غزة كالموت   
الأحد 28/1/1427 هـ - الموافق 26/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:23 (مكة المكرمة)، 8:23 (غرينتش)

عرض/مؤسسة المستقبل للدراسات والإعلام
تبرز أهمية هذا الكتاب من خلال قراءته المتأنية الدقيقة لواقع قطاع غزة السياسي والاجتماعي والعسكري، إذ هو حصيلة عمل صحفي طيلة 15 عاما قضاها مؤلفه شلومو الدار داخل مدن وقرى ومخيمات غزة، حيث جذر علاقاته بالفلسطينيين كمراسل للقناة التلفزيونية الإسرائيلية الأولى وكذلك للقناة العاشرة منذ عام 1990.

وقد عايش المؤلف خلال هذه المدة جيل الانتفاضة الأولى والثانية واستمر في تغطيته الصحفية حتى الانتهاء من تنفيذ خطة شارون.

- العنوان: غزة كالموت
- المؤلف: شلومو الدار
- عدد الصفحات: 326
- الناشر: دار يديعوت أحرونوت، تل أبيب
- الطبعة: الأولى 2005

جاء اسم الكتاب "غزة كالموت" نتيجة لما تعرضت له غزة خلال سنوات الاحتلال كما يقول المؤلف، وامتاز بالصراحة والموضوعية حتى اتهمه الإسرائيليون بأنه يعتمد على الروايات الفلسطينية فقط، كما يورد هو في مقدمة الكتاب.

يتحدث الكتاب عن "رحلة الموت الزؤام" داخل قطاع غزة وعلى وجه الخصوص في مدينة رفح المدمرة جراء فعل الجرافات الإسرائيلية.

رحلة الموت هذه التي أرهقت الفلسطينيين شعبا وسلطة وفصائل مقاومة وأرهقت إسرائيل أيضا دولة وجيشا وشعبا، أصبحت غزة معها عنوانا للرعب وخيبة الأمل بالنسبة لكبار القادة العسكريين الإسرائيليين.

كما تبرز أهمية هذا الكتاب من خلال جهره بالحقيقة في وجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي يحملها عبء الفشل في تحقيق السلام الدائم مع الفلسطينيين في المنطقة كلها من خلال رفضها المطلق لكافة المشاريع السلمية المطروحة، إذ يرى قادة الجيش الإسرائيلي أن الحل العسكري هو وحده الذي سيحسم كل شيء ولهذا يؤكد الكاتب أن الجيش ضلل المجتمع الإسرائيلي في كل ما يتعلق من معلومات بالفلسطينيين.

حي شابورة
بعرض تراجيدي وصفي يبدأ المؤلف كتابه بمبحث تحت عنوان "حي شابورة" ليعرض المأساة المحزنة التي تعرض لها هذا الحي الواقع في مدينة رفح جنوب قطاع غزة خلال العملية العسكرية التي أطلق عليها الاحتلال الإسرائيلي "قوس قزح" ودمر خلالها مئات المنازل بهذا الحي في مارس/أيار 2004.

ويصف المؤلف بدقة من خلال مشاهداته الحية داخل هذا الحي كيف كانت الجرافات العسكرية الثقيلة تمسح كل شيء أمامها.. البشر والحجر والشجر، فلم تستطع المرأة حمل أطفالها والفرار بهم، فكانت الجرافات -كما وصف الكاتب- تحول تاريخ الناس وتراثهم هناك إلى كومة من الركام.

ويعترف بعمق المأساة فيقول "عندما كنت أعود من غزة إلى تل أبيب فأشاهد مناراتها وأبراجها أشعر أنني في القرن الحادي والعشرين، لكنني إذا تذكرت قليلا أين كنت وعدت بذاكرتي إلى قطاع غزة أشعر أنني قادم من منطقة تعيش في العصر الحجري"!

ويتساءل: من المسؤول عن هذه المٍأساة البشرية داخل قطاع غزة؟ من المسؤول عن حالة البؤس والفقر والبطالة والثورة الاجتماعية الداخلية؟ فيجد نفسه مضطرا للإجابة باستحياء وخجل "إنها سنوات الاحتلال".

"
الجرافات العسكرية الثقيلة تمسح كل شيء أمامها.. البشر والحجر والشجر، حتى أن المرأة لا تستطيع حمل أطفالها والفرار بهم، فقد حولت هذه الجرافات تاريخ الناس وتراثهم هناك إلى كومة من الركام
"
غزة وأمن المستوطنين
يرى المؤلف أن الواقع الأمني الذي فرض على قطاع غزة المتمثل في جعله سجنا كبيرا من خلال تطويقه كاملا بالأسلاك الشائكة ووضع الحواجز المعقدة على مداخله، جعله منطقة ملتهبة ثائرة تبحث عن متنفس.

أضف إلى ذلك المعاملة القاسية المذلة التي يتعرض لها الداخلون والخارجون من قطاع غزة من قبل الجيش الإسرائيلي الذي يقوم بإذلال الفلسطينيين وتعريتهم لدى خروجهم ودخولهم إلى قطاع غزة.

لقد شكلت كل هذه الممارسات حالة من الاحتقان والغليان ضد إسرائيل التي لم تحسن التعامل مع الفلسطينيين فصنعت منهم عدوا غاضبا يبحث عن الانتقام والثأر.

ويرى أن وجود الاستيطان والمستوطنين داخل القطاع شكل واقعا آخر له انعكاساته السلبية جدا على حياة الفلسطينيين، إذ إن هؤلاء المسوطنين سكنوا على أراض مصادرة عنوة من أصحابها وتسببوا في قتل مئات الفلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي، وكل من كان يقترب من حدود مستوطنة سواء كان مقاتلا أو امرأة أو طفلا أو حيوانا تطلق عليه النار دون سابق إنذار.

ويقول المؤلف إن مشهد باص المستوطنين وهو يمر من منتصف قطاع غزة تتقدمه وتتبعه السيارات العسكرية كان يشكل حالة من الاستفزاز اليومي لسكان القطاع.

قصة الكلب الأبيض
يعرض الكتاب لأساليب الإذلال النفسي والاقتصادي التي يتعرض لها السكان والتجار على معبر إيريز الذي أصبح معبرا دوليا، حيث ينتظر الفلسطينيون ساعات طوالا سواء عند الدخول أو الخروج حتى تنتهي كل الإجراءات، فتتأزم صحة كثيرين منهم وهم ينتظرون والبعض الآخر يفقد عمله داخل إسرائيل بسبب وصوله متأخرا، وقد يغلق المعبر ويعود الآلاف من حيث أتوا بعد انتظار طويل.

أما قصة الكلب الأبيض فهي خاصة بكبار التجار وأصحاب الشاحنات الذين ينتظرون طويلا، بل يخضعون لمزاج الكلب الأبيض الخاص بعملية تفتيش البضائع داخل الشاحنات والحاويات الكبيرة، فلا تمر شاحنة دون أن يتفحصها الكلب الأبيض.

والمصيبة الكبرى أن يكون الكلب متعبا أو معكر المزاج عن العمل أو متبردا في الظل وقت الحر، لأن ذلك يعني أن عشرات الشاحنات ستتعطل ولن تمر ولو بعد ساعات من الانتظار.

وإذا ما قرر الكلب الأبيض الراحة في ذلك اليوم فإن هذه الشاحنات تعود من حيث أتت وهذا يعني أن البضائع الخارجة من القطاع خاصة ستتعطل، وإذا ما كانت حمولة بعضها من الخضار والفواكه أيام الحر فإن ذلك يعني أنها ستفسد ويجني التاجر الفلسطيني الخراب والدمار الاقتصادي جراء مزاج الكلب الأبيض.

"
غزة أصبحت عبئا أمنيا كبيرا على إسرائيل بسبب السيطرة الكبرى لحماس على مناطق كثيرة فيها، حيث قيادات حماس العسكرية البارزة تجد ملاذها وكذا الحال بالنسبة للقيادات السياسية وخبراء تصنيع المتفجرات
"
غزة حماس
يشير الكتاب إلى أن غزة أصبحت عبئا أمنيا كبيرا على إسرائيل بسبب السيطرة الكبرى لحماس على مناطق كثيرة فيها، حيث قيادات الحركة العسكرية البارزة تجد ملاذها في القطاع وكذا الحال بالنسبة للقيادات السياسية وخبراء تصنيع المتفجرات، إضافة إلى البنية التحتية التي تتمتع بها الحركة هناك.

ويرى شلومو الدار أن الواقع الاجتماعي لقطاع غزة المبني على الفقر والبؤس شكل سببا كبيرا لتغلغل حماس في صفوف هذه الطبقة التي أصبحت "حماسية" بمجرد حصولها على تموين غذائي من الحركة.

وفي نفس الوقت شكل مشروع حماس الاجتماعي من خلال مئات المؤسسات الخيرية ولجنة الزكاة وهيئات الرعاية، الوسيلة الأنجع لخطف قلوب هؤلاء الفقراء والمساكين الذين تدافعوا نحوها فحققت لهم متطلباتهم في أعسر الظروف.

ويصف الكاتب كيف تحول قطاع غزة إلى كتلة نار في ظل الانتفاضة الثانية، وبات يشكل منبع الخطر على إسرائيل، بل وبؤرة للخلايا العسكرية التي انتشرت في كل مكان.

هناك كل شاب جاهز لأن يكون انتحاريا داخل إسرائيل، وتكلفة تجهيزه لا تزيد عن 70 دولارا يضاف إليها أجور النقل والسفر، فالبنادق الأوتوماتيكية والقنابل اليدوية وقذائف الدبابات وكل شيء له علاقة بالسلاح متوفر كالخضار والفواكه في قطاع غزة.

تضليل المؤسسة العسكرية
يعرض الكتاب فلسفة التضليل التي تشرف عليها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي أخفقت في إحداث سلام مع الفلسطينيين خلال سنوات الاحتلال في قطاع غزة، ويرى أن المعلومات عن الفلسطينيين تصل المجتمع الإسرائيلي عبر رؤية العسكريين الذين جندوا الإعلام للوصول إلى قناعة بأن الحل الوحيد مع الفلسطينيين هو الحل العسكري وليس حل المفاوضات والسلام.

ويؤكد المؤلف أن العقلية الإسرائيلية هيمنت على كل شيء في الحياة الإسرائيلية، ويتعرض لحوادث اغتيال كبيرة ومفجعة في قطاع غزة راح ضحيتها العديد من المدنيين، حين قامت المؤسسة العسكرية بتبريرها على اعتبار أن هؤلاء الأشخاص المستهدفين هم إرهابيون كبار وعقب ذلك يتبين كذب الجيش وأنه يحاول تهويل الأحداث من أجل التبرير.

ويضرب مثلا على ذلك بقرار الجيش اقتحام المنزل الذي اختطف فيه الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمن في منطقة بير نبالا شمالي القدس في أكتوبر/تشرين الأول 1994، رغم وجود مفاوضات مع حماس عن طريق ضابط الأمن الفلسطيني أبو سمهدانة الذي استطاع أن يحصل على وعود من الحركة بعدم قتل المختطف.

غير أن الجيش الإسرائيلي رفض ذلك وقام بعمليته الفاشلة كما يذكر المؤلف وأدى ذلك إلى قتل الجندي.

كما يعرض الكتاب قصة اغتيال المهندس يحيى عياش، وقد كاد دحلان أن يصل إلى اتفاق مع حماس يوقف عياش بموجبه العمليات الانتحارية داخل إسرائيل مقابل توقفها عن سياسة الاغتيالات.

لكن المؤسسة العسكرية وعلى وجه الخصوص جهاز الشاباك بقيادة كارني غيلون قررت تصفية عياش لإثبات نفسها عقب الفشل الذريع في تحقيق الأمن والحماية لرئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحق رابين الذي اتهم غيلون وجهازه بالفشل في حمايته.

ولهذا جاءت عملية اغتيال عياش ليس من أجل تحقيق الأمن لإسرائيل وإنما من أجل رد الاعتبار لغيلون نفسه، ما أدى إلى عشرات العمليات التي قامت بها حماس ثأرا لعياش فدفع المجتمع الإسرائيلي الثمن لا جهاز الشاباك.

ويشير الكتاب إلى أن إسرائيل هي التي أضعفت محمود عباس فلم تسمح له بالتسلح وتطوير سلاحه في ظل تطور سلاح حماس، ولهذا أخفق في تحقيق أي شيء على صعيد الأمن.

ورغم استمرار الحملات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة فإن ذلك لم يحقق الأمن والهدوء للإسرائيليين.

ويؤكد أن إسرائيل كانت تدفع باتجاه إزاحة عرفات عن القرار الفلسطيني ودعم محمود عباس، وأنها استغلت حادث اكتشاف سفينة الأسلحة كرين أي لتعتبر ذلك ذريعة لحصار عرفات وإنهاء وجوده السياسي، لكنها هي نفسها التي أفقدت عباس دوره القيادي كما يرى المؤلف، فدمرت المقرات الأمنية واجتاحت المدن ولم تجر أي اتصال معه فأصبح رئيسا بلا صلاحيات، بل ساهمت في قتله سياسيا.

"
القيادة الإسرائيلية تآمرت على ملف الأسرى الفلسطينيين خلال المفاوضات وخاصة مع محمود عباس، فكلما كانت تعد الفلسطينيين بالإفراج يتفاجؤون بأن المفرج عنهم هم من المدنيين أو أصحاب المدد القليلة
"
الأسرى والتهدئة
يركز الكتاب على قضية الأسرى الفلسطينيين ويرى أن القيادة الإسرائيلية تآمرت على ملف الأسرى خلال المفاوضات وخاصة مع محمود عباس، فكلما كانت تعد الفلسطينيين بالإفراج يتفاجؤون بأن المفرج عنهم هم من المدنيين أو أصحاب المدد القليلة الذين لم يتبق للإفراج عنهم سوى أيام قليلة.

ويؤكد المؤلف أن القيادة العسكرية في إسرائيل تناست كم هو حجم الاهتمام الفلسطيني بقضية الأسرى، هذه القضية التي كانت تؤرق كل بيت فلسطيني، ما دفع حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية إلى التفكير والعمل على اختطاف جنود إسرائيليين من أجل الإفراج عن الأسرى.

لقد تم التعامل مع هذا الملف كما يصف الكتاب بمزاجية وهزل وليس باهتمام بالغ، الأمر الذي بعثر الكثير من فرص السلام والخطوات التي كانت تدفع باتجاه إبرام اتفاق مع الفلسطينيين.

ويختم المؤلف كتابه بالحديث عن خطة شارون فيقول إن عملية الانسحاب من قطاع غزة عملية درامية تاريخية تركت وراءها مدينة وبلدات ومخيمات محطمة وجائعة وسجينة ومليئة بالكراهية والعدوانية ضد إسرائيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة