير مهاراتهم، قيودا تمخض عنها تزايد حالة عدم المساواة في توزيع الدخل، فقد تبين أن 20% من أفقر أفراد المجتمع، تضمهم إحدى عشرة دولة عربية، تمثل مجتمعاتها ما يزيد على ثلاثة أرباع سكان الوطن العربي.

ويبين المؤلف أن تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي في معظم البلدان العربية خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، أدى إلى انحراف استخدام الموارد الاقتصادية عن مفاهيم فرصة التكاليف البديلة، ولذلك عانت أسواق الموارد والسلع النهائية تشوهات لانحرافها عن الأسعار النسبية.

وعلى الرغم من أن هذه الأسواق تتطلب قدرا من تدخل الدولة، فإن تزايد التدخل الحكومي أفقد تلك الأسواق العديد من مزاياها، الأمر الذي قاد بعض الاقتصادات العربية إلى الاعتماد على برامج التثبيت والتغيير الهيكلي بعد منتصف عقد السبعينيات، وترتب عليه تحرير الأسعار والتجارة الخارجية الزراعية، وتحفيز التحول من الملكية العامة إلى نظيرتها الخاصة.

ممكنات الأمن الغذائي العربي والخيارات المعاصرة
يبين المؤلف من خلال اتجاهات التجارة الخارجية للغذاء خلال العقود الماضية تزايد الاعتماد على السلع الزراعية، وهو ما ترتب عليه اتساع الفجوة الغذائية قيمة وحجما، وتعرضت موازين التبادل التجاري الزراعي إلى ضغوط بسبب قوى السوق العالمية، أو تحكم المؤسسات الزراعية المحلية في أسعار السلع الغذائية.

وقد أثرت الصدمات الاقتصادية في تراجع حالة الأمن الغذائي، ولا سيما في البلدان العربية التي تعتمد في اقتصاداتها على مورد واحد، وتلك البلدان الأقل نموا.

ويؤكد المؤلف أنه على الرغم من استمرار البحث عن إستراتيجيات تسعى إلى تحسين معدل التبادل التجاري الزراعي العربي، فإن المشكلة هي الانخفاض النسبي في المرونة الكلية للعرض، وهو ما أضعف القدرة التحفيزية للأسعار الزراعية بسبب محدودية الخيارات التكنولوجية المتاحة في النشاط الزراعي، وقد شكل عدم تكامل الأسواق الزراعية العربية، وتواضع كفاءة بنيتها التحتية، قيدا أمام قدرتها على تحسين الأمن الغذائي العربي.

وقد صنفت الدول العربية إلى أربع مجموعات:
-الصومال: التي تتسم بعدم فاعلية إعادة توزيع الغذاء.
-اليمن والسودان: اللذين لم يعد متوسط نصيب الفرد فيهما كافيا كي تحدث إعادة توزيع الغذاء آثارا إيجابية.
-الجزائر والأردن والسعودية والكويت: ويشير متوسط نصيب الفرد من إمدادات الغذاء فيها إلى أنه مرتفع لتمكين برامج إعادة توزيع هذه الإمدادات من إحداث آثار ايجابية متواضعة.
-بقية الدول العربية، ويشير متوسط الإمدادات من الطاقة الغذائية فيها إلى أنه يمكن للإجراءات التوزيعية من إحداث آثار إيجابية لأوضاع نقص الغذاء وتفاوت توزيعه.

"
التوجهات الرئيسية لإستراتيجية الأمن الغذائي العربي تشير إلى ضرورة التنسيق بين الاقتصادات الزراعية على الصعيد الإقليمي، وفقا للميزة النسبية للإنتاج الغذائي، والاهتمام بتنمية الموارد المائية والمشتركة
"
تواجه اقتصادات الغذاء في البلدان العربية إشكالية التناقض بين أجواء السوق العالمية من جانب، والقيود والمحددات التي تعانيها المواد الزراعية في البلدان العربية، وضعف مرونتها تجاه التوسع في عرض الغذاء من جانب آخر.

ويبين مؤلف الكتاب أن التوجهات الرئيسية لإستراتيجية الأمن الغذائي العربي تشير إلى ضرورة التنسيق بين الاقتصادات الزراعية على الصعيد الإقليمي، وفقا للميزة النسبية للإنتاج الغذائي، والاهتمام بتنمية الموارد المائية والمشتركة من خلال تطوير قاعدة البيانات والتشريعات الحاكمة لاستخدام المياه إقليميا، وكذلك تطوير الموارد الأرضية الزراعية، والاهتمام المتزايد بتطوير القدرات البشرية.

رؤى في منهجية الأمن الغذائي العربي
يطرح المؤلف في الفصل الأخير من الكتاب سؤالا أساسيا هو ما العمل؟ ويجيب عنه بضرورة اتخاذ الدول العربية بعض الإجراءات لتفعيل آليات تحقيق الأمن الغذائي العربي، وأهم هذه الإجراءات:
- يقتضي تحقيق قدر مرض من التجانس في الفلسفة الاقتصادية الاجتماعية بين البلدان العربية.

- يقتضي لتحقيق مستويات مرضية من الأمن الغذائي العربي عدم الاندماج في مكونات هذا العالم الاقتصادية خارج مفاهيم الاعتماد الاقتصادي المتبادل.

- يقتضي إعادة النظر في السياسات الاقتصادية الكلية، وإعادة بنية إنفاق الناتج المحلي الإجمالي باتجاه القنوات المؤدية إلى تزايد خلق القيمة المضافة والفائض الاقتصادي.

- وضع برامج بعيدة المدى لإعادة تكوين القدرات الأساسية لأفراد المجتمع، وخصوصا فيما يخص التنمية البشرية، ومكافحة الفساد والاستبداد.

- اعتماد سياسات الاقتصاد الجزئي لزيادة القدرة التنافسية في استخدام الموارد في إنتاج الغذاء.

- تطوير استخدام الموارد التكنولوجية، الميكانيكية منها أو البيولوجية أو الكيميائية.

- تنمية مورد العمل الزراعي وتطويره من خلال تنمية القدرات البشرية الزراعية، وتحديث سياسات الأراضي الزراعية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة