آفاق التمرد   
الخميس 1425/11/26 هـ - الموافق 6/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)
عرض/ إبراهيم غرايبة
يصلح التمرد مدخلا لتفسير التاريخ، والعمل الإنساني المتراكم لأجل الحرية والإبداع والتغيير والمقاومة، ويتداخل مع العلم والهجرة والحضارة والإنتاج والحروب والحب والسلام، ويبدو حاضرا في الدين والأدب والفلسفة. وظهر التمرد والتحدي مرافقا للإنسان منذ بدء الخليقة وفجر الحياة، وكان جوهريا في الأساطير والتراث. وربما تكون الحياة الكونية في مخترعاتها ومكتشفاتها ومنجزاتها سلسلة من التمرد والمتمردين.
 
الإنسان كائن متمرد

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية





 

- اسم الكتاب: آفاق التمرد: قراءة نقدية في التاريخ الأوروبي والعربي الإسلامي
- المؤلف: فاروق القاضي
-عدد الصفحات: 574
- الطبعة: الأولى 2004م

-الناشر:
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
ومركز البحوث العربية والأفريقية، القاهرة

الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي لم يرض أبدا عن حاله ولن يرضى عنها أبدا، يتطلع دائما إلى الأحسن ويسعى إلى الأفضل، يتمرد على ما هو كائن من أجل ما يجب أن يكون. وهكذا صنع التمرد التاريخ البشري.
 
تمرد الإنسان على الفناء والموت وسعى للخلود، فكانت الحيل والشجاعة والطب والدواء والسلاح والإبداع الذي يجعل للإنسان أعمالا خالدة بعد موته، فكان الإنساني هو الفاني الذي يصنع الخلود، وكان الأبطال الذين صنعوا الخلود آلهة لدى الإنسان يدفعون عنه الشر ويلهمونه، فكان الدين والأدب والفلسفة.
 
خاف الإنسان من الظلام وربط بينه وبين الموت، وكان غياب الشمس يعني الظلام والبرودة والوحوش، فعبد النار والشمس لأجل النور والخير والحماية من الشر والآثام. وكان صراع الخير والشر الأزلي الأبدي، وكان لدى الكنعانيين إله للخير (بعل) وإله للشر (موت)، واستهوت الفكرة بني إسرائيل عندما هاجروا من مصر إلى الشام فعبدوا آلهة الكنعانيين، "..قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.." (الأعراف:183). وبعد مئات السنين من الهجرة والاستقرار خاض أنبياء بني إسرائيل كفاحا دعويا لمناهضة عبادة الأصنام، فكان إلياس النبي الذي عاش قبل المسيح بتسعمائة عام في بلدة لستب في جبال عجلون والتي ما زالت خرائبها قائمة حتى اليوم، يقول لقومه كما في القرآن الكريم "أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين"  (الصافات:125)، لقد كانت الوثنية تمردا صنع التعددية والديمقراطية.
 
ووجد الإنسان أن هذه الأرض هي مصدر العطاء، لكنها تحتاج إلى الخصب حتى تقدم الثمر، فاتجه إلى السماء ووقع اختياره على الزهرة ذات الحسن والبهاء، فكانت إينانا عند السومريين، وعشتار عند الساميين، وفينوس عند اليونان.. ربة الجنس والعشار الذي يقاوم الفناء، فبالجنس يغزر النسل ويتوفر العطاء البشري والحيواني ويكون الاستمرار والبقاء.
 
عشتار تظهر مرتين في السماء، في الصباح وفي الليل، فهي آلهة الحرب في النهار لمقاومة الشر والموت، وآلهة الحب في الليل لتضمن البقاء والاستمرار، ولعل هذا سبب ظهور الجنس في بعض الديانات أمرا مقدسا. ويذكر ويل ديورانت في قصة الحضارة أن العهر المقدس والعذارى المنذورات كانت طقوسا تمارس في هيكل بني إسرائيل.
 
الوجود والتمرد
تربط الحضارات والأساطير بين الخلق والوجود والتمرد كخصيصة من خصائصها، فقد كان كاوس وفق الأساطير اليونانية والفرعونية إلها يحكم عالما مظلما قديما من مادة بلا شكل ولا معالم، ثم تمرد إريوس ابن الإله وتزوج أمه، وانفرد بإرادة الوجود، وأنجبا هيمرا إله النور وإيروس إله الحب وأطلقا الخصب والحياة في الأرض.
 
ثم خضع العالم لسلسلة من حروب الآلهة المتمردة كانت محصلتها الأنظمة الكونية القائمة وتوازنها، أي أنه نظام قائم على التمرد وكبحه، ويمثل فيها سيزيف الإصرار على التمرد، فهو يؤكد أن التمرد على القدر ليس عبثا، بل العبث هو ألا نتمرد على القدر، فقد سرق سيزيف الموت وكبله بالأغلال، وعبر عن ازدرائه للآلهة، فغضب عليه بلوتو إله الموت والجحيم وحرر الموت من قبضته وحكم عليه بعذاب دائم قائم على رفع صخرة عظيمة إلى أعلى جبل، لكنها ما أن تصل قمة الجبل حتى تهوي بسرعة البرق على العالم السفلي ليسارع بالهبوط ويعاود دفها من جديد إلى أعلى، وهكذا إلى الأبد.
 
يقول ألبير كامي "خلال هذه العودة.. هذه الوقفة، يتحول الوجه اللصيق بالصخر هو نفسه صخرا، ويعبر فيها سيزيف بعذابه اللانهائي عن ساعة الوعي في كل الأوقات التي يغادر فيها القمم ويغوص باتجاه عرين الآلهة يكون أسمى من مصيره، أقوى من صخرته".
 
وهكذا فالإنسان هو التمرد، التمرد على الموت والفناء بعقيدة الخلود والسعي إليه وإبداعه في الفن والعلم والعمارة والحضارة.
 
التمرد العلمي
"
كان التمرد وسيلة العلماء والمصلحين في العصور الوسطى لتحطيم سيطرة الكنيسة على الفكر والسلوك، وقد دفع كثير من المتمردين حياتهم ثمنا للانتصار في هذه المعركة
"
كان التمرد هو وسيلة العلماء والمصلحين في العصور الوسطى لتحطيم سيطرة الكنيسة على الفكر والسلوك. وقد دفع كثير من المتمردين حياتهم ثمنا للانتصار في هذه المعركة على الطبقية والإقطاع والاستغلال والجهل المبرمج، فتعرض كوبرنيكس للاضطهاد وكاد يُحرق لأنه قال إن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، وأجبر غاليليو على التراجع عن مقولة دوران الأرض حول الشمس حتى لا يحرق بالنار، واضطهد العالم الفلكي يوهان كيلر في القرن السابع عشر، وأحرق كيلفن في جنيف لبحوثه في علم الحياة.
 
هؤلاء العلماء والمفكرون والمثقفون لم يتمردوا على ما هو كائن في سبيل ما يجب أن يكون لمجرد معايشتهم لحركة الحياة من حولهم، بل لأنهم يتابعون ويتأملون ويفكرون لمواجهة الزيف والخطل.
 
يأخذ العقل في التمرد بمجرد الشك في المسلمات والمعتقدات والنواميس، فالشك هو الخطوة الأولى نحو التمرد، لكنه يظل أسير التجريب والتجريد. وتمخضت عمليات التمرد لأجل عقلنة عالم غير عقلاني عن النظرية الماركسية للمتمرد كارل ماركس الذي وضع نظرية فهم العلاقات الاجتماعية البديلة للتمرد التجريدي، فلا يبقى المتمرد حبيس أفكاره النقدية، لكنه يسعى في التحالف الطبيعي بين الفكر المتمرد والجماهير المتمردة، وتحويل العقل البحت إلى عقل مبدع وفاعل.

التمرد الديني
تجلى التمرد الديني الغربي بشخصية "أبيقور" (341–270 ق.م) الذي قدم أول أشكال المادية العلمية التي عرفها التاريخ، وقبله فقد سبق لهرقليطس (540–480 ق.م) أن قام بتفسير الروح تفسيرا ماديا، ثم خطا ديمقريطس (460-370 ق.م) بتفسير وجود الآلهة، فالوجود والزمان وفق ديمقريطس أزليان، وكل شيء -حتى الآلهة- بسبب.

اختلط التمرد الأول بالجريمة اللاهوتية عندما قتل قابيل هابيل، وكان العهد القديم تمردا دينيا، ثم كان العهد الجديد تمردا مسيحيا.
 
كان الرب في العهد القديم إلها غاضبا جبارا، وهو في الإنجيل إله المحبة والرحمة والمغفرة، وتحول التمرد ضد إله شرير، وكان إنكار ما خلقه هذا الشرير بالتنسك إلى حد تدمير الخليقة، وذلك بالامتناع الجنسي، ولعل هذا هو جذر الرهبنة الأصلي.
 
وأصبح التمرد في عصر النهضة الأوروبية حركة شاملة، تمرد البشر على الدين من أجل العلم، التمرد على القديم من أجل الجديد، التمرد على اللاهوت من أجل الإنسان، والتمرد على السلطة من أجل العدل، وعلى الماضي من أجل المستقبل، وارتبط التمرد على الدين بالتمرد على التخلف والجهل.
 
وكانت حركة الإصلاح الديني صدمة كبيرة في الوجدان المسيحي الغربي، التمرد على الكنيسة البابوية الكاثوليكية. وظهرت اللغات القومية بعدما كان محرما تداول الإنجيل بها، وازدهرت العلوم والفنون والآداب والرسم والنحت بعد 12 قرنا من العقم الكنسي، فكانت روائع دافنشي وروفائيل ومايكل أنغلو بعد أن كانت محرمة بوصفها من الوثنيات الأولى، وأدى هذا التمرد إلى رد الاعتبار للحضارات السابقة على المسيحية، وبخاصة اليونانية والرومانية.
 
الثورة الفرنسية أم الثورات
"
لم يتح لفولتير أن يشهد الثورة الفرنسية لكنه أسس لها، وعندما توفي عام 1778 قال إن الشباب سيكونون أسعد حالا لأنهم سيشهدون أشياء بديعة جميلة، الفرنسيون يأتون متأخرين دائما، لكنهم يأتون في النهاية
"
لم يظهر فولتير من فراغ، فقد رافق فشل الإصلاح الديني في فرنسا حالة من استمرار الظلم والفساد، حتى وصل الأمر إلى حد تغريم امرأة كاثوليكية لأنها استعانت بقابلة بروتستانتية، وقطع رأس فتى في السادسة عشر من عمره لاتهامه بتشويه الصليب.
 
لم يتح لفولتير أن يشهد الثورة الفرنسية لكنه أسس لها، وعندما توفي عام 1778 قال إن الشباب سيكونون أسعد حالا لأنهم سيشهدون أشياء بديعة جميلة، فسيحدث انفجار ثوري عظيم يعقبه هياج نادر، الفرنسيون يأتون متأخرين دائما، لكنهم يأتون في النهاية.
 
وعندما كان فولتير غارقا في النضال ضد الخرافة وطغيان الكنيسة، كان جان جاك روسو يدعو إلى المساواة الكاملة ولو على حساب الحرية. وحوّل الاثنان التمرد إلى ثورة: فولتير بمنهجه العقلي القوي، وروسو بعاطفته النبيلة الجياشة.
 
كان كتاب روسو "العقد الاجتماعي" تأسيسا لفكر ثوري اجتماعي جديد قائم على البحث عن المساواة، ويؤسس لمرجعية إرادة المواطنين العامة. هذه الإرادة العامة في توافقها تمثل عقدا هو مصدر السلطة التشريعية لتحقيق الصالح العام الذي لا يتعارض بالضرورة مع المصالح الخاصة.
 
لقد أصبح الشعب هو السيد الجديد بدلا من الحكام والإقطاعيين، وكانت الثورة الفرنسية رائدة في هذا التحول التاريخي بكل آلامه وتضحياته وآثاره الجانبية.
 
التمرد العربي
يقدم العرب أهم وأروع نماذج التمرد في التاريخ، فهم بطبيعتهم وتكوينهم الثقافي والاجتماعي والظروف الجغرافية والبيئية المحيطة بهم يعلون من شأن الأنفة والعزة، ولم تكن في تاريخهم ممالك كثيرة لأنهم يرفضون الخضوع لملك أو لبشر.
 
فقد مثل الصعاليك العرب حالة التمرد على العلاقات والأنظمة الاجتماعية السائدة، وقد عرف عنهم النبل والشدة والسلب، وكانوا يوزعون ما يسلبونه على الفقراء والمحتاجين، وأشهرهم في التاريخ عروة بن الورد زعيم الصعاليك وأبوهم، وقد جمع حوله عددا من المتمردين من عبس، وجعل من الصعلكة فلسفة وقيمة عليا، فكان الصعاليك لا يغيرون إلا على الأغنياء.
 
وكان الإسلام رفضا لكثير من القيم والأنظمة والأعراف السابقة ودعوة لا سابق لها للعدالة الاجتماعية والمساواة، وكان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- قائد أهم ثورة اجتماعية في العصور الوسطى، فقد واجه الرق والظلم والربا والاحتكار، وأنصف المرأة والمستضعفين. وليس المجال هنا لشرح الإنجازات الاجتماعية العالمية للإسلام، لكن الشاهد هو: كيف حرك الإسلام دوافع التمرد البشري لتحقيق العدل ومواجهة الظلم.
 
وشهد التاريخ الإسلامي بعد النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- حالات كثيرة من الحراك الفكري والسياسي قائمة على التمرد، مثل المعتزلة الذين سعوا لرد الاعتبار إلى العقل في الفهم والتأويل، والخوارج الذين شكلوا مشروعا مضادا للعقل تشبهه اليوم الجماعات الإسلامية المتطرفة.
 
لقد كان للمعتزلة فضل كبير في الارتقاء بالعقل المسلم ورفع مستواه، وفتحوا الطريق للفلسفة الإسلامية التي كان من روادها الفارابي وابن سينا والكندي الذين أسسوا لحرية الرأي والتحليل ووضع المسائل موضع النقد.
 
الثورات الاجتماعية في التاريخ الإسلامي
"
شهد التاريخ الإسلامي ثورات اجتماعية مثل القرامطة والزنج استهدفت الأغنياء والنظام الاقتصادي والاجتماعي الذي لم يكن لصالحهم، مستخدمة الهوامش المتاحة في الدولة
"
شهد التاريخ الإسلامي ثورات اجتماعية مثل القرامطة والزنج استهدفت الأغنياء والنظام الاقتصادي والاجتماعي الذي لم يكن لصالحهم، فكانت ثورة البابكيين عام 202هـ  التي استهدفت نزع الملكيات الزراعية وتوزيعها على الفلاحين. ونشبت ثورة الزنج في البصرة بين عامي 155 و270هـ. وكان هؤلاء الزنوج قوام نظام اقتصادي زراعي، ويعملون في ظروف قاسية مجحفة بحقهم، فتجمعوا حول قائدهم علي بن محمد وهددوا الخلافة العباسية. لكن هذه الثورة وإن كان دافعها رفض الظلم، تحولت إلى عمليات همجية متخلفة من السلب والقتل.
 
وبعدها بعشر سنوات هبت ثورة القرامطة (264هـ) وانتشرت في العراق والشام حتى بلغت اليمن، وكانت قائمة على الفلاحين والبسطاء، وأنشؤوا جمهورية في البحرين لمدة عشر سنوات كانت أقرب إلى العلمانية المعاصرة، فكانوا لا يقيمون الصلاة والشعائر الدينية ولا يمنعونها أيضا، وكانت القيادة في جماعاتهم ودولتهم جماعية غير عائلية ولا وراثية (مجلس العقدانية)، وألغيت الضرائب على الأهالي واستبدل بها ضرائب على السفن والقوافل التجارية، وأنشئت مرافق للدولة مثل المطاحن تقدم خدماتها للناس مجانا.
 
كانت هذه الثورات في مجملها اجتماعية طبقية استخدمت الهوامش المتاحة في الدولة الواسعة التي بدأت تترهل وتضعف قبضتها وسيادتها على الأرض التابعة لها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة