أين أخطأ اليمين؟   
الخميس 1425/12/3 هـ - الموافق 13/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:15 (مكة المكرمة)، 13:15 (غرينتش)

عرض/علاء بيومي
يعتبر كتاب باتريك بوكانان هذا نافذة على نوع من الصراع الدائر داخل الولايات المتحدة والذي يندر الحديث عنه في الأوساط المسلمة والعربية، وهو الصراع داخل الحزب الجمهوري وفي أوساط المحافظين الأميركيين بين المحافظين الجدد وبين ما يمكن تسميتهم المحافظين التقليديين.

العنوان: أين أخطأ اليمين.. كيف أجهض المحافظون الجدد ثورة ريغان واختطفوا رئاسة بوش؟
المؤلف: باتريك بوكانان
عدد الصفحات: 272       
الناشر: توماس دون بوكس
الطبعة: سبتمبر/أيلول 2004

ويحتوى الكتاب على عدد من الأفكار الهامة المتعلقة برؤية المحافظين التقليديين –الذين يمثلهم بوكانان– لدور أميركا في العالم ولعلاقتها بالعالم الإسلامي ولأجندة المحافظين الحقيقية.

دور أميركا في العالم وعقيدة بوش الأمنية
يبدأ بوكانان كتابه بتحذير أميركا من المصير الذي آلت إليه الإمبراطوريات الكبرى في العالم، ويصف بوكانان العصر الحديث بأنه عصر انهيار الإمبراطوريات مثل الإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفياتي، ويقول إن الإمبراطوريات السابقة انهارت بسبب إفراطها في الحروب الخارجية التي أنهكتها.

لذا يرى أن على أميركا أن تتجنب مصير الإمبراطوريات السابقة بتجنب الحروب، مؤكدا أن سياسة أميركا الخارجية قامت منذ نشأتها على مبدأ تجنب الحروب وعدم خوضها إلا إذ فرضت عليها، إذ يرى أن أميركا لم تدخل الحرب العالمية الثانية إلا بعد أن هاجمتها اليابان عسكريا، كما تجنبت الحرب مع الاتحاد السوفياتي على مدى سنوات الحرب الباردة.

"
سياسة أميركا الخارجية منذ نهاية الحرب الباردة قائمة على غرور القوة وتهميش الحلفاء وشن الحروب الإمبريالية
"

لذا ينتقد بوكانان سياسة أميركا الخارجية منذ نهاية الحرب الباردة ويصفها بأنها قائمة على "غرور القوة وتهميش الحلفاء وشن الحروب الإمبريالية"، كما يرى أن سياسات أميركا أدت إلى إطلاق حرب الحضارات التي كانت تسعى نظريا لتجنبها، كما قامت بنشر قواتها في بقاع كثيرة جدا من العالم بشكل قد يهددها بالإفلاس العسكري في حالة نشوب حرب جديدة في ظل انخراط أميركا الحالي في حرب العراق التي يرى بوكانان أنها قد تمثل بداية تراجع الإمبراطورية الأميركية.

ويوجه بوكانان العديد من الانتقادات لعقيدة بوش الأمنية التي يصفها بأنها "إمبريالية" و"يوتوبية"، ويرى أن سياسات جورج دبليو بوش "دفعت حدود الإمبراطورية (الأميركية) بعيدا جدا عن الحدود التي تركها بوش الأب وكلينتون"، وينتقد إصرار بوش على وصف الحرب على الإرهاب من خلال عبارات دينية وأخلاقية، ويقول إن لغة بوش الدينية قسمت العالم كما تناست أن المبادئ والأخلاق نسبية تختلف باختلاف الثقافات وباختلاف مصالح أميركا.

ويضرب مثلا باتحاد أميركا مع السوفيات في الحرب العالمية الثانية كدليل على نسبية القيم الأميركية، وفي السياق نفسه يرفض حديث بوش عن مبدأ أن أميركا تحارب من أجل العدالة، مؤكدا أنها تحارب من أجل مصالحها وأهدافها الوطنية بالأساس.

وينطلق بوكانان في رؤيته هذه من مبدأ أساسي من مبادئ المحافظين، وهو الرغبة في الحد من تدخل أميركا في شؤون الشعوب الأجنبية بأكبر قدر ممكن، ورفض أن تلعب أميركا دور شرطي العالم.

لذا ينتقد التهديدات غير المسبوقة التي وجهتها إدارة بوش إلى الدول التي أسمتها محور الشر والتي لم تهاجم أميركا، وينتقد سياسية الحروب الإجهاضية، ويرى أن إدارة بوش تناست أن العديد من الدول العربية والمسلمة ساندت أميركا خلال الحرب الباردة وساعدتها على هزيمة السوفيات، كما يؤكد اعتقاده بأن نظم حكم الشعوب الأجنبية هي أمر خاص بهذه الشعوب وحدها وأن محاولة بوش فرض القيم الأميركية على الدول الإسلامية سوف يدفع أميركا إلى حروب لا نهاية لها مع العالم الإسلامي، ويقول إن التدخل لا يمثل حلا لمشاكل أميركا في الشرق الأوسط بل إن التدخل هو المشكلة.

"
لغة بوش الدينية قسمت العالم وتناست أن المبادئ والأخلاق نسبية تختلف باختلاف الثقافات وباختلاف مصالح أميركا
"

تأثير المحافظين الجدد على سياسات بوش
يرى بوكانان أن الأفكار التي تحدث بها جورج بوش بعد توليه الرئاسة ليست أفكاره، فقد عبر بوش عندما كان مرشحا للرئاسة عام 2000 عن أفكار محافظة تقليدية مخالفة إلى حد كبير للأفكار التي سادت إدارته، إذ انتقد بوش سياسات كلينتون الخارجية التدخلية معلنا رفضه للعب أميركا دور شرطي العالم.

ويرى أن مصدر هذه الأفكار هم المحافظون الجدد الذين يصفهم بأنهم "مختطفو السياسة الخارجية الأميركية"، وعنهم يقول بوكانان إنهم حركة ليس لها جذور شعبية نشأت خوفا من التهديد الذي يشكله الاتحاد السوفياتي لأميركا وإسرائيل، لذا فهي حركة معنية بالسياسية الخارجية بالأساس تقوم على عدة أعمدة رئيسة على قمتها دعم إسرائيل ومبدأ شن الحروب من أجل نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

ويلخص بوكانان أجندة المحافظين الجدد في فكرة واحدة وهي شن صراع لا نهائية له وحرب إذا تطلب الأمر لفرض الديمقراطية العلمانية والثورة الاجتماعية على العالم الإسلامي.

ويقول إن أيديولوجية وأفكار المحافظين الجدد تنطلق من مبدأ أساسي وهو تطابق مصالح أميركا مع مصالح إسرائيل، ويشير إلى أن المحافظين الجدد طالبوا في الأيام التالية لأحداث سبتمبر/أيلول بمهاجمة عدد كبير من الدول المسلمة والعربية ردا على هذه الأحداث، وهنا ينتقد بوكانان المحافظين الجدد ويشكك في نواياهم.

ويتساءل لماذا ينبغي على أميركا محاربة دول لم تهاجمها، ويعبر عن اعتقاده صراحة بأن المحافظين الجدد يدفعون أميركا إلى محاربة "أعداء إسرائيل" وليس إلى حرب للدفاع عن أميركا وحماية مصالحها، كما يشير إلى دور هؤلاء المحافظين الرئيسي في دفع أميركا إلى حرب العراق والتي يصفها بأنها "أكبر خطأ إستراتيجي خلال 40 عاما، خطأ أكثر تكلفة من فيتنام".

هل الإسلام هو العدو؟
يفرد بوكانان فصلا كاملا في كتابه للحديث عن علاقة أميركا بالإسلام، وهو فصل يشوبه قدر ملحوظ من التردد، إذ يبدأ بوكانان بالحديث عن الإسلام وأركانه، ويقول إن الإسلام لا يعترف بالفصل بين الدين والدولة، ويبدي تأييده لنظرة المستشرق البريطاني برنارد لويس للإسلام والذي يروج لفكرة أن المسلمين ينظرون إلى المسيحيين على أنهم منافسوهم الأساسيون بسبب تشابه الديانة الإسلامية والمسيحية.

"
أيدولوجية وأفكار المحافظين الجدد تنطلق من مبدأ أساسي وهو تطابق مصالح أميركا مع مصالح إسرائيل
"

كما يتحدث عن غزو المسلمين في أوائل عصور الإسلام للبلاد الأوروبية ويقول إن الغزو الإسلامي كاد أن يقضي على المسيحية، ويصف الحروب الصليبية بأنها كانت محاولة لاستعادة الأراضي التي حصل عليها المسلمون من المسيحيين. ويتساءل لو احتلت مكة من قبل جيش من الكفار ألا يبرر المسلمون لأنفسهم إعلان الجهاد لتحرير مدينتهم المقدسة؟ وهل سيشعر المسلمون المتدينون بالعار من هذه الحرب أو يعتذرون عن شنها؟

ولكن في الوقت نفسه يرفض بوكانان فكرة لوم تراجع المسلمين على الإسلام، ويقول إن المشكلة ليست في العقيدة الإسلامية إذ كيف يمكن أن يكون الإسلام هو سبب الانهيار بعد أن كان العقيدة التي دعمت أكثر الحضارات والثقافات تطورا على سطح الكرة الأرضية لمدة ألف عام؟

ويعود بوكانان ليتبنى نظريات برنارد لويس ويقول إن مشكلة المسلمين –كما يصفها لويس– هي أنهم لم يبحثوا داخل أنفسهم عن المشكلة واكتفوا بلوم الغرب.

ثم يعود ليرفض إجابة الرئيس بوش على سؤال "لماذا يكرهوننا؟"، ويقول "نحن مكروهون لما نفعله"، مشيرا إلى عدد من مشاكل سياسة أميركا تجاه العالمين العربي والإسلامي، وعلى رأسها عدم صدق الدعاوى الأميركية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، ووجود القوات الأميركية في الخليج وثقافة أميركا الإباحية (الخمور والمخدرات والإجهاض والأفلام الإباحية) وازدواجية المعايير الأميركية في التعامل مع إسرائيل، وغزو العراق وإذلاله.

ويرفض بوكانان فكرة استعداء الإسلام ويقول إن عدو الإسلام اليوم ليس المسيحية ولكنه ثقافة أميركا العلمانية والفردية والاستهلاكية والعبثية. كما يشير إلى أن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا في أوروبا وإلى أن مسلمي أميركا على الرغم من صغر عددهم ينمون بثقة ويكسبون معتنقين للإسلام.

ويؤكد أنه لا يمكن لدولة أميركا أن تهزم عقيدة الإسلام، فهزيمة عقيدة تحتاج إلى أخرى، ويقول إنه لم تنجح أي إمبراطورية عالمية على مدى التاريخ في هزيمة الإسلام وأن قوة الغرب العسكرية لا تعني أنه قادر على الفوز في حرب الحضارات لأن السوفيات انهاروا رغم ترسانتهم العسكرية.

"
الحرب على الإرهاب هي حرب على عقول وقلوب الجماهير وينبغي على أميركا أن تقنع العرب والمسلمين بمواقفها إذا كانت راغبة في الفوز بهذه الحرب
"

ويري بوكانان أن الإرهاب ليس عدوا ولكنه أسلوب وسلاح، ويقول إن دولا (ضاربا المثال بإسرائيل في بداية عهدها والحلفاء في الحرب العالمية الثانية) وأنظمة وثورات استخدمت الإرهاب أسلوبا لها خلال بعض الفترات التاريخية، ونجحت في النهاية بسبب قدرتها على إقناع الرأي العام بوجهة نظرها.

لذا يرى أن الحرب على الإرهاب هي حرب على عقول وقلوب الجماهير، وأنه ينبغي على أميركا أن تقنع العرب والمسلمين بمواقفها إذا كانت راغبة في الفوز بالحرب على الإرهاب، وهنا يقول بوكانان "مشكلتنا في هذه المنطقة الكبيرة هي أن عشرات الملايين من العرب والمسلمين توصلوا لنتيجة مفادها أنهم يريدوننا أن نخرج".

أجندة المحافظين الحقيقية
في خاتمة كتابه يعود بوكانان ليركز على فكرته الأساسية وهي أن سيطرة المحافظين الجدد على مؤسسات التيار المحافظ الأميركي شغلت المحافظين عن مصالحهم الحقيقة وعلى رأسها رفض تحول أميركا إلى إمبراطورية، ومواجهة التردي الثقافي والأخلاقي في المجتمع الأميركي، والحد من تضخم مؤسسات ونفقات الحكومة الأميركية، ومواجهة تزايد عجز الميزانية الأميركية والعجز التجاري الدولي، وتراجع قيمة الدولار، وصعود القوة الدولية الجديدة وعلى رأسها الصين، والحد من المهاجرين.

ويقول إن المحافظين الجدد لا يتعاملون مع قضايا هذه الأجندة لأنهم يتبنون في أحيان كثيرة أجندة مناقضة لها إلى حد كبير لكونهم لا ينتمون عقائديا إلى التيار المحافظ كما يراه بوكانان.

المحافظون الجدد مشغولون بدفع أميركا إلى شن حرب لإعادة تشكيل العالم الإسلامي، وهنا يعيد بوكانان تأكيد أهمية الحد من التدخل الأميركي في شؤون العالمين العربي والإسلامي، ويقول إن "سيطرة أميركا على الشرق الأوسط ليست حلا للإرهاب. إنها سبب للإرهاب.. لقد هوجمنا بسبب وجودنا الإمبريالي في أراضي مكة والمدينة المقدسة، وبسبب اعتقاد أعدائنا بأننا نقتل الشعب العراقي بالعقوبات المفروضة عليه ونستعد للهجوم عليه مرة ثانية، وبسبب مساندتنا غير المشروطة لنظام شارون الليكودي".

"
سيطرة أميركا على الشرق الأوسط ليست حلا للإرهاب، إنها سبب له. لقد هوجمنا بسبب وجودنا الإمبريالي في أراضي مكة والمدينة المقدسة، وبسبب اعتقاد أعدائنا بأننا نقتل الشعب العراقي
"

كما يقول بوكانان إن "الإرهاب هو عرض للمرض، الإرهاب ليس المرض نفسه"، وينادي بسحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط إذا كانت غير مرغوب في وجودها، ويطالب بعدم التدخل في شؤون العالم الإسلامي وأن يترك "ليشكل مصيره بنفسه"، كما يؤكد فشل إسرائيل وأنها "في أزمة وجودية" كما يؤكد خوف السياسيين الأميركيين من انتقاد إسرائيل أكثر من خوف الإسرائيليين أنفسهم من انتقاد بلدهم.

ويقول إن "شارون وعد بالسلام والأمن.. ولكنه قدم الحرب والكراهية"، كما يؤكد أن "أميركا تحتاج لسياسة شرق أوسطية صنعت في أميركا وليس في تل أبيب أو في الإيباك"، وأنها تخلت عن دورها "كوسيط عادل"، ويقول إن "الرئيس (بوش) لم يعد يجلس على رأس طاولة المفاوضات، ولكن أصبح يجلس خلف شارون مباشرة، وقد يخدم ذلك المصالح السياسية الخاصة بالرئيس وحزبه، ولكن ذلك لا يخدم مصالح أميركا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة