مصر وأزمة مياه النيل   
الخميس 1434/8/26 هـ - الموافق 4/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)

عرض/ شرين يونس

يشهد حوض النيل مؤخرا تطورات عديدة طبعت التفاعلات الهيدروبوليتيكية في النظام الإقليمي لحوض النيل بالطابع الصراعي، كتوقيع ست دول من المنابع النيلية على الاتفاقية الإطارية في عنتيبي لتأسيس مفوضية حوض النيل، دون الأخذ في الاعتبار اعتراض دولتي المصب والمجري (مصر والسودان)، إضافة للتحرك الإثيوبي لإنشاء عدد من السدود الجديدة على منابع النيل.

ولقد أثارت هذه التطورات مخاوف جمة لدى قطاعات واسعة في المجتمع المصري، ولا سيما مع انخفاض حصة الفرد من المياه باستمرار، والتي تقدر حاليا بأقل من 800 م3 للفرد في العام، وهو ما يوازي -حسب المعايير الدولية- حد الفقر لأية دولة، كما أن هذا الرقم يمكن أن ينحدر إلى 500 متر مكعب للفرد بحلول عام 2025، مما يشير إلى ندرة في المياه في مصر.

-الكتاب: مصر وأزمة مياه النيل آفاق الصراع والتعاون
-المؤلف: محمد سالمان طايع
-عدد الصفحات: 493
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى/ 2012

مجالات الصراع
وقام المؤلف محمد طايع بتحليل موضوع محدودية الموارد المائية في حوض النيل، ذاكرا أنه رغم وفرة المياه بدول حوض النيل، اعتمادا على مؤشر خط الفقر المائي الذي تتجاوزه جميع دول الحوض فيما لو تم تقسيم الإيرادات المائية تقسيما متساويا بين مواطني دول الحوض، إضافة لتعدد المصادر في معظم دول المنابع للحصول على المياه، كالأمطار والأنهار والبحيرات.

إلا أن دول الحوض تعاني من فقر مائي بالمعنى الاقتصادي، بسبب عدم توفر الموارد المالية اللازمة لتشييد البنية الأساسية ذات الصلة بمنظومة نقل وتخزين وتوصيل المياه إلى القطاعات العريضة من شعوب تلك الدول.

ويتوقع الكاتب أن تزداد تلك المحدودية في استغلال مياه حوض النيل، بسبب عوامل منها: التغيرات المناخية العالمية، وتأثيرات التلوث البيئي، والزيادة الكبيرة في أعداد السكان، مع ما يترتب عليها من ضغوط اقتصادية، مما يفضي في النهاية إلى ظاهرة الصراع المائي الدولي في النظام الإقليمي المائي لحوض نهر النيل.

يستعرض الكاتب مجالات الصراع المائي في حوض النيل، والتي تتمحور حول ثلاثة مجالات رئيسية، أولها الصراع حول مدى مشروعية الاتفاقيات السابقة، وثانيها: الصراع حول تقاسم المياه المشتركة في حوض النيل، إضافة للصراع حول مدى لزومية شرط الإخطار المسبق عند القيام بمشروعات مائية قطرية.

وتنقسم دول منابع النيل فيما يتعلق بالصراع حول الاتفاقيات التاريخية في حوض النيل، إلى فئتين: فئة القبول بالأمر الواقع، وفئة الرفض والمطالبة بالتغيير.

الفئة الأولى تندرج تحتها أربع دول من دول منابع النيل، وهي إريتريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ورواندا وبوروندي، وهي ليس لها مواقف رافضة أو اتجاهات مناوئة للحقوق المصرية والسودانية في المياه، كما لم تنكر أي منها اتفاقيات مياه النيل السابقة على استقلالها.

ويفسر بعض المحللون مواقف تلك الدول استنادا إلى ضعف اعتمادها على مياه النيل كمصدر من مصادر مواردها المائية، فضلا عن نقص الخبرات في المجال الهيدروليكي، ومن ثم، عدم قدرتها على خوض مفاوضات ناجحة في مواجهة مصر والسودان، إضافة إلى حرص هذه الدول على كسب الدعم المصري إقليميا ودوليا، ناهيك عن عدم استقرار الوضع السياسي بتلك الدول.

والفئة الثانية: فئة الرفض والمطالبة بالتغيير، ويمثلها كل من إثيوبيا وتنزانيا وكينيا وأوغندا، وهي الدول التي تدعو باستمرار لبطلان الاتفاقيات السابقة كونها تنتقص من سيادتها، إضافة إلى ما فرضته التغيرات الاقتصادية والسياسية من ضغوط على تلك الدول يدفعها لتبني سياسات أكثر تشددا.

أما فيما يتعلق بالموقف المصري السوداني من الاتفاقيات التاريخية لمياه النيل، ففيما عدا التحفظ السوداني على اتفاق 1929، فإن موقف الدولتين يعبر عن درجة كبيرة من التجانس، وتنهض الحجج المصرية في إثبات مشروعية الاتفاقيات السابقة على مبدأين أساسيين هما: مبدأ التوارث الدولي للمعاهدات، ومبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة، وهما من المبادئ التي أرساها القانون الدولي وجرى العمل بهما منذ فترة زمنية طويلة.

ترفض مصر والسودان مسألة إعادة تقاسم مياه النيل، وتطرحان من وجهة نظرهما عند تقسيم مياه الحوض الدولي، الاستناد على وجه الخصوص إلى مبدأ "الاستخدام العادل والمنصف" لموارد النهر الدولي

ينتقل الكاتب للحديث عن مجال آخر للصراع، وهو الخلاف حول تقاسم المياه في حوض النيل، والصراع حول المعايير والاعتبارات التي يتم على أساسها توزيع المياه المشتركة بين دول حوض النيل، حيث لا توجد اتفاقية دولية عامة، تحدد على وجه الدقة وعلى سبيل الحصر، كيفية تقاسم المياه في الأحواض الدولية المشتركة.

فمن ناحية تطالب بعض دول منابع النيل بإعادة تقاسم المياه وإعادة توزيع الأنصبة المائية بين جميع الدول النيلية، وعدم استئثار دولتي المصب والمجري بالإيراد المائي لنهر النيل، وترى ضرورة النظر إلى معيارين بالأساس عند تقاسم المياه المشتركة في حوض أي نهر دولي، وهما مساحة التصريف في كل دولة من دول الحوض، ومساهمة كل دولة في الإيراد المائي للنهر.

وفي المقابل، ترفض مصر والسودان مسألة إعادة تقاسم مياه النيل، وتطرحان بدورهما زمرة من المعايير الأولى بالاتباع من وجهة نظرهما عند تقسيم مياه الحوض الدولي، بالاستناد على وجه الخصوص إلى مبدأ "الاستخدام العادل والمنصف" لموارد النهر الدولي.

من ناحية أخرى يشهد موقف دول الحوض من بيع مياه النيل، تعارضا في الرؤى والتوجهات، وتجاذبا بين دول منابعه ودول مصبه لقبول أو رفض بيع المياه دوليا.

حيث تنادي بعض دول منابع حوض النيل بضرورة قيام دولتي المصب والمجري (مصر والسودان) بدفع مقابل مالي نظير ما يحصلان عليه من حصص مائية، وبالتالي تعميم مبدأ "بيع المياه دوليا" وتطبيقه على حوض نهر النيل.

بينما ينعقد إجماع الرأي بين الخبراء والمسؤولين المتخصصين في الشأن المالي في كل من مصر والسودان على رفض مبدأ بيع المياه بين الدول شكلا وموضوعا، انطلاقا من رفض اعتبار المياه سلعة اقتصادية يمكن أن تباع وتشترى، على اعتبار أن المياه سلعة لا يجب إخضاعها لآليات السوق الحر.

والمجال الآخر للصراع بين دول حوض نهر النيل، هو الصراع حول شرط الإخطار المسبق في حوض النيل، حيث تقر دول منابع النيل بالحرية المطلقة في إقامة أية مشروعات مائية قطرية على أراضيها وفي حدود مساحة حوض التصريف الواقعة في نطاق سيادتها الحدودية، دون الرجوع إلى دول المصب، ودون أن تكون ملزمة بإخطار هذه الدول مسبقا.

فيما تتمسك دول المصب بضرورة التشاور قبل الإقدام على القيام بمشروعات مائية قطرية في أعلى النهر، للتأكد من أن تلك المشروعات لا تسبب ضررا من أي نوع سواء كميا أو نوعيا على الإيراد المائي الطبيعي للنهر عند دول المصب.

القوى الخارجية
تلعب القوى الإقليمية والدولية دورا بالغ الأهمية في تفاعلات النظم الإقليمية بشكل عام، حيث يعتبر النظام الإقليمي لحوض نهر النيل، حالة مثلى للاختراق الخارجي، من منطلق الفقر الشديد الذي تعاني منه الدول النيلية، وما تعانيه من عدم الاستقرار السياسي على الصعيد الداخلي.

ويتعرض الكاتب لتحليل ست قوى إقليمية ودولية تشكل في مجموعها أهم القوى الإقليمية والدولية المؤثرة على طبيعة التفاعلات المائية في حوض نهر النيل في المرحلة الراهنة، وهي إسرائيل، والولايات المتحدة الأميركية والصين والمانحون الدوليون والبنك الدولي والأمم المتحدة.

ويرى الكاتب أن كلا من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تلعبان دورا محفزا للصراع المائي في الحوض، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، تحقيقا لمصالحهما الوطنية في تلك المنطقة.

حيث تسعي إسرائيل إلى تحقيق هدفين من تحركها السياسي في منطقة حوض النيل، إما محاصة الدول النيلية مائيا، من خلال تنفيذ مشروعات لنقل مياه النيل، أو محاصرة مصر سياسيا، وتطويق السياسة المصرية في محيطها الإقليمي من خلال التغلغل السياسي والاقتصادي والعسكري في دول الحوض.

فيما يبرز الدور المائي للولايات المتحدة الأميركية في حوض النيل والذي يرتبط بالمصالح الأميركية في المنطقة التي تركز على إحكام السيطرة على إنتاج النفط وممرات نقله، ودعم الوجود الإسرائيلي.

تسعى إسرائيل إلى تحقيق هدفين من تحركها السياسي في منطقة حوض النيل، إما محاصة الدول النيلية مائيا، أو محاصرة مصر سياسيا، وتطويق السياسة المصرية في محيطها الإقليمي

من ناحية أخرى تؤثر بعض المؤسسات الدولية وبعض القوى الدولية الكبرى الأوروبية وغير الأوروبية على التفاعلات المائية في حوض النيل، حيث تلعب تلك القوى دورا مثبطا للصراع المائي في النظام الإقليمي لحوض نهر النيل وذلك من خلال التحفيز على التعاون المائي بين الدول النيلية.

وفي هذا الخصوص يبرز دور البنك الدولي والأمم المتحدة واليونسكو، إضافة لدور المانحين الدوليين سواء من داخل القارة الأوروبية مثل إيطاليا وهولندا والنرويج، أم من غير الأوروبيين مثل كندا واليابان.

وترى تلك القوى والمؤسسات الدولية أن جهود التعاون في تطوير المياه في حوض النيل، يمكن أن تؤدي إلى زيادة الموارد المائية لكل دولة، بالإضافة إلى الفوائد الأخرى كتوليد الكهرباء، وخلق فرص عمل وتحقيق رخاء اقتصادي.

حلول للأزمة
ختاما يضع المؤلف عددا من الآليات وسبل مقترحة للخروج من الأزمة الحالية وتجاوزها نحو تعزيز التعاون المشترك بين دول الحوض، تتمثل أبرز معالمها في فهم الحقائق الهيدروليكية في حوض النيل وتوظيفها توظيفا سياسيا فعالا لتحقيق مصالح جميع الأطراف.

إضافة لضرورة الرؤية الشاملة لإدارة التفاوض المائي مع دول حوض النيل، وتقدير الاحتياجات التنموية للطرف الآخر، والبدء في تنفيذ مشروعات عملاقة وصياغة خطة عمل تنموية مشتركة وفق مبدأ الربح للجميع، وضرورة تغيير لغة الخطاب المصري التفاوضي، ونبذ الصيغ الاستغلائية وصيغ الإملاءات، وتفعيل آلية الدبلوماسية الشعبية وآلية الزيارات الرسمية لكبار المسؤولين المصريين لدول الحوض، والتحرك المصري السريع نحو الشروع في مشروعات استقطاب الفواقد المائية في المنابع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة