المنظمات غير الحكومية   
السبت 3/8/1435 هـ - الموافق 31/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:16 (مكة المكرمة)، 12:16 (غرينتش)

عرض/زياد منى
كثير منا يسمع بالمنظمات غير الحكومية، أو ما يعرف أحيانا بمنظمات المجتمع المدني أو المجتمع الأهلي (الإنجوز)، لكن قلة منا تعرف تاريخ نشوء مثل هذه المنظمات والجمعيات، حيث نعيدها إلى عصر العولمة وتحديدا بعد هزيمة المجتمع الشيوعي في أوروبا الشرقية وسقوط كثير من معوقات التواصل بين دول المعسكرين وشعوبهم.

هذه النتيجة وصل إليها العديد من البحاثة، لكن بعضهم -كما يرد في الكتاب- أعادوا نشوء "الإنجوز" إلى مطلع القرن الماضي، وبعضهم أعادوا ولادتها إلى ما بعد الحرب العالمية.

هذا الكتاب يستفيد من كلتا النظرتين وفي الوقت نفسه يناقضهما، في ما يخص النظرة الأولى فإن الكاتب ينظر إلى التاريخين من منظور تطور حركة الإنجوز، حيث قسم كتابه إلى ثلاثة فصول رئيسة هي:

-العنوان: المنظمات غير الحكومية.. تاريخ جديد للمجتمع المدني العابر للأمم
-المؤلف: طوماس دفيز
-الناشر: هرست كمبني ليمتد، لندن
-الطبعة: الأولى، 2013
-عدد الصفحات: 302

- من ظهور الإنجوز وحتى عام 1914: هذا الفصل معني بالإنجوز في أواخر القرن الـ18 ونشاطاتها، وهي السابقة للمنظمات المعاصرة كما نعرفها.

هذا الفصل يوضح -وفق كلمات المؤلف- أن ولادة الإنجوز في القرن الـ19 تمت في رحم سابقاتها، كما يبحث ضمن أمور عديدة أخرى في العوامل التي سهلت ولادتها في تلك العصور.
- من 1914 حتى 1939: هذه المرحلة يرى الكاتب أنها مهملة، لذا خصص لها فصلا كاملا، من النقاط التي يعرضها هنا دور الإنجوز في العديد من الأمور، ومنها على سبيل الذكر إسهامها في ولادة عصبة الأمم إضافة إلى منظمة العمل الدولية.

 
- من 1939 إلى يومنا هذا: هذا الفصل يُعنى بدور الحرب الباردة في انقسام الإنجوز العابرة للأمم، ومن ذلك انقسام الحركة العمالية العالمية، إضافة إلى ولادة منظمات خدمية جديدة، ومنها مثلا منظمة أُكسفام. يرى الكاتب هنا أن ولادة الإنجوز في هذه المرحلة وصلت إلى ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته.

يلخص الكاتب هدف كتابته في النقاط الآتية:
- الوصول إلى استنتاج بأن تاريخ نشوء الإنجوز أقدم مما هو متعارف عليه.
- استكشاف الإنجوز الغربية والشرقية.
- تغطية مجالات أوسع من تلك التي نجدها في المراجع المتوافرة قبل صدور هذا الكتاب.
- توضيح أن تطور الإنجوز كان دائريا.
- وضع إطار عام توضيحي لتطور الإنجوز.

قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول رئيسة، أحدها من ظهور الإنجوز وحتى عام 1914. هذا الفصل معني بالإنجوز في أواخر القرن الـ18 ونشاطاتها، وهي السابقة للمنظمات المعاصرة كما نعرفها
أما نقض الكاتب الأفكار السائدة بخصوص تاريخ التأسيس أو الولادة فينطلق من رأيه بأن ولادة الإنجوز تمت في القرن الـ19، بل حتى قبل ذلك، فهو يرى أن الهيئات الكنسية التي نشأت في القرن الـ18 وعنيت بالدفاع عن حقوق المستعبدين أو الرقيق المحررين، مثل جمعية محاربة الاستعباد البريطانية والدولية (BFASS) التي تأسست في العاصمة البريطانية لندن عام 1839 يجب عدها من منظمات الإنجوز.

ومن هذا المنظور يمكن تقسيم الإنجوز -وفق رأيه- إلى منظمات أو مؤسسات أو هيئات دفاع وأخرى خدمية.

هدف الكاتب من العودة إلى هذه التواريخ القديمة تأكيد تأصل فكرة الحداثة في المجتمعات البشرية، والنظرة الجامعة لمشاكل تواجه البشرية، ولذلك فقد خصص قسما من كتابه لتأكيد أن فكرة الإنجوز لم تكن غربية فقط، حيث إن البحث يبين ظهورها في الشرق أيضا بأزمنة موازية لظهورها في الغرب.

من الهيئات الدفاعية تلك التي تُعنى بحقوق الإنسان، وأكثرها شهرة على الصعيد العالمي منظمة العفو الدولية التي تعد بحق منظمة عابرة للأمم، إذ إنها تجمع ناشطين في مجالها في ما يزيد على 150 دولة.

يضاف إلى ذلك -على سبيل المثال- منظمة أطباء بلا حدود التي تضم نحو ثلاثين ألف عضو منتشرين في مختلف بطاح المعمورة، لكنهم يتشاركون في هدف واحد.

الكاتب يشدد على استثناء المنظمات الإجرامية والإرهابية من بحثه، حيث يرى عدم إمكانية عدها من المنظمات الخيرية أو الخدمية غير الحكومية رغم أنه لم يحدد المعنى الدقيق لما يقصده بالمنظمات الإرهابية، وهو ما من شأنه أن يخلق إشكالية حقيقية.

فعلى سبيل المثال، عد الكاتب الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان المسلمين من منظمات الإنجوز الخدمية، لكننا نعرف الآن أن عددا من الدول العربية -وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية- أعلنت جماعة الإخوان المسلمين وتوابعها تنظيما إرهابيا محظورا. هذا مثال واحد على هذه الإشكاليات في غياب تعريف دولي شرعي للمقصود بالإرهاب.
يشدد الكاتب على استثناء المنظمات الإجرامية والإرهابية من بحثه، حيث يرى عدم إمكانية عدها من المنظمات الخيرية أو الخدمية غير الحكومية رغم أنه لم يحدد المعنى الدقيق لما يقصده بالمنظمات الإرهابية

أما الأبواب التي تُعنى بها بعض منظمات الإنجوز والمجالات التي تنشط فيها على المستوى العابر للأمم كما وردت في الكتاب فهذه بعضها: "محاربة الأنظمة" الشمولية، الأعمال، تكتلات الشركات (الكارتِل)، المسيحية، المجتمع المدني، الاتصالات، الشيوعية، الاستهلاك، الجندر، التعليم، التطرف، حقوق الإنسان، وغيرها الكثير.

ومن الأمور اللافتة أن الكاتب أثرى مؤلفه بذكر مراجع مخصصة لكل فئة استهلكت نحو ثلثه.

ختاما، ذكر الكاتب أن تمويل منظمات إنجوز واضح، ودفاترها المالية موضوعة للعامة، لكنه لم يخصص أي قسم من كتابه للحديث عن مصادر التمويل، فالقول إن هذه المنظمة أو تلك غير ربحية وتمويلها غير حكومي لا يكفي لمنحها صفة الاستقلالية، فليس ثمة من جهة مانحة تعطي دعما لجهة متلقية لا تتفق مع أهدافها.

وكلنا يعلم أن الشيء الوحيد المجاني في هذا العالم هو قطعة الجبن في مصيدة الفأر، أما الإعانات المالية الضخمة التي تنالها الإنجوز فتخلق طبقة من الموظفين وفي بعض الأحيان من الطفيليين المعتمدين معاشا على الجهة المانحة.

رغم أهمية الكتاب فهو يضع القارئ والموضوع في إشكالية خصوصا عندما يتعلق الأمر بنشاطات سياسية أو ذات أبعاد سياسية، وهو ما يدفعنا للأمل في قيام المتخصصين العرب ببحث في منظمات الإنجوز الوطنية بمختلف البلاد العربية وعلاقاتها بتلك العابرة للأمم، والرسالات التي تحملها وتحاول نشرها في مجتمعاتنا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة